رأي

هاري وميجان: قصّة  العنصرية وكل الزيجات بقلم: د.غالب خلايلي

يشتدّ اليوم أوار الحرب الإعلامية بسبب قصص هاري وميجان العائلية، ولو لم يكن هذان الزوجان مَن هُما (الأول أمير أبيض من سلالةٍ حكمت العالم ذات يوم وعذّبته، والثانية ممثّلة مشهورة ذات أصول ملوّنة) لما جاء كل هذا الصخب (التواصلي!) الذي لا فائدة ترجى منه، سوى إلهاء البشر عن همهم الأصلي.

ولكانت قصصهما تشبه قصص أي زوجين في أي مكان من العالم، من طنجة إلى جاكرتا، ومن الشام لبغدان، ومن صعيد مصر إلى أي مكان، حيث تشتد الخلافات العائلية بعد حفلات الزواج وربما قبلها، ولو في البيئة ذاتها، واللون ذاته، وليست قصة الأميرة ديانا (البيضاء) ببعيدة عن ذاكرتنا المتلونة بقصص عجيبة.

القصة وما فيها تتلخص بالحكاية المعروفة: هو أن الله تعالى عندما قسم الأرزاق، لم يقبل أحد بنصيبه، كل يطمع برزق غيره (طبعا هناك استثناءات)، وعندما وزع العقول، قبل كل الناس بعقولهم. 

وهذا هو لب المشكلة: العقول، تلك التي ندرك جميعنا أنها هي مشكلة العالم الأبدية، وأن الأديان السماوية كلها جاءت لشحذ هذه العقول وتهذيبها وجعلها تسمو في عالم الخير، غير أن الذين نجحوا في السموّ ليسوا كثرة، مع الأسف، فيما تفوقت العقول الشيطانية في زرع الفتن  والمشاكل وإشعال الحروب.

هل نستطيع أن ننكر أن عالَمنا ذو نزعةٍ عنصرية تفريقية واضحة نراها كيفما تلفتنا؟ إنك ترى المشاكل حولك في أفقر قرية في العالم، وكلما ارتفعت في سلم (الغنى) ولا أقول الحضارة، وجدت من المشاكل البغيضة ما لا يحصى. الأب قد يتنازع مع أولاده وبناته، والأخوة يتنازعون، وكذا أولاد العم والعمة والخالة (فما بالك بمن لا تربطهم رابطة الدم؟)، والأبيض يتعالى على الملوّن، وابن المدينة يتعالى على ابن القرية، والغني يتعالى على الفقير، والقوي يتعالى على الضعيف، وابن المسؤول يتعالى على ابن الموظف الأصغر، وأتباع دولة غنية يتعالون على أتباع دولة منكوبة، وأتباع الديانات المختلفة يضطهد بعضهم بعضا باسم الدين أو الطائفة، وأتباع الطائفة الواحدة قد يتعالون على أبناء طائفتهم لأنهم أفقر أو من غير بلد أو حتى من غير قرية، والقصص لا تنتهي، والأحقاد تتراكم، والسبب الرئيس في كل ما ذكرنا هو البعد عن مكارم الأخلاق والتربية السليمة، وكذا غياب قانون عادل لا يميز بين قوي ذي سطوة وضعيف، وغني يدفع الرشى وفقير، ولا أدلّ على صحة كلامي من كثرة النزاعات والحروب والأمراض والفقر والتمييز في الوظائف وقبول العرسان ورفضهم وتسهيلات السفر وسِمات الدخول … إلخ، في هذا العالم، ولا ينجو من هذه الأمراض إلا ذوو القلوب السليمة، الذين يُمكن أن يصنّفوا مع الأولياء والقدّيسين.

عزيزي الأمير هاري: عندما لحقتَ هواكَ وقلبك (وأنا أؤيدك بالتأكيد، لأنني أكره التمييز من أي لون) قامت دنيا أهلك وعالمهم عليك، وأنا أشفق عليك بحق، لأنك سوف تقضي عمرك وأنت تلوك أحزانك، فأنت ببساطة، وإن تركت بلدك وقارتك، لا تستطيع نسيان أهلك، وهم أيضاً لا يستطيعون نسيانك لأنك من دمهم، وقد سبّبت لهم في عُرفهم (الأسى)، وبظنّي أنه كان الأَولى ألا تدخلَ في سجالات خاسرة سلفا، مهما بلغتْ قوة الحجّة والبلاغة، واعلم أن العالَمَيْن (المخملي والخيش) يغصّان بقصص لو ظهرت إلى العلن، لخربت الدنيا أكثر مما هي خرِبة، واعلم أيضاً أنك لستَ وحدك الذي يعاني خيبات الأهل والأوطان، فمثلك مليارات الأزواج والزوجات المتوجّعين، وليت السيدة أوبرا ركّزت على مكافحة الأمراض المستفحلة والفقر المستشري، بدلاً من تهييج الآلام العائلية والاجتماعية واللونية التي ما زالت قائمة على الرغم من مئات الأنبياء والرسل وآلاف المصلحين الذين ما زالوا يكابدون الأسى مع أصحاب القلوب المريضة..

وعاش الحبّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى