آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

عهداً لن ننسى..بقلم: بشرى أبو شرار

عامٌ مضى وعامٌ أتى إلينا، نرنو إلى مواقيته القادمة من دروب الغياب، هل يحمل الغيب لنا براعم ياسميننا، يزهر ياسمين دمشق، ويفوح عبقه في كونٍ أتعبته الحروب وتداعيات فقْدٍ وألمٍ وغيابٍ، عامٌ مضى وعامٌ أتى يا سوريتنا الحبيبة ستورقُ في أتونه زهرات نصرنا، عامٌ يودّع عاماً ووجعُ ذكرياتنا لا يغادرنا.
الشهيد “ميرابو عاقل” العنازة- بانياس، يخوض أشرس المعارك في “تل منين” أكبر معقلٍ لتجمّع الإرهابيين، ميرابو في عين العاصفة، يقتحم مواقع العدو، وإذ بطلقةٍ قنّاصٍ تخترق ذراعه، لتستقر في قلبه، تُرديه أرضاً.. في مشفى تشرين كان ميرابو وبجواره خمسة عشر شهيداً، يصلنا شدوهم من أنشودة عشقٍ سرمدية لتراب شآمنا.
د. نزار بني المرجة في نبع عين الفيجة، يطوفُ في كل مطارح دمشق، تصله راياتهم السوداء، يبكي النبع، تجفّ الأرض، يبعثرون، يدمّرون، يلوّثون مياه بردى، جبالٌ رقّ قلبها لحال أرض يموتُ نبعها، دخانٌ أسود يُعانق راياتهم، زهرات ياسميننا لم تنسَ أنشودة الوطن، عاد بردى للجريان وعاد النبع إلى نبعه، عادت الجبال تحنو على مائها، تزيحُ عنه بقايا حريقٍ، حاولوا أن يلوّنوا ماء النبع بسواد حقدهم، ونبعك يا شآم عائدٌ إلى حضن بردى، كيف لنا أن ننسى.. وأنّى لنا أن ننسى؟! ويوم وقف في قلب جرمانا التي تصاحبُ الوقت من روح صمودها، تذكّر كيف وقف في وادي بردى، تلفحُ وجهه دمعةٌ لفراق حطّ بجناحيه على قلب وادٍ عاشقٍ لأهله، هي مياه عين الفيجة التي امتزجت بدماء شهداء الجيش العربي السوري، جنود ارتقوا يحملون في جعبهم ماء نهرهم، فارقوا الحياة وتركوا مياه النهر التي ضحّوا من أجلها، مياه ارتوت بدماء أبطال فارقوا الحياة ليهبوا وطنهم ألف حياةٍ وحياة. وكذلك من ينسى كيف لملّم عبد الرحمن مهنا ألوانه، جمع الريشات، ليقيم ألواحاً خشبيةً تحملُ روح لوحةٍ في حُب شآم الشام.
في “أرض الدير” يوم سقط رفيق السلاح، ترك هدية “علم سورية” كي أوصلها إلى أمه، هكذا تتحدّث والدة الشهيد “نمر”: أبنائي كلّ إصاباتهم في أيديهم، عظام أبنائي تناثرت وسألملمها بيدي.
الشهيد علي خزام، مدينته تسكنُ الغيم، تقبّلُ وجه الريح، تطوفُ بنا مرثية فراقه، لا تبكوني يا أهلي وأولادي، دمي رهنتُه من أجل هذا الوطن، لا تبكي يا أمي، روحي في الجنة وجسدي أذابه تراب وطننا الغالي، كيف لنا أن ننسى أنّ علي خزام، الذي حطّم قاعدة الإرهاب في “بابا عمرو” والغوطة الشرقية، ما زالت كلماته يردّدها الكبار والصغار: “يجب أن نزرع الفكرة، كيف نحبُّ وطننا وكيف نكره أعداء الوطن”. علي خزام إنسان فقير، يحب الفقراء، وشهيدٌ لا يرحل عنا أبداً، الشهداء مدّوا الجسور لنعبر عليها.
خالد الأسعد عاشق زنوبيا، لم يغادر مملكتها، لكن ظلام ليلهم صار في عتبة داره، يقتادونه، يعذّبونه، رفض أن يدلّهم على سرّ الحياة لحضارةٍ ممتدةٍ ما قبل التاريخ، فكان ذبحه وتعليق جسده على أعمدة تدمر ليلتحق بصانعي الحضارة ومجد الإنسانية، كيف لنا أن ننسى أنّ سيرة زنوبيا اكتملت في آخر رجلٍ لحق بركبها بمجدٍ وشموخٍ وكبرياءٍ، عهداً لن ننسى.
الشهيد مرهف الخطيب، يمتطي الوقت مقاتلاً، مُحباً لوطنه، نالت جسده إصابة وإصابة، يتعافى، ليعود بإصرارٍ أشدّ، يلتحق برفاقه على الطريق نفسه، من الغوطة إلى حلب، إلى القلمون، كان ميلاده في تلبيسة واستشهاده في معارك الحسكة. مرهف كان له عرسٌ وطني، حيث ستحتضن اللاذقية جسده إلى الأبد، ووُري الثرى في مقبرة الشهداء بعيداً عن بلدته، يردّد الناس أنشودة الوداع للبطل مرهف الخطيب: “كلّنا أهلك..”.
وكما كتب د. نزار بني المرجة: “نام الغزال.. لا تجرحوه، فتخسروا كل العيون وبهجة الألوان، نام الغزال.. لا توقظوه”. كيف لنا أن ننسى يوم سالت دماءٌ وسقط شهداءٌ، أحرقوا صورة مريم، أُحرقت الأيقونات الخشبية، مات الصوت، غابت دقات الأجراس. لن ننسى يوم عادت أجراس معلولا محمولةً على الأكتاف وقد نالها رصاص غدرهم، سكنت جوانبها ثقوبٌ غائرةٌ تعلن أنها عادت رغم وجع الحكاية، هي معلولا السلام من مئات السنين، وجبالٌ حارسةٌ لها، لم تخنْ ولم تضيّع العهد، تعودُ للحكاية ترنيمتها وللصبية ضحكتهم، تعودُ لتلملّم جراحها، ترمّم الإنسان فيها وتعيده من جديد.
كيف لنا أن ننسى.. وأنّى لنا أن ننسى؟!.

*كاتبة وروائية عربية مقيمة في الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock