آخر الأخباررأي

رحل وبجعبته رسائل حبٍّ للوطن… وليد المعلّم رجلٌ من عصر الفروسية السوري

عن عمر ناهز الثمانين، رحل نابغة الدبلوماسية السورية وليد المعلّم دون أن يسمع أحد منه –وحتى في أيامه الأخيرة- أنه قد “سئم تكاليف الحياة”، التي عاش قرابة ستة عقود منها موظفاً ومديراً وسفيراً ومسؤولاً ذا رتبة عالية في وزارة الخارجية السورية، إلى أن وافاه الأجل المحتوم وزيراً لها على رأس عمله ومهامه السياسية والدبلوماسية النبيلة…

وكيف لا وهو الذي-وقبل أربعة أيام من وفاته، ورغم ألمٍ شديد ألمَّ به مؤخراً- ودّع ذلك العمل وتلك المهام، بطلّته البهية وابتسامته الهادئة الرصينة، على المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين إلى سورية، موجهاً نداءه الحميمي الأخير لبني قومه وبلده من مهجّرين ولاجئين، أن عودوا إلى دياركم آمنين مطمئنين…فالبلاد كما ألِفتموها، عهدٌ من الوفاء ووعدٌ بالخير يتحقق كل يوم…إنها تنتظر عودتكم، ألم نقل للعالم قبل تسع سنوات “إن سورية ستصمد كما صمدت منذ عام 2003، وكما كسرت العزلة آنذاك، قادرة على تخطّي ذلك الوضع…”… 

كانت تصريحات الراحل المعلّم –آنذاك في مطلع أحداث الحرب على سورية عام 2011، وبهدوئه المعروف وثقته العالية بنفسه ووطنه وشعبه وقيادته- كالترياق السياسي المكافح للسم الذي أعدّه الغرب ضد سورية، ضمن سلاسل ما أعدّه لها عبر التاريخ الحديث والمعاصر، وها هو المعلّم حينها، يحرق مراحل الحرب والسلم معاً قبل أن تنزلق بأحداثها وتداعياتها تسع سنواتٍ بأكملها، وصولاً إلى المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين الذي انعقد في دمشق قبل أيام، والذي عبّر فعلاً عن صمود سورية، فحضر الحلفاء والأصدقاء فيه، وغاب الأعداء، تماماً كما قال المعلم لهم في تصريحه مطلع الأحداث: “لقد جمّدنا حوارنا من أجل الشراكة الأوروبية، سننسى أن هناك أوروبا على الخارطة، وسنتّجه شرقاً وجنوباً وبكل اتجاه يمد يده إلى سورية، العالم ليس أوروبا فقط، وسورية ستصمد…”… 

إنها حنكة المعلّم، المتوارثة في مدرسة الصمود والسياسة السورية منذ منتصف ستينات القرن الماضي، تلك المدرسة التي انتمى إليها الراحل المعلّم منذ تأسيسها، متنقلاً بين المهام الإدارية والمسؤوليات الدبلوماسية، ومتدرجاً في شغل المناصب كمختص أكاديمي في الاقتصاد والسياسة، وقد أتاحت له أكاديميته وشغفه السياسي الوطني وإيمانه العميق بقضايا الوطن والأمة، أن يكون فارساً من فرسان حقبة سياسية ودبلوماسية سورية لها بصماتها وتأثيراتها في حقول السياسة العالمية، التي خَبِر المعلّم ما وراءها وأتقن التحرك في كواليسها، متسلّحاً بسعة علمه واطّلاعه، وهو المؤلف –خلال حياته السياسية- لأربعة مؤلفات في السياسة والتاريخ، فخصّ فلسطين المحتلة -بادئ ذي بدء- بأولى كتبه، التي حملت عنوان “فلسطين والسلام المسلح 1970″، ثم تعمق في مرحلتيْ الاستعمار الحديث لسورية، والاستقلال، من خلال كتابه “سورية في مرحلة الانتداب من العام 1917 وحتى العام 1948″،  ثم كتابه: “سورية من الاستقلال إلى الوحدة من العام 1948 وحتى العام 1958″، وبعد ذلك دمج الراحل المعلّم علومه الأكاديمية بخبراته وتجاربه العملية من خلال إصداره لكتاب “العالم والشرق الأوسط في المنظور الأميركي”…    
اكتسب الراحل المعلم أيّما خبرة من خلال شغله لمنصب سفير الجمهورية العربية السورية لدى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بين عاميْ1990 و1999، وعُيّن إثر ذلك –في مطلع عام 2000- معاوناً لوزير الخارجية، ثم نائباً له عام 2005، ومكلَّفاً بإدارة ملف العلاقات السورية اللبنانية…وفي الحادي عشر من شهر شباط عام 2006، عُيِّن وزيراً للخارجية، وأسهم إسهاماً قيِّماً في كسر الطوق السياسي الذي فُرض على سورية، كما أسهم في إنعاش العلاقات السورية التركية والسورية السعودية، واسترجاع الروابط مع دول الغرب الأوروبي والاتحاد الروسي. 

على أن أكثر المهام التي تولاها الراحل المعلم صعوبةً وتعقيداً، هي مهمة التصدي السياسي والدبلوماسي للحرب المفتوحة على سورية منذ عام 2011 ، من منطلق منصبه كوزير للخارجية… وفي تلك الحرب برزت مواهب وقدرات خبيئة لدى الراحل، استثمرها بذكاءٍ تجاوز حدود الدهاء السياسي المعروف عند أشهر رجال السياسة، فمارس المعلم وطنيته وحذاقته الدبلوماسية، بل وشخصيته السورية، في كل مشاهد الحرب على سورية، مقنعاً العالم بصلابة الدولة السورية وقدرة شعبها على الصمود، ومتمكناً من دفع مسيرة العلاقات الدولية لسورية قُدُماً، بل وأبدع في قيادة حملة دولية مضادة لنوايا وإجراءات الولايات المتحدة الأميركية ودورها ضد سورية، ذلك الدور الذي استنكره المعلم وجعله يباغت الولايات المتحدة بهجوم في عقر دارها ومقر الأمم المتحدة فيها، حين اتهمها في شهر تشرين الأول من عام 2012 بـ”دعم الإرهاب”، و”التدخل السافر في الشؤون السورية”…  بالإضافة إلى تمكُّن المعلم من ليِّ عنق الإرادة الأميركية وكبح جماح الأميركيين في نيّتهم ضرب سورية، الأمر الذي دفع إلى التنسيق مع كل من الصين والاتحاد الروسي، اللذين تنقل الراحل المعلم بينهما بفاعلية خلال الأحداث.   

وفي مطلع عام 2014، وتحديداً في الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني، كانت للراحل المعلّم وقيعة شهيرة، صدم فيها كبار المجتمعين في مؤتمر “جنيف2” المنعقد في مدينة مونترو، وعلى رأسهم الامين العام للأمم المتحدة “بان كي مون”، حيث انتظر الأخير الوزير المعلم عدة دقائق إضافية لينهي خطابه حول الوضع في سورية، بعد انتهاء المهلة المحددة للخطاب، إلا أن المعلم –وبفصل حواس كامل عما سُمع من صوت جرس وانتقادات وهمهمات وهمسات وامتعاض على بعض الوجوه- تابع خطابه واستكمل كل ما فيه من نقاط وجوانب تدافع عن الحق السوري وتصونه، إلى أن خرج “بان كي مون” عن صمته محاولاً إنهاء خطاب المعلم، فدارت بين الاثنين مشادة كلامية، كاد فيها هدوء المعلم أن يفجّر وجه الأمين العام للأمم المتحدة، ليسحب بعد ذلك المعلم الفتيل ويرخي عضلات وجه “كيمون” المتقلصة، وذلك بأسلوب لا يخلو من الحرفية، مكّن المعلم من قول كل ما يريد، وإسماع المؤتمرين ما يجب أن يسمعوه، وخاصةً ذلك الممتعض الآخر في الجلسة، وزير الخارجية الأميركي “جون كيري”، الذي كان للراحل المعلم صولة حق وجولة قوة معه في جنيف السويسرية، حين لوّح له بسبّابته  قائلاً له “لا أحد يا سيّد كيري، لا أحد في العالم له الحق في تدمير الشرعية أو التدخّل في سوريا، ولن يقرر مصير سوريا إلا السوريون أنفسهم”…         

لقد أسهمت الثقة بالنفس وملامح الهدوء والوقار والثبات، التي تحلّى بها الراحل المعلم، إسهاماً كبيراً في ارتسام الشخصية السورية الحقيقية في أعين المجتمع الدولي، وخاصة في الحروب والأزمات، كما أسهمت تلك السجايا والخصال للراحل الكبير، في طمأنة الشعب السوري، الذي كان يقرأ الحال السياسي للبلاد من خلال تقاسيم وجه المعلم، وكان أيضاً يتنفس الصعداء كلما استمع إلى خطاب أو مداخلة أو  تصريح له، أو حتى كلمة كان يتمتمها أحياناً بعيداً عن الميكروفونات الحساسة، هذا فضلاً عن الدعابات السياسية ذات الفاعلية القصوى في التخفيف من وطأة الأحداث والإشاعات، تلك الدعابات التي كان المعلم يطلقها يميناً وشمالاً في ممرات قاعات المؤتمرات وكواليس العمليات السياسية ومنابر الحرب والسلم معاً، وكان من شأن تلك الدعابات أن تختصر الكثير من وقائع المؤتمرات الصحفية، وتجيب على أسئلة الصحافيين باختزال شديد…ولعل السؤال الساخر الذي قاطع به الراحل المعلم سؤال أحد الصحافيين عام 2016، حول إمكانية اشتراك السعودية والبحرين بقوات برية ضمن قوات ما سمي بالتحالف الدولي ضد سورية، بعد تعليق محادثات “جنيف”، كان نموذجاً للدعابات القصيرة التي تختصر الأحاديث والأجوبة، حيث سأل المعلم الصحافي ساخراً من إعلان السعودية والبحرين استعدادهما للمشاركة بالقول: “عم تمزح..! أكيد أعلنوا..؟ شو هالمزحة؟َ!”…وبالطبع أجاب المعلم –آنذاك”- على سؤال الصحافي مطولاً، مؤكداً أنه يستبعد المشاركة المذكورة، ومحذراً  بالقول إن “أي اعتداء على الأرض السورية، سيجعلني أستنتج عودة من يعتدي، بصناديق خشبية إلى بلده”… 

وفي مثال آخر عام 2019، رد المعلم على سؤال أحد الصحافيين له عن تصريحات لوزير الخارجية الأميركي “بومبيو”، قائلاً “مين بومبيو؟”…وحين عرّف الصحافي الوزير المعلم بـ”بومبيو” بعد تلعثمه، أردف المعلم قائلاً له: “منيح اللي بتذكر..أنا ما بعرفو!”      . 

 وبالتأكيد لم يكن الراحل المعلم يتّبع أسلوب السخرية والدعابة، لمجرد مبدأ السخرية والدعابة أو التسلية وترطيب الأجواء، إنما كان في أسلوبه هذا رسائل سياسية لكل من يختص بقراءتها ويهتم بسماعها، ولعل الراحل الكبير قد احترف هذا النوع من الأداء السياسي الضارب. 

وحتى في لحظات استجمامه وقضائه أوقاتاً عائلية، كانت للراحل الكبير رسائل للعدو وللصديق، بالغة الأثر في النفوس، وعميقة التأثير في الوجدان الوطني، حين أشار بيده –من خلال فيديو قصير للغاية- إلى أراضي لواء اسكندرون السليب، وذلك من شرفة في قرية مطلّة على اللواء، قائلاً: “أرضنا…غصباً عنهم بدنا نرجع لهنيك”… 

رحم الله فقيد سورية الكبير، وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم…كان رجلاً متميزاً في عصر الفروسية السوري المتجدد في تاريخ سورية الحديث، والمستمر إلى الساعة وحتى قيامها، بفعل رجالٍ أتقنوا صنع التاريخ وصياغة المستقبل، ودخلوا الملحمة السورية باقتدار، ومن أوسع أبوابها، إلى جنّات النعيم.

المصدر JPnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى