رأي

فؤاد يازجي: وداعاً رفيقَ الحبر والورق بقلم : د. غالب خلايلي

وأخيراً ترجّل فارسُ الحبر والورق وصديق الأدباء فؤاد يازجي.

رحل عن خمسٍ وسبعين من غير وداع (1946-2020). رحلَ في عامٍ سقيمٍ روّع العالم، وشلّ جملتَه العصبية، فهوى باقتصاده، وأفقر ناسه بعد أن حبسهم في المنازل، وجعلهم يخشَون حتى ظِلالَهم، كيف لا، وقد ضرب أول ما ضرب ضربتَه القاسية أهم المتصدّين له من الأطباء وملئكة الرحمة (خط الدفاع الأول)، وهل غيره عام كوفيد؟

والمؤلم في رحيل الصديق العزيز فؤاد، أنه تُوفي – في حدثٍ بات مع الأسف عادياً – خارجَ بلده المكلوم المروَّع بعددٍ لا يُحصى من عصابات الإجرام المنظّم، يوم 11 أيلول من عام 2020، وفي البلد الذي كُنّي بالحادث الأشهر في الألفيّة الجديدة، حيث راح يتردّد إليه من أجل العلاج عند ابنةٍ له تعيش هناك.

وآه يا فؤاد، يا رفيق الحبر والورق، ورفيق الهمّ والسجائر والشاي والقهوة، والصوت الهادر لآلة النسخ العجيبة لديك، في قبوٍ عميقٍ لا يرى من النور إلا ما صدر عن النيونات أو حديثاً (اللدّات) عندما تنقطع الكهرباء، وما أكثر ما تنقطع، ليتوقّف العمل، لكن..لا يتوقف التدخين ولا الكلام بصوتك العالي الأجش الذي ينتقدُ كل شيء. ولا عجب يا فؤاد، فأنت سليل آرام، وابن الوادي النضر، وخريج المدرسة الرواقية السورية القارئ لأهم الكتب، وجار المرجة الشهيرة “ساحة الشهداء”، الشهداء الذين نكّل بهم جمال باشا السّفاح، وعاد أحفادُه ليغدروا بأجمل بلاد الكون، فجعلوك تموتُ غريباً بعيداً عن مهوى فؤادك.

آلتك الناسخة التي بقيت تهدر لعقودٍ طويلة، بأجر زهيد مقارنة مع المطابع الكبيرة، جمّعت محبي الأدب والكتابة حولك، فكنتَ الصديق الوفيّ للكتّاب والأدباء، بدءاً من القامات الكبيرة (والأدب في بلادنا لا يسدّ الرمق)، وانتهاء بأصغر كاتب لا يكاد يتوفّر لديه ثمن الورق، وكنتَ تساعد الجميع بلا استثناء، وتقدّم المشورةَ والنصح، وكنتُ أنا واحداً من هؤلاء، إذ تعرّفت إليك مبكراً خريف عام 1986 يوم كنتُ طالباً في الدراسات العليا. وقتَها كلّفني أستاذٌ مشغول بطباعة كتاب، وكم كانت رحلةً مضنية في الوقت الذي لم يتوفّر به الحاسوب، وكم عذّبَتْنا النسخة الأصليّة ذات الطباعة الرديئة، وكم عذّبَنا ضارب آلة (آي بي إم) الكاتبة أشهراً حتى وصلنا إليك بكتاب، قمتُ أنا بلصق محتوياته وإخراجه إخراجاً بسيطاً، حتى تمكّنتَ من طباعته لنا، وبعدها بِعنا النسخةَ الواحدة لرفقاء الدرب بليراتٍ قليلة، كم كانت قيمتها في ذلك الوقت كبيرة.

وتشاء الأيام أن أعودَ إليك بعد أعوام برفقة رفيقك ووالد زوجتي الأديب وليد مدفعي (1932-2008)، رحمه الله، والذي طبع وأعاد طباعة عدّة كتب عندك، إلى أن جاء دوري في أوائل التسعينات، فكان أن طبعتَ لي على مدى ثلاثة عقود نحو عشرين كتاباً. كانت رحلةُ الكتب الأولى مضنيةً بعض الشيء، لولا مساعدتُك ومساعدة الأستاذ مدفعي والسيدة الفنانة التشكيلية نهى الجندي. لم أكن قد أجدتُ الطباعة الحاسوبية، فكان لا بد من تنضيد وتصحيح وإخراج، لتبدأ بعدها رحلة تصميم الغلاف، وكم مرة أخذتَني معك إلى مكتب الأيوبي مواجه سينما الكندي، نصعد درجاً قديماً عالياً متعباً، أو إلى البيت العربي حيث الفنان الأستاذ جمال سعيد، نتمشى في عُمق سوق ساروجة، أو إلى مطبعة الخضر على ما أذكر، قريباً من مطبعتك، من أجل تصميم الغلاف، فنتناقش، وتبدي أنت الرأي العملي، لأنك المنتج النهائي لبضاعة لم يعد يعشقها – للأسف الشديد – سوى أهلها، وقلّة قليلة من المهتمّين. كان هذا قبل تخرّج ابنتيّ ريم وديمة في الفنون، حيث راحتا تصمّمان الأغلفة لي. أتذكّرك وأنتَ تقول لي: خمسمئة نسخة (ولاحقاً: ثلاثمئة)؟ وماذا تفعل بها؟ حرامٌ ضياع كل هذا الورق والتكاليف! وهذا ما كان أيها العزيز، الضياع بل الاحتراق، فقد احترقت بضعة آلاف من الكتب التي طبعتَها لي عندما قام الإرهابيون بحرق بيتٍ لنا، ونهب كل ما فيه حتى بلاطه، بيتٍ كم وددْنا لو نمْنا فيه ليلة واحدة بعد أن جهز. أنا متأكد أنك – وأنت تسمع هذا – تفور وتغلي الآن في جنتك التي لا شك تستحقّها بعد أن قدّمتَ خدماتٍ جلّى للثقافة والعلوم والآداب، مثلما كنت تفور وتغلي في الحياة، وقلبك الكبير على البلد الذي تعشق.

أتذكرك الآن وأنت تعدّ غلاية القهوة أو إبريق الشاي في زاوية من المطبعة، ثم نشربه هنيئاً مريئاً معاً، وربما مع بعض مناقيش الجبن والزعتر الساخنة من الفرن القريب المجاور، فيما تشعل أنت السيجارة وراء السيجارة وتتابع العمل عندما تتاح الفرصة، فتطبع الآلة ما تمّ تلقيمه إياها، ثم تمسك ورقةً من الأوراق التي خرجتْ ساخنةً للتو (مثل رغيف شهي)، فتلقي نظرةً عليها، لعلها تحتاج إلى تصحيح، حتى تتجمع أمامك صفوف الورق المطبوع، من أجل تهيئتها، يساعدك في الداخل الأستاذ ياسين ونفرٌ من صحبه المكافحين، حيث يبدأ الضم واللصق والتغليف والتجفيف، ثم التحرير (قص الزوائد) فـ “التعليب” في رحلة من أجمل ما عرفتُ في حياتي.

كنت أحمل أوائل الكتب الساخنة لي ولغيري وأعود متمشياً بها عبر ساحة يوسف العظمة فبوابة الصالحية فالحمراء، وأنا أتصفحها بشغف حتى أصل إلى بيتي.

أتذكرك أيها الغالي بحب، وأتذكر كم قلت لك: كفاك تدخيناً أيها الصديق، إذ تكفيك روائح الحبر والرطوبة في هذا المكان المعتم (والمنير في آن)، فما كنتَ تتوب إلا قليلا، لتعاودَ سيرتك الأولى مثل كل أحبابي، أبي وحماي وبعض أساتذتي الأحباء، وكنت أتعجّب وما زلتُ من أصحاب العقول النيرة الكبيرة، كيف لا يتوقفون عن رفقة تلك الساحرة الشرّيرة.

وفي ذات صيف قريب أخبرتَني أنك تركتَ التدخين، لأنك أصبت بمرضٍ بعد طائفة من أمراض نقص التروية، ولمحتُ صيفاً بعد صيف (رغم العلاج الثقيل والمكلف) تحسناً في صحتك، ونوراً في وجهك، فتفاءلت، وأنا الذي يرجو لك الصحة والعافية دائماً، مثلما أرجوها لكل بني وطني.

ويشاء القدر أن ننقطعَ عن أرض الياسَمين في أول عام من كوفيد الثقيل، لنسمع بعد حينٍ نبأ وفاتك القاسي في البلد الذي تفصله عنّا بحارٌ وبحار، وفيه يحار المرء ويحار، دون أن يصل إلى شاطئ. فلنفسك الرضيّة يا فؤاد السكينة والراحة، ولروحك الطيبة السّلام الأبدي، ولأهلك ومحبيك الكُثُر أحرّ التعازي. 

أخيراً: كم عزّ عليّ بالأمس يا فؤاد، وأنت الذي طبعتَ جبالاً من الكتب، ألا أجدَ لك ذكراً أو صورة عند “العم غوغل”، لكنك حيٌّ في أفئدتنا وضمائرنا، و”من خلّف جبال الكتب ما مات”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى