الأخبار المحلية

ميلاد يسوع المسيح.. مناسبة متجدّدة لتأكيد هويته الكنعانية[1]

جهينة-خاص 

رغم أن “الكنعانية” ليست ديناً، بل حضارة وهوية للشعب الكنعاني السوري الذي ينتمي إليه يسوع المسيح، إلا أننا نؤكد في مناسبة ولادته على كونه كنعانياً وليس يهودياً، فالادعاء بيهوديته ادعاء لا أساس له من الصحة والمنطق، أطلقه بعض مراكز البحوث واللاهوتيين من أتباع بدعة ما سمي بــ “الديانة الابراهيمية”… 

بيت لحم الكنعانية مسقط رأس يسوع المسيح 

 ولد السيد المسيح في مدينة بيت لحم بفلسطين، التي كانت تمثّل جزءاً من العالم الكنعاني الآرامي الكبير، وفي عصره كانت فلسطين تحت الاحتلال الروماني(63 ق.م–638 م)، إلا أن بعض العبادات والطقوس والشعائر التابعة للديانة الكنعانية وآلهتها في فلسطين، قد استمر في هذا العصر، كما استمدت الديانة المسيحية الكثير من طقوسها ومفرداتها من الديانة الكنعانية، وكان أهم الأحداث التي عاشها السيد المسيح وشهدها، مرتبطاً بالمدن الكنعانية الواقعة –حالياً- داخل فلسطين وخارجها، مما يؤكد عمق ارتباط المسيحية بالكنعانية، كهوية وحقيقة تاريخية تعرضت لعبث المدارس الصهيونية. 

 يعود أقدم الآثار الكنعانية في مدينة بيت لحم إلى أواخر الألف الثالثة ق.م ومن هذه المدينة، التي دلّت مكتشفات مغارة كنيسة المهد فيهاعلى ولادة المسيح، توجّه السيد المسيحبرسالته شمالاً نحو مدن الجليل وقراه، وصولاً إلى أهم المدن الكنعانية الواقعة على الساحل اللبناني، كصور وصيدا…  

معطيات مدينة كفر ناحوم: 

وتأتي الشواهد الخاصة بمدينة “كفر ناحوم” الكنعانية الفلسطينية الواقعة في الجليل، لتؤكد عبر الرواية الدينية المسيحية، الكثير من المعطيات التي تؤكد كنعانية السيد المسيح، بل والتي تشهد في عصره على كنعانية تلك المدينة وأخواتها من مدن فلسطين والساحل الكنعاني، ذات الارتباط بسيرة السيد المسيح وتفاصيل حياته. 

“كفر ناحوم” مدينةٌ كنعانيةٌ في الجليل الكنعاني، دُعيت في كتاب الانجيل “مدينة السيد المسيح” بعد أن اتجه إليها من مدينة الناصرة التي نشأ فيها وتربّى، فأضحت مركز بشارته، ينطلق منها وإليها يعود، وهي تقع على ساحل بحيرة طبرية شمال فلسطين، حيث ذكر كتاب الانجيل أن الوصول إليها كان يتم أيضاً عبر “بحر الجليل”، أي بحيرة طبرية، ولمدينة “كفر ناحوم” أطلال أثرية ضمن تل أثري يُعرف باسم “تل حوم” أو “تلحوم” –وهو اسمها المتداول في فلسطين- ويعود أقدم مكتشفاتها إلىالعصر الحجري القديم، ثم العصر الكنعاني بدءاً من الألف الثالث ق.م. 

تنبع أهمية “كفر ناحوم” من كونها أحد الروابط التاريخية والأثرية بين الحضارة الكنعانية وبين المسيحية ممثَّلةً بالسيد المسيح وأتباع ديانته انطلاقاً من فلسطين، وتحمل المدينة –حسب ما ورد عنها في الأناجيل وما بين سطورها- أدلّة ممتازة على انتماء مسيحيي فلسطين والمشرق إلى الأصول الكنعانية المنزّهة عن “اليهودية” وتقاليدها المذكورة فقط في كتاب التوراة. 

تضيف شواهد الانجيل عن مدينة كفر ناحوم معلومات غاية في الأهمية، فهي إلى جانب تأكيدها على كون كفر ناحوم الكنعانية مركزاً لنشر رسالة السيد المسيح، وما منحه ذلك من صفة “الجليلي” إلى جانب “الناصري” في التقليد المسيحي، فإنها تؤكد التواصل المتين بين الجليل الكنعاني وأهم المدن الكنعانية في الداخل، كالقدس وبيت لحم، ثم أشهر مدن الساحل الكنعاني الواقعة حالياً في لبنان مثل صور وصيدا…وقد جاءت تلك المعطيات في الأناجيل الأربعة –أي متّى ويوحنا ومرقس ولوقا- دون تناقض، وكان معظمها يشير إلى شهرة السيد المسيح في علاج المرضى وشفائهم في مدينة كفر ناحوم الكنعانية وانطلاقاً منها، مع ما تتضمنه تلك المعطيات من معلومات تخص الموضوع الكنعاني، ولعل وثيقةً مسطورة بالسريانية الآرامية -تعود إلى القرنالخامس الميلادي، ومنقولة عن نسخة قديمةمفقودة- تجمع بين مدينة القدس ومدينة “الرها” السريانية السورية (أورفة)، تشير إلى الأمر ذاته المذكور في كفر ناحوم من علاج السيد المسيح للمرضى وشفائهم، وفي تلك الوثيقة، يعرض ملك الرها “أبجر” على السيد المسيح أن يأتي من القدس إلى الرّها ليحميه من أعدائه وليشفيه من مرض البرص… وتعطي تلك الوثيقة الكثير من المصداقية لروايات الانجيل حول شفاء السيد المسيح للمرضى في كفر ناحوم ومناطق أخرى، ويبدو أن شهرة السيد المسيح في هذا المجال قد انتشرت في سائر أنحاء العالم الكنعاني الآرامي القريب، لتعطي أدلّة هامة على بيئته التاريخية وانتمائه –والديانة المسيحية- إلى هذا العالم، وفي هذا الاطار نذكر ما ورد في سفر متّى من كتاب الانجيل، من أن شهرة يسوع المسيح في علاج المرضى قد ذاعت في كل سوريا. 

 بين كفر ناحوم وصور وصيدا: 

  يذكر كتاب الانجيل (متّى ومرقس) معلومات فائقة الأهمية تتلخص في أن السيد المسيح، وبعد استقباله في كفر ناحوم لرجال من مدينة القدس، خرج من كفر ناحوم متّجهاً نحو صور وصيدا الكنعانيتين على الساحل اللبناني، والقريبتين من الجليل، فالتقى بامرأة كنعانية (فينيقية سورية حسب إنجيل مرقس) كانت خارجة من تلك التخوم (أو التقت به في بيت دخل إليه هناك حسب مرقس) فصرخت إليه قائلةً: “إرحمني وأعنّي يا سيد، ابنتي مجنونة جداً (بها روح نجس وشيطان حسب مرقس)…فشفى السيد المسيح ابنتها (أخرج الشيطان منها حسب مرقس)، ثم غادر المكان باتجاه “بحر الجليل” (بحيرة طبرية) وصعد الى الجبل وجلس هناك. 

 ويأتي التفسير التاريخي للرواية السابقة أهمَّ وأعمقَ من التفسير اللاهوتي، فكفر ناحوم تبدو من خلال الشواهد السابقة مقراً آمناً للسيد المسيح في منطقة الجليل التي ترعرع فيها وعرفها جيداً انطلاقاً من “الناصرة”، وهي منطقة تعج بالمدن الكنعانية، ومن ناحية أخرى، فعلاقة السيد المسيح بكبريات المدن الكنعانية –كالقدس- كانت متواصلة أثناء وجوده في كفر ناحوم، وكذلك الأمر مع أهم المدن الكنعانية الساحلية، التي تعكس شواهد الانجيل صلته الكبيرة بها، ومعرفة سكانها به وبصفاته، ومخاطبتهم إياه بنفس اللغة التي يتكلمها –أي الكنعانية-… 

 وأخيراً تشير الشواهد السابقة إلى ثبات الحضارة الكنعانية واستمرارها عبر العصور وصولاً إلى عصر السيد المسيح، وهو عصر كان تحت الاحتلال الروماني للمنطقة، ومن المثير أن تذكر الأناجيل في وقت متأخر هوية المرأة التي استنجدت بالسيد المسيح في منطقة صور وصيدا، وهي “الكنعانية” أو “الفينيقية السورية”…الأمر الذي يلقي الضوء أيضاً على مصطلحيْ “الكنعاني” و”الفينيقي”، حيث يوحّد بينهما إنجيل مرقس، لا سيما وأن  اسم “فينيقي” مشتق من اسم “كنعاني”.  

وبالطبع لا تحظى مدينة كفر ناحوم بالاهتمام من قبل مراكز البحوث التاريخية والأثرية المتخصصة، شأنها في ذلك شأن العديد من المدن الكنعانية الواقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي خاصةً، فتلك المدن كانت -ولم تزل- عرضةً لعمليات التهويد، تلك العمليات التي تلجأ أولاً إلى التغطية على الحقائق الكنعانية التي تتعلق بتلك المدن، سواء وردت ضمن معلومات كتابيْ التوراة والإنجيل، أو من خلال المكتشفات الأثرية…أما جل تفاسير ما يسمى بـ”الكتاب المقدس” بخصوص المدن الكنعانية، فذو طابع لاهوتي متواضع، بل ومنحرف في الكثير من الأحيان، ولا يخرج عن الإطار الذي حددته له المدرسة التوراتية، كما ويفتقر إلى الدقة في الإحاطة بالمعلومات، ووضع السليم منها في إطاره الصحيح والصريح. 

يسوع المسيح يؤكد هويته حسب الأناجيل 

  يخطئ الكثير من الباحثين واللاهوتيين في نسب السيد المسيح إلى “اليهودية”، ويتعمّد آخرون ذلك، في إطار عملية تهويد المسيحية وتراثها كديانة وُلدت في فلسطين الكنعانية، تلك العملية المستمرة إلى الآن وهي سياسات ومعتقدات خرافية وأطماع يهودية صهيونية غربية بدأت تفرض نفسها على العالم الغربي والمنطقة العربية منذ القرن السادس عشر الميلادي، أي في الوقت الذي ضمّ فيه جناح متهوّد من “البروتستانتية” الغربية كتاب “العهد القديم” (التوراة) إلى كتاب “العهد الجديد” (الإنجيل) تحت مسمى “الكتاب المقدّس”، والذي طُبِعت أولى نُسخه في القرن المذكور. 

وكان الهدف من ضم كتابيْ التوراة والإنجيل، تصوير المسيحية وكأنها استمرارٌ لليهودية، فأحيا الجناح البروتستانتي المتهوّد كتاب “التوراة” على أنه أساس المسيحية، وبالتالي فقد حاول بذلك إلزام المسيحيين بكل ما ورد في هذا الكتاب –ومن ضمنه ما سُمي زوراً وبهتاناً بـ”الوعد الإلهي لليهود في أرض فلسطين”- إلا أن ذلك يخالف علم التاريخ والمكتشفات الأثرية، كما يتناقض مع المنطق المسيحي الحقيقي منذ زمن السيد المسيح، الذي عبّر عن أن مملكته ليست على الأرض بل في السماء: “مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسَلَّم الى اليهود…”…ومن ناحية أخرى شكّك السيد المسيح بانتماء “اليهود” إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، حسب شواهد إنجيل يوحنا، حيث جاء فيه: “… قال لهم يسوع (أي لليهود) لو كنتم اولاد ابراهيم لكنتم تعملون أعمال ابراهيم…أنتم من أب هو ابليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق… الذي من الله يسمع كلام الله، لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من الله…” 

 على خشبة الصلب يسوع المسيح ينادي “إيل” الكنعاني وليس “يهوه” اليهودي 

سجّلت شواهد كتاب الانجيل وبعض المدونات السريانية القديمة ارتباط السيد المسيح باللغة الكنعانية-الآرامية وأهم رموز الكنعانيين الدينية، حيث ردّد على خشبة الصلب عبارة “إيلي إيلي لما شبقتني”، حسب إنجيل متّى، أي إلهي إلهي لماذا تركتني، ومن المعروف أن “إيل” هو اسم كبير الآلهة الكنعانيين ويحمل معنى “الإله”، هذا فضلاً عن وصف السيد المسيح في المأثور المسيحي باسم “عمانوئيل”، ذي التركيبة اللغوية الكنعانية، والذي يعني “إيل معنا” أو “الله معنا”… 


[1])- من محاضرة للدكتور إبراهيم خلايلي تحمل عنوان “هوية السيد المسيح في ضوء معطيات الانجيل والحقائق الكنعانية” أُلقيت عبر تطبيق (كلوب هاوس) بتاريخ 19/12/2021   
عرض النص المقتبس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى