آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

«منذر كم نقش» يدخلُ زمن الغياب..فنانٌ شغوفٌ بدورة الحياة وتحوّلاتها

 

جهينة- د. محمود شاهين

«عندما يبلغ منّا التعبُ مبلغاً، فإن الملجأ الوحيد نجده في اللجوء إلى الطبيعة، كأننا نلجأ إلى أصولنا نطلب الراحة والتوازن، ونجد أنفسنا أمام جملةٍ من الأحاسيس المبهمة، وأنّ الوعي وتلمُّس بداية الحقيقة بوضوح بدأ يسري فينا»، هذه بعض من عبارات قدّم فيها «منذر كم نقش» الفنان التشكيلي السوري الهادئ، الرصين، المبدع، المثقف والمهذّب، معرضه الأخير في صالة المركز الوطني للفنون البصريّة بدمشق خلال شهر أيلول الماضي، وكأني به يبوحُ من خلالها بقرب دخوله زمن الغياب والوصول إلى راحته الأبديّة، فقد دأبَ على زيارة أسرته الصغيرة المُقيمة في سويسرا وبشكل دوري خلال شهري حزيران وتموز، أما باقي شهور العام فهي من نصيب مسقط رأسه دمشق.. أنهى منذر هذا العام زياراته السعيدة لأسرته، فقد أغمض عينيه إلى الأبد صباح الأربعاء الثالث من تموز 2019 في أحد مشافي جنيف، ليدفن تحت شجرة عملاقة في بلاد زوجته الخزّافة السويسريّة «سيلفيا موزير».

مسيرة حافلة

الفنان كم نقش من مواليد دمشق عام 1935، تخرّج في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1968، عاد إلى القسم مُعيداً في العام نفسه، تابع دراسة النحت في المدرسة الوطنية العليا بباريس وعاد ليعمل مدرّساً له في كلية الفنون الجميلة بدمشق حتى طلب إحالته إلى التقاعد عام 1996، ومنذ ذاك التاريخ وحتى رحيله ثابر على ممارسة الفن بشكل حر، ومن ثم قدّمه للناس عبر معارض جماعيّة وفرديّة بدأها عام 1996، حيث أقام أول معرض فردي له في صالة المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، ثم المعرض الفردي الثاني في المكان نفسه عام 1999، ثم أقام الثالث في صالة «أيام» للفنون ببيروت عام 2011 تحت عنوان «فينوس الغيوم» وآخرها المعرض الاستعادي في المركز الوطني للفنون البصريّة بدمشق عام 2018.
بدأ الفنان كم نقش مسيرته الفنيّة منتصف ستينيات القرن الماضي أثناء دراسته الأكاديميّة للفن في دمشق، وانضم مطلع السبعينيات إلى «جماعة العشرة» التي ضمّت أسماء بارزة في التشكيل السوري المعاصر هي: إلياس زيّات، نعيم إسماعيل، نذير نبعة، عبد القادر أرناؤوط، غياث الأخرس، غسان السباعي، نشأت الزعبي، خزيمة علواني، أسعد عرابي، كما انضمت إليها أسماء أخرى كأحمد دراق السباعي. ومن أبرز مشاركات الفنان كم نقش في المعارض العامة – قبل انطلاقته الأخيرة – كانت في معرض لجماعة العشرة حمل عنوان «تحية للفنان غياث الأخرس» شهدته صالة المعارض في المركز الثقافي العربي بدمشق من 13 إلى 19 آذار 1972، واقتصرت هذه المشاركة على النحت، أما معارضه الحديثة فقد ضمّت أعمالاً في الرسم والتصوير إضافةً إلى النحت اختصاصه الأكاديمي.

المرأة محور اهتمامه

تتفرّد أعمال الفنان كم نقش، على اختلاف التقانات المُنفّذة بها، مجسّمةً كانت أم مسطّحةً، بوحدة عامة أبرز مظاهرها ولعه الشديد بموضوع وجه المرأة ويديها وعلاقتها ككيان بالأرض، وهو يرسمُ وينحتُ هذا الموضوع بأسلوب واحد ورؤى متشابهة تدور جميعها حول المرأة صانعة الحياة ومحورها ووعاء تجدّدها واستمرارها، مثلها في ذلك مثل الأرض التي تلتقي وإياها في هذه المهمة، ما يجعلها صنواً لها وندّاً، لذلك يقوم الفنان كم نقش بالربط بينهما بإحكام شديد، حيث يزرع جسد المرأة بكل حمولاته ورموزه وتضاريسه في جسد الأرض، ليبدو العنصران في حالة عناقٍ وتماهٍ حميميّة، فالمرأة -كما يرى- صلة الوصل، والإنسان الذي يقدم لنا نبض الحياة ودفقها في آنٍ واحد ولكل المخلوقات، هذا الدور المهم الذي تؤديه المرأة قاده إلى موضوع دورة الحياة في الطبيعة، سواء كانت برعماً أو نباتاً صغيراً أو حتى شجرة تُلقي بآخر أوراقها في الخريف، وهو في أعماله دائم العودة إلى الذات للبحث عن الألق والأشياء النقية فيها. والحقيقة تجمعُ رسوم ومنحوتات الفنان كم نقش وحدةً أسلوبيّةً طاغيةً على لوحاته ومنحوتاته، بحيث يمكن القول إنه يرسم بالنحت، وينحت بالرسم، فالرسم لديه رشيق الصياغة، منساب الخطوط، شفيف الظلال، متوافق الإيقاع خطاً ولوناً وعناصر، والأشكال والهيئات «إهليلجيّة» ملفوفة السطوح، مستديرة الكتل ما يقرّب رسومه من النحت المُموسق أو الخزف المشغول بانسيابيّةٍ ساحرةٍ، وينسحبُ هذا الأسلوب على منحوتاته المشغولة باستدارة رشيقة ومبالغة بطول الأصابع وحركتها ونسبها وعملية تجسيمها، بحيث تبدو كأنها منحوتات خزفيّة أو حجارة وحصى نهريّة، كوّرتها المياه وشذّبتها، لتأخذ أشكال وهيئات أعضاء ووسائل صنع الحياة وتجديدها، سواء منها الإنسانيّة أو الأرضيّة، إذ غالباً ما تتداخل في أعماله العناصر الإنسانيّة بعناصر الطبيعة كالتلال والغيوم والكثبان والوهاد والجذور الضاربة عميقاً في رحم الأرض على هيئة رموز وإشارات وأشكال حلميّة، تذهب بالمتلقي إلى أكثر من معنى ودلالة حسيّة تتمحور جميعها حول وسائل وأدوات برعمة الحياة وتكوّنها.

إحساسٌ طاغٍ بالشهوانية

يعالج الفنان كم نقش العناصر الإنسانيّة والشيئيّة في رسومه بإحساسٍ طاغٍ بالتجسيم والتحجيم والانسيابيّة البضّة، ما يؤكد تماهي شخصيّة الرسام بشخصيّة النحّات فيه، وهو أمر يجب أن يتوفر في كل نحّات، حيث اتفق النقاد والباحثون في علوم الفنون على أن النحّات الجيد هو بالضرورة رسام جيد أيضاً، وأنّ جمعه لهاتين الخصيصتين يمنحه القدرة على استنهاض كتل فراغيّة مدروسة ومتميزة وسليمة. هذا في الرؤية الكلاسيكيّة التقليديّة للنحّات، أما (اليوم) وبتأثير التطور المذهل لوسائل التعبير وأدوات المعرفة، فقد تلقّت الثقافة عموماً، والفن خصوصاً، دعماً كبيراً جعل الحدود بين أجناسها المختلفة تنهار وتتهاوى، ليدخل معها الشّعر على الموسيقا، والاثنان معاً على الفن التشكيلي، والعكس صحيح أيضاً، كما انهارت الحدود بين أجناس الفن التشكيلي نفسها، حيث بدأنا نرى فوق سطح اللوحة نحتاً وحفراً مطبوعاً وخزفاً وتصويراً ضوئياً، إضافة إلى عناصرها التقليديّة من الخطوط والألوان. هذا الواقع الجديد وضع الفنان التشكيلي- كما يرى كم نقش- أمام خيارات لا حدود لها، أضحت معها حرية التعبير مسؤوليةً لا يمكن ممارستها من دون مراقبةٍ ذاتيةٍ سعياً وراء القيمة، الأمر الذي جعل الفنان المعاصر يواجه صراعاً بين طغيان المادة والحاجة إلى القيم الإنسانيّة التي باتت ضروريّةً إلى حدٍّ بعيد إذا كنا حقاً نريد إنجاز أعمال فنيّة تُغني معرفتنا، كما فعل أسلافنا عبر مراحل التاريخ المختلفة. ولأن الفنان كم نقش، يعتني جيداً بتجسيم عناصر أعماله الفنيّة، ويؤكد انسيابيّة سطوحها وترابطها واستدارة كتلها، وينوّع في أحجامها وأشكالها، ويحوّر في نسبها، ويبالغ في حركاتها، ويجنح إلى رموز الجنس وأدواته، تفرز أعماله إحساساً طاغياً بالشهوانيّة المشوبة بنوعٍ من الطهر، الأمر الذي يقاطع مفرداته التشكيليّة مع رموز وأدوات ومراحل صناعة الحياة في الإنسان والطبيعة، لنجد أنفسنا في النهاية بمواجهة مباشرة مع برعمها الذي يبدأ من نطفة، ثم يأخذ شكل البيضة أو الزهرة، ثم شكل الطفل أو الثمرة، وكل هذا يأتي لديه متداخلاً بهيئات لتلالٍ ووهادٍ وأخاديد وأنهارٍ وسواقٍ وجذورٍ ونباتاتٍ وأعشابٍ وغيومٍ وزبد الموج وكثبانٍ تتماهى إلى حدٍّ بعيد مع جغرافيّة الجسد الإنساني الملفوف، البضّ، المفعم بالحياة والإثارة، والمؤلّف هو الآخر من تلال ووهاد وثنيات وبروزات واستدارات، تبدأ من نقطة، وترتد إليها عبر سطوح مُنحنية، ملفوفة بحساسيّةٍ عاليةٍ تُفضي إلى مجسّمات مُفعمة بالخيال والحلم والجنس، معالجة بأسلوب مختزل تتداخل فيه نزعة تشخيصيّة تعبيريّة بنزعة سورياليّة تجريديّة.

المرأة والأرض

لقد شغف الفنان كم نقش بموضوع «دورة الحياة» في الإنسان وفي الطبيعة، فكرّس جلّ أعماله المسطّحة والمجسّمة للتعبير عنها من خلال عملية ربط محكمة بين عنصريها: المرأة والأرض.. المرأة التي تتناسخ في رحمها الحياة البشريّة وتتجدّد، والأرض التي من تربتها تنبثق مُسببات حياة الإنسان، وفوقها تكرجُ دورتها وتستمر.. ولأن كل شيء يبدأ من فعل «التبرعم» والإنبات، فقد شكّل «برعم الحياة» المحور الأساس لأعماله الموزعة على الرسم والتصوير والنحت.. النحت الذي جاء الفنان كم نقش من حقوله إلى الأجناس الفنيّة التشكيليّة الأخرى، مازجاً بين خصائصها جميعاً، إذ أدخل النحت إلى الرسم والتصوير، والعكس صحيح أيضاً، وهو في الحقلين وضعَ بصمةً خاصةً فيها الكثير من التفرّد والجدّة والصدق والشفافيّة والحساسيّة المرهفة. كما أنّ المضامين التي حملتها أعمال الفنان منذر كم نقش قد لا تكون جديدةً على الفن التشكيلي، فقد عالجتها أقلام وريش وأزاميل الفنانين التشكيليين بأكثر من صيغة وشكل منذ تعرّفوا لأول مرة على وسائل تعبيرهم، وكذلك فعل التصوير الضوئي الذي نافس الفن التشكيلي وزاحمه على العديد من موضوعاته ومهامه وأدواره، حيث تصدّى هو الآخر لموضوع المرأة والأرض، هذان الرمزان الأزليان للخصوبة والعطاء واستمرار الحياة، فماهى بينهما عبر علاقة رائعة، من تناوب الأضواء والظلال فوق حمولات جسديهما من تضاريس تجمعُ بينهما جملةٌ من القواسم المشتركة شكلاً ودلالةً، وهو ما دلّل عليه الفنان كم نقش في أعماله تلميحاً تارةً، وتصريحاً تارةً أخرى، الأمر الذي وفّر للمتلقي حرية التخيّل واستنباط الرؤى والتصورات والمعاني التي يرغب ويريد من حالة التماهي المثيرة التي أقامها الفنان بين جملة هذه التضاريس المُشكّلة للوعاءين الرئيسيين اللذين تتم بهما عملية تبرعُم الحياة وانبثاقها: الأول رحم المرأة، والثاني رحم التراب!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock