آخر الأخباررأي

خوفٌ شمل الأطباء.. بقلم د. غالب خلايلي

مع الوباء التاجي الجديد، خضعت مهنة الطب لضغوط قوية لم تكن تتوقّعها، فتمزّقَ ثوبُها الخَلِقُ، لا سيما في البلدان التي كانت تبدو منارةً لكل راغب في التعلّم عندها، وبدا لي مع مرور الوقت الأثر المدمّر لخوف الناس والأطباء على حد سواء، علماً أن التأثر السلبي طال مختلف المناحي، الاقتصادية، والطبية، والاجتماعية. نعم، اتسع الخرق على الخارق، وتوجه النظر – مع الأسف – إلى مرض واحد فحسب، وهو كوفيد 19، علماً أن باقي الأمراض بقيت كما هي، ولكنها لم تعد تنال نصيبها من الاهتمام، فأهمل المرضى، وأجّلت عمليات جراحية بالملايين في العالم.

إن مثل هذا التصنيف (الأحمق) سوف يؤدي بالتأكيد إلى إهمال حالات تتعرّض للمخاطر ولا تجد من يدبّرها، خاصة عندما برز خيار: المريض أم الطبيب!؟

فإذا كان الاهتمام بالنظافة والتعقيم تحسّن عند كثيرين (وليس كل الناس) أكثر من أي مرة انتشر فيها مرض مُعدٍ، فإن السيئ هو أنه وصل إلى درجة الوسواس عند بعض الناس، مما فاقم الخوف والغلاء بسبب زيادة الطلب على المعقّمات والأقنعة وغيرها، كما أن هذا التعقيم الزائد قد يفاقم الأمراض لاحقاً، بسبب تدني المناعة التي فقدت التحدّي الطبيعي الذي كانت تواجهه كل يوم.

ومع خوف الناس من زيارة المشافي، زاد الاعتماد على وسائط التواصل من أجل العلاج (أو ما دُعي العلاج عن بعد)، وهذا إن نفع مؤقّتاً، إلا أن له مخاطرَه الكبيرة أحياناً، فكم أشرْنا (قبل زمن كورونا) إلى إمكانية حدوث مشكلة (اختلاط طبّي أو سوء تشخيص) حتى بحضور المريض، والطبيب يراه ويتلمّسه، فما بالك بتشخيص حالته عن بعد؟

لقد حدثت مع الأسف مشاكل كبيرة نتيجة إهمال طال المرضى (بكوفيد وغير كوفيد) أو الأمهات الحوامل عند ولادتهن، وطال أيضاَ مواليدهن (إنتانات قاتلة أحياناً، نقص أكسجة دماغية)، وحدثت وفيات حتى في دول مثل بريطانيا لأطفال تأخر أهلهم بمراجعة الطبيب، بسبب المخاوف المنتشرة من مراجعة الأطباء، واليوم نحذر من إمكانية زيادة الأمراض التي كانت تتقى بالتطعيم عند الأطفال (كالحصبة والشلل وغيرهما)، بسبب الحصار المفروض على البلدان، أو خوف الأهل من المراجعة.

أما التحدي الأبرز فهو نقص الكوادر المدرّبة التي تعرف كيف تتعامل مع الحالات الحرجة، وكيف تتدبر أمور التنفس الاصطناعي، مع زيادة عدد المرضى الذين يحتاجون إلى الإنعاش. كل هذا زاد أعباء الجهاز التمريضي بشكل رئيس، ثم الأطباء الذين يعملون في حقول الطب الباطني والإنعاش، بسبب الحاجة الماسة إليهم، على الرغم من زيادة مخاوفهم هم أيضاً من اكتساب العدوى ونقلها إلى عائلاتهم، وهم يرون زملاء لهم يمرضون أو يفارقون الحياة، فأحجم كثير منهم عن الاقتراب من المرضى.

إن العمل الطبي اليوم بات أمراً صعباً، بسبب طول الدوام، وصعوبة الإجراءات المطلوبة للوقاية. أما التحدي الأخطر في أوج الأزمة (لاسيما الإيطالية) فهو اتخاذ القرار بمن سوف يُنعش من المرضى، ومن سوف يترك لقدره.

من الواضح أن قلق الأطباء على أنفسهم ازداد في الآونة الأخيرة. ولأؤكد، من حيث المبدأ، أن ليس في نية الأطباء أن يؤذوا مرضاهم، ولا في حسبانهم أنهم سوف يتعرّضون للأذى أو الموت، وإلا انتفت فكرة دراسة الطبّ من أولها.

لكن في الحياة العملية يحدث كلا الأمرين: يحدث أن يُؤذى المرضى، لأسباب كثيرة يقصّر فيها الطب، مثل انشغال الأطباء بمرض وبائي، أو ضعف الإمكانيات المادية، والكذب والتدليس، والأدوية المغشوشة، والأخطاء البشرية الناجمة عن نقص الخبرة أو نقص الكادر الطبي، الأمر الذي يرهق الأطباء، ويجعلهم غير قادرين على اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، وهم يتوقون إلى لحظة راحة. وقد يحدث التقصير من جهات تحيط بالأطباء، مثل الكادر التمريضي، أو حتى العمال الذين يعتنون بنظافة المستشفيات، أو التأمين الصحي الذي لا يكفي شرّ الأمراض (أو لا يغطي، حسب التعبير السائد)، فما بالك بمن لا يملك تأميناً أو مالاً من أجل العلاج؟

ويحدث أيضاً أن يتأذى الأطباء بسبب مهنتهم، خاصة عند الاندفاع دون اتخاذ سبل الوقاية، أو عند غياب تلك الوسائل، أو عند اختلاط الحابل بالنابل، عندما تكثر الحالات، ويصعب توقّي العدوى، فيكون الأطباء ضحية مهنتهم الإنسانية، وهم غير القادرين على تركها، قسراً أو طوعاً.

كل هذا سيرتب أوضاعاً جديدة تلقي بظلالها على المهنة، ونتائج تختلف بين طبيب وآخر، حسب السنّ والمناعة والتاريخ والحالة المادية، بل والنفسية والإيمانية، والحالة العامة في بلد الطبيب أو بلدان العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى