آخر الأخبارإصدارات جهينةالافتتاحية

قَدَرُ المُواجَهة

لا يمكنُ لأيّ متبصّرٍ أو دارسٍ حصيفٍ، لما آلت إليه الأوضاع المعيشية والضغوط الاقتصادية التي يرزحُ تحتها الأغلبُ الأعمُّ من السوريين هذه الأيام، أن ينكر أنّ الأوضاع المذكورة وصلت حدّ الضائقة الخانقة التي رسَمَ لها وأرادها الأعداء منذ بداية حربهم على سورية، وهي بالإجماع المرحلةُ الأشدُّ والأخطر. كما ليس بإمكانه استنكارُ أو الإعراضُ عن حقّ الشعب الذي يعيش هذه الضغوط القاسية في أن يعبّر عن رأيه ويُعلي صوته بضرورة مكافحة الفساد وفضح الفاسدين والمُحتكرين والمُتاجرين بقُوتِ الناس، وفي الوقت نفسه مُساءلة الجهات الحكومية عن الحلول التي يمكن أن تُخرجه أو تخفّف عنه هولَ هذه الضائقة، لكنْ بعيداً عن التحركات الغوغائية والاحتجاجات التي يمكن أن تُعيدنا إلى ما جرى في آذار من عام 2011، والتي تكررت وتتكرّر مع الأسف حتى (اليوم) في غير بلدٍ عربي، حيث ينقلُ المتربّصون بعض هذه التحركات من حيّز المطلب المعيشي إلى أجنداتٍ سياسيةٍ، ستضرُّ أول ما تضرُّ بالمواطن نفسه، وبالتالي ستؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار وربما تدمير الوطن.
وبناءً على ما سبق، تعالوا لنُعمل العقل ونتفكّر بالسنوات الثماني التي مضت وتخطّيناها بكلّ قوةٍ وشجاعةٍ وثباتٍ، ولا ننجرُ وراء الدعوات المشبوهة التي افتُضحت أهدافها وشعاراتها المزعومة فيما بعد، تعالوا لنستفيد من الدرس، نبحثُ عن سبب هذه الضائقة، ولا نقفُ فقط عند نتائجها المريرة التي طالتنا جميعاً، فالشعبُ الذي واجه حرباً إرهابيةً شرسةً، جُنّد لها مُجرمون وشُذّاذ آفاقٍ وقطّاع طرقٍ وتكفيريون من مشارق الأرض ومغاربها، وشاركتْ في نسج خيوطها أكثر من اثنتين وثمانين دولةً، قادرٌ بصبره وصموده على أن ينتصر على هذه الضائقة، التي تعدّ شكلاً من أشكال الحرب الناعمة أو حروب الجيلين الرابع والخامس، والتصدّي لها يكون بالوعي لا بالانفعالات والاحتجاجات العشوائية التي يمكن أن تقود البلاد والعباد إلى ما لا تُحمد عقباه.
ندركُ جميعاً أنّ قَدَر سورية وشعبها، منذ الأزل، أن تواجه وتخوض أشرس المعارك دفاعاً عن كرامة وكيان الأمة العربية برُمّتها، كما ندركُ ونؤمنُ أكثر بأنّ السوريين، الذين كانوا علامةً فارقةً في تاريخ الحضارة الإنسانية للمنطقة والعالَم، سيظلّون الشعب الذي يعي طبيعة المعركة وصور الاستهدافات، بل سيتحدّون القهر والظلم والبَرْد والجوع وأشكال الحرب كافةً، دفاعاً عن كرامتهم ووجودهم، ولن يُرهبهم الحصار الاقتصادي ولا تبجّحات الولايات المتحدة وتابعيها في الغرب وأذنابها في المنطقة ولا تهديداتهم التي أثبتت فشلها خلال سنوات الحرب الماضية.
إنّ قليلاً من الوعي والتكاتف في مُواجهة ما يجري (اليوم) كفيلٌ بالخروج من الضائقة الخانقة، لأنّ المسألة ليست فقط قلّةَ أو ندرةَ الحاجات الاستهلاكية أو تذبذُبَ سعر الصرف أو خسارةَ وربحَ بعض المؤسسات العامّة والخاصّة أو فساداً هنا وترهُلاً هناك، بل هي حربٌ اقتصاديةٌ شاملةٌ تسعى إلى استكمال ما عجزتْ عنه الحرب العسكرية. ولعلّ مُواجهة الشائعات، التي تهدفُ إلى خلقِ مجتمعٍ مضطربٍ والتشكيك بالمؤسسات الحكومية، هي الخطوة الأولى في الانتصار على هذه الضائقة، وخيرُ دليلٍ المرسوم التشريعي رقم 4 لعام 2020 الذي أصدره السيد الرئيس مؤخراً والقاضي بمُعاقبة وتغريم كلّ مَنْ أذاعَ أو نشرَ أو أعادَ نشر وقائعَ ملفّقةٍ أو مزاعمَ كاذبةٍ أو وهميةٍ لإحداث التدني أو عدم الاستقرار في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المُحددة بالنشرات الرسمية أو لزعزعة الثقة بمتانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامّة.
أخيراً.. لا بدّ من أن نذكّر بأنّ مثل هذا الحصار الخانق فرَضَته قوى العدوان على سورية منتصف ثمانينيات القرن الماضي بعد فشل أهداف حرب “الإخوان المسلمين” والاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، وتمكّنت سورية من مُواجهته والخروج منه أكثر قوةً، لأنّ إيمانها ثابتٌ لا يتزعزع بأنّ قَدَرنا هو المُواجهة والانتصار لكرامة الأمة التي يتخذها البعضُ شماعةً (اليوم) لتدمير الوطن العربي برُمّته!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock