رأي

مداهمة الجمارك لسوق “بالة” دمشق..بأية طريقة تمّت، وهل هكذا تُطبَّق القوانين؟!

جهينة نيوز-خاص 

في يوم الثلاثاء الماضي، الواقع في الرابع عشر من شهر كانون الأول 2021، اقتحم عناصر الجمارك السورية -عبر حملة مداهمة عنيفة- محال تجار وصغار بائعي الألبسة المستعملة المعروفة عند المواطنين السوريين بـ”البالة”، وذلك منذ عشرات السنين، كألبسة تستر أجسادهم في الصيف وتقيهم شرّ برد الشتاء القارس وعواصفه الثلجية، حيث لا مفرّ من ذلك، ولا مقرّ آخر يلجأ إليه أصحاب الدخل البسيط لاقتناء ما يلزمهم ويلزم أطفالهم من ملابس… 

استهتار 

وقد تم الاقتحام –حسب تصريحات أصحاب المحلات- بدون إذنهم ودون أي إشعار مسبق لهم أو لمختار المنطقة أو –على الأقل- تكليف قسم شرطتها المدنية بذلك، كما هو مألوف عبر عشرات السنين، وقد وقف أصحاب المحال والبسطات المتواضعة مدهوشين ممتعضين مما يجري، مستغربين أسلوب الحملة الجمركية، المدجّج عناصرها بكل معدات كسر الأقفال وفتح الخزائن والدروج، بما فيها تلك التي تضم إليها “غلّة” اليوم من نقود، يجمعها البائعون لشراء ما تيسر من بضاعة في اليوم التالي، ليكسبوا بها قوت أيامهم… 

بين ضبط الحدود ولقمة ذوي الدخل المحدود 

هذا وقد طالب المستهدفون عبر “مكروفونات” الاعلام المحلي إدارة الجمارك بضبط الحدود التي تدخل منها الشحنات الضخمة من “البالة”، وليس استعراض القوة وسطوة القوانين في المحلات المرخصة أصولاً كمتاجر في قلب العاصمة، هي بسهولة في مرمى أنظار كل أنواع السلطات البلدية والشرطية وتلك التي تتبع لوزارة التجارة الداخلية، وحتى الصناعة…ومن ناحية أخرى فما هو المؤيد القانوني الذي يسمح لعناصر الجمارك بمصادرة المواد (المهربة) داخل المدن بدلاً من منعها من الدخول عبر النطاق الجمركي المحاذي للحدود السياسية لسورية، أو بدلاً من السماح بعبورها للأمانات الجمركية البحرية وغيرها .  

خسائر فادحة 

لقد صرّح الباعة لوسائل إعلام محلية أن الجمارك صادرت كل شيء من ألبسة وأحذية، فأفرغت قرابة أربعين محلاً من محتوياتها، وأن قرابة ثلاثين سيارة تحمل حوالي ستين عنصراً، شاركت في عملية الاقتحام وخلع المحلات ومصادرة ما فيها، مما كبّد كلّاً من أصحاب تلك المحلات خسائر قُدِّرت ما بين مليونين وعشرة ملايين ليرة سورية، رغم الضريبة التي يدفعها صاحب كل محل سنوياً والمقدرة بـ 450 ألف ليرة سورية سنوياً. 

وفوق ذلك، ادّعى بعض أصحاب المحلات أن بعض عناصر الحملة أخذوا مبالغ مالية من دروج محلاتهم، دون التمكن فيما بعد من استعادة كامل المبالغ من مكتب المختار، مما أحدث نوعاً من البلبلة في السوق، الذي يكتظ بالزبائن والمواطنين والباعة من كل حدب وصوب، ومما جعل الحابل يختلط بالنابل، وكل ذلك باسم تطبيق القانون، فأي قانون ذلك الذي طبقته الجمارك في سوق بالة شارع خالد بن الوليد؟ وإذا كان الهدف هو محاربة تجار البالة الكبار فلماذا لا تتم متابعتهم شخصياً وتنظيم القضايا الجمركية بأسمائهم بدلاً من تمرير البالات الكبيرة والسماح بإدخالها وعدم ضبطها إلا بعد أن تصبح بحوزة تجار المفرّق، الذين يعتبرون من صغار الكسبة الذين يشترون “البالة” بالقطعة وليس بالوزن…وحتى لو اشتروها بالوزن، فأية أوزان يشتريها تجار تلك المحلات الصغيرة؟ هل تضاهي أوزان ما يتطلب أكبر الرافعات لإنزالها –مثلاً- من السفن إلى الموانئ، وهي الأماكن الرئيسية لاستقبال شحنات البالة الضخمة؟! 

وللإشارة، فالجمارك لا تملك الحق القانوني بمصادرة البضائع المهربة إلا اذا تابعتها وطاردتها عناصرها مطاردة متواصلة ومستمرة الى المستودعات التي تخزن فيها، كما لا توجد نصوص قانونية في الجمارك تسمح لعناصرها باقتحام المحلات التجارية بقصد مصادرة  البضائع الأجنبية الممنوع استيرادها، فمنع الاستيراد له أماكن أخرى بعيدة عن أكواخ البائعين الصغيرة، الملاصقة –تقريباً- لقيادة شرطة دمشق. 

المواطن هو المتضرر الأول والأخير 

لا شك أننا مع تطبيق القوانين التي تحمي البلد والمواطن كما وضعها المشرّعون، وكما نصت عليها المراسيم، وكما صادق عليها مجلس الشعب، ولكن هل هكذا يُعامَل جزء من الشعب؟! ذلك أن المتضرر الأول والأخير مما حدث في سوق البالة هو المواطن البائع، والمواطن الشاري، وكلاهما يسبح في فلك صعوبة الظروف المعيشية ومحاولة تخطي أيام منها، بمأكل وملبس لئلا يجوع وييأس… 

“لا حول ولا قوة إلا بالله”… 

هكذا بتنا في الإعلام نردد أيضاً، فلغة الكلام البشري العادي تقف حائرة أمام تصرُّف غير لائق لموظفين، من المفروض أنهم يعملون باسم الدولة، بل باسم أهم أجهزتها التي يجب أن تحافظ على السلم والأمن وعدم إثارة الفوضى والرعب بين المواطنين، أياً كانت صفة أولئك المواطنين في الأسواق، فالمدقق في وجوه المتضررين من أصحاب محلات البالة المغدورين، إنما يلمس مشاعر غبن وحنق وغضب نحن بغنى عنها في أحلك ظروف البلاد، بل بعد عبورنا لما هو أشد حلكة من ظروفها، فهل ثمة من يخطئ ويرتكب ما قد يجعل تلك الظروف تستعاد بأوامر وتصرفات تعسفية لا مبرر لها في القانون، عكستها في سوق بالة دمشق مؤخراً، الطريقة التي دوهم فيها السوق من قبل عناصر الجمارك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى