آخر الأخبارأبواب المجلة الورقيةزوايا

لعبة الحياة! بقلم: د. محمود شاهين

ما إن يبدأ الإنسان رحلته في الحياة، ويتعرّف إلى مُتعها ولذاتّها ومباهجها، حتى تتملّكه آمال عريضة، وأحلام ورديّة، وطموحات لا تعرفُ الحدود، بامتلاك أكبر قدرٍ ممكنٍ من وسائل تحقيق هذه المُتع والمباهج.. قد ينجحُ بالفوز بهذه الوسائل أو بعضها، وقد يجافيه النجاح في ذلك، فيجهدُ طوال عمره لتأمين متطلبات بقائه على قيد الحياة.. وهكذا يولدُ ويعيشُ ويموتُ وهو يناضلُ على جبهات العيش. إنّ غالبية الناس تتعثرُ حظوظهم في العثور على عملٍ مُثمرٍ يُحقق لهم الحياة الرغيدة، لكنّ بعضهم قد يتمكّن من تحقيق النزر اليسير منها في مرحلةٍ عمريّةٍ معينةٍ، ما يجعلها تتحول لديهم إلى مخزون سعادة مُجمّد ومُؤطّر بزمن حدوثه، يلجؤون لاستدعائه إلى الذاكرة كلما فشلوا بخلق محطاتٍ سعيدةٍ جديدةٍ بالزخم والعمق والبهجة نفسها، وبعملية الاستعادة هذه يرسمون عوالم افتراضية مُشتهاة في مخيلاتهم، ويتوهمون امتلاكها اعتماداً على ما خبروه وعاشوه وخزّنوه من المُتع سابقاً.
في غمرة توزّع الإنسان بين النجاح والإخفاق، والسعادة والتعاسة، والأمل واليأس، والحلم والقنوط، يجدُ نفسه على أبواب الخروج من الحياة، ما يدفعه للركون إلى مواجهة هذه الحتميّة والتصالح معها، فيعملُ لآخرته كأنه يموتُ غداً. أما الإنسان الآخر الذي أخذته مباهج الدنيا ومسرّاتها فينسى حتمية هذا الخروج، ويدغرُ على الحياة كأنه يعيشُ أبداً. مع ذلك لا بد أن ينتاب المأخوذ بمباهج الدنيا الماديّة، بين الحين والآخر، إحساسٌ طاغٍ بالضجر والفراغ والرتابة القاتلة في حياته اليوميّة، وهي حالة قديمة- جديدة مرافقة لوجود البشر، الأمر الذي حوّلها إلى قرينةٍ لهذا الوجود، وإحدى السمات اللصيقة بشخصية الإنسان، وما زالت حتى (اليوم) تُشكّل أحد العوامل الرئيسة التي تسبب له اليأس، وتدفعه للقنوط، وتخلُّ بتوازنه الجسدي والنفسي، ما يدفعه «كلما انتابه الشعور بالفراغ والعدميّة وغموض النهاية التي تنتظره» للبحث عن وسائل مختلفةٍ لتحريك رتابة حياته وتجديدها، واستجرار مبرراتٍ جديدةٍ لحُبها والاستمرار فيها، متناسياً «إلى حين» حتمية خروجه منها، والمصير المجهول الذي ينتظره بعدها. ومن هذه الوسائل: الأعياد والاحتفالات متعددة الأشكال والألوان، سواءً تلك التي ارتبطت بعقائد دينيّة أو اجتماعيّة وراثيّة أو شخصيّة، أو تلك التي ارتبطت بظواهر طبيعيّة متعددة.
وبغضّ النظر عن المرجعيات الحقيقيّة الكثيرة والعديدة والمختلفة للأعياد والمناسبات الاحتفاليّة الأخرى التي أوجدها الإنسان في حياته، فإنّ الهدف الرئيس وراء اختراعه لها ظلّ واحداً هو: تحريك روتين حياته وتجديدها، وإيجاد مبررات دائمة للاستمرار فيها، وإبعادها عن الوقوع بين مخالب الضجر وأنياب اليأس الذي أصبح (اليوم) مرضاً فتّاكاً، يقوم بدفع بعض من يُبتلى به للخروج من الحياة قبل الأوان بإرادته وعن سابق إصرارٍ وتعمّد.. أي بالإقدام على الانتحار! والحقيقة التي أكدتها الدراسات والبحوث النفسيّة والاجتماعيّة تشيرُ إلى أنّ الضجر الذي يقودُ إلى السأم فاليأس، بات (اليوم) من أخطر الأمراض التي تصيبُ الإنسان، وتدفعه إلى وضع حدٍّ لحياته بنفسه. بمعنى أن هذا المرض النفسي أشدّ فتكاً بالإنسان من الأمراض الجسديّة «الفيزيولوجيّة» التي تصيبُ بدنه، إذ في حين يمكن معالجة هذه الأمراض بالأدوية والعمليات الجراحيّة وأحياناً بالوقاية، تصعبُ معالجة الأمراض النفسيّة لغموض مسبباتها وشدة تعقيداتها داخل تلابيب وأغوار نفسه، واللافت أن المُتخمين: سلطةً ومالاً، هُم الأكثر إصابةً بهذا المرض الفتاك!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى