رأي

“جزيرة” الأربعينيات و”رَقّة” الثمانينيات بقلم: د.غالب الخلايلي

يسعى هذا المقال إلى مقارنة بسيطة بين ظروف الجزيرة 1946 التي عاشها الأستاذ الدكتور إبراهيم حقي، والرَّقة عام 1983 كما شاهدتُها، والغاية هو تسليط الضوء على التغيرات في منطقتين متلاصقتين، شاءت الظروف أن يتعرّف إليهما الأستاذ قبل تخرّجه، وأتعرف إليهما قبل تخرّجي أيضاً.

“جزيرة” حقي 1946:

صيف 2019 أصدر علامة دمشق الأستاذ الدكتور إبراهيم حقي كتاباً بعنوان (الجزيرة الباكية، محافظة الحسكة في أربعينيات القرن العشرين)، ويصف فيه رحلةً طبية عام  1946 كلّفه بها الدكتور أحمد قدري رئيس دائرة الصحة بدمشق، هو وسبعة من زملائه قيد التخرج في المعهد الطبي العربي (كلية الطب لاحقاً)، للمساعدة في القضاء على وباء الملاريا المستوطن، بإعطاء الأدوية المناسبة، وردم المستنقعات التي تحتضن البعوض الناقل للمرض، في رحلة دامت ثلاثة أشهر.

يمكن أن نقول عن الكتاب: إنه شهادة صادقة على العصر الذي ساد في أربعينيّات القرن الماضي، وقد آثر الأستاذ ألا يغيّر فيها شيئاً، عامداً إيقاظ القراء أو حتى صدمهم بما رأى من تخلّف، بأسلوب ساخر جدا، ومؤلم، بدءاً من الذهاب بسيارة شحن تخضّ بركابها، في طرق ترابية، ومروراً بمناطق كئيبة مثل الرقة، والحسكة التي ليس فيها إلا مبنيان مهمان (دار الحكومة، ودار المحافظ)، ودير الزور والقامشلي اللتين بدتا بحال أفضل.

ولنر كيف ابتدأت الرحلة: “حملتنا شاحنة (لوري) ماركة دودج، معدّة لشحن البضائع، لا لشحن أطباء موديل 1944. وقد نجّرت لنا دائرة الصحة مقاعدَ خشبية أشبه بالخوازيق، هي أربعةٌ من دفوف قمر الدين”. ثم كيف وصل الطلاب إلى الحسكة: “ولو أن السيارة التي أقلّتنا كانت هي نفسَها التي أقلتنا إلى الدير، لكنا بحاجة إلى بضعة أمتار من الأربطة، وبضعة أرطال من القطن لتضميد الجروح الممكن حدوثها في رؤوسنا وأطرافنا”.

ولنر كيف كانت الحياة الطبية الاجتماعية: “ويتنقّل الضيوف على الجياد، ويأتي الناس، ويتدافع الأطفال ويتطاولون بأعناقهم ليروا ذلك الشخص العظيم (الطبيب)، وعند الانتهاء من المرضى يُنادى الأطفال كي (يُشخطوا) أي يُلقّحوا ضد الجدري، فينفرط عقدهم فارين كجرذان داهمها هر، وتحمل النسوة أطفالهن في أكياس على ظهورهن، ويهربن، ولولا معونة الدركي لما أمكن تلقيح طفل واحد. ومن الأمور المؤلمة أن تلك الديار لا ترى الطبيب إلا نادراً، وهو إما طبيب الحكومة الذي يأتي ليشخط الناس (فاصطلحوا على الطبيب اسم الشخّاط)، وإما طبيب عادي أو دجّال يبتز الفقراء ولو باعوا فراشهم (إذ باعهم دجّال إبرة الكينين بخمس وعشرين ليرة). هذا وذاك بعض من مآسي الطب هناك، وما يتبعه من خطر صحي (انتشار السل والبرداء والبجل)، ناهيك عن تخلف الزراعة والحياة الاجتماعية، فلا هم للناس سوى الاضطجاع في المضافات أو بيوت الشعر، و(السولفة) وشرب القهوة (المطبوخة على نيران أقذار الحيوانات) والتدخين، وشرب مياه المستنقعات، ناهيك أيضاً عن مآسي القتل والثأر عند أبناء البدو من العشائر، وكذا وجود عدد كبير من الناس لا يعرفون اللغة العربية”.

المعسكر الطبي الصيدلاني في “الرقة” 1983:

صيف السنة الخامسة في كلية الطب بجامعة دمشق، حضرنا معسكراً كان قد قُرّر منذ سنوات قليلة، لطلاب كليتي الطب والصيدلة وطالباتهما، قبيل سنة التخرج، بإشراف طلاب الدراسات العليا. أما الغاية فهي زيارة المناطق النائية في سورية، والتعرّف إلى حاجات الناس وأمراضهم، وكذا تدريب طلاب الكليتين المذكورتين على العمل الميداني. كان نصيبُ فئةٍ منا في تلك السنة هو (مِنطَقة الرقّة) التي تبعد عن دمشقَ نحو 550 كم. كانت رحلة جميلة إلى حلبَ الشهباء (360 كم)، حيث وقفنا في حديقة “السبيل” الساحرة، وتنزّهنا هناك، وتصوّرنا أمام تمثال “أبي فراس الحمداني”، الذي عاش في بلاط “سيف الدولة الحمداني” قبل نحو ألف عام. ثم تابعنا المسير إلى “ثانوية الرشيد” في الرقة حيث نزلنا جميعاً هناك، وعددنا يقارب المئتين، فأُعطينا غُرفَ المدرسة الكبيرة التي جُهّزت لمنامتنا. كنا نخرُج في الصباح بسيّارات الدفع الرباعي (اللاندروفر) التي يقودُها سائقون مهرة في أراضٍ صحراوية رمليّة مسافاتٍ طويلة، لنصل بعد ساعتين من القيادة المجهدة إلى قرىً نائية لم نحلم أن نرى مثلها في بلادنا. كانت قرىً بدائية بائسةً هي أكواخٌ من الطين، وأهلها مزارعون في منتهى التخلّف والفقر، حتى إن بعضهم لم ير طبيباً في حياته، إذ يصعب وصوله إلى المدينة، لغياب الطرق الصالحة، وقلة وسائل المواصلات. كانت تلك قرى مِنطقة (تل أبيض) الفقيرة على الحدود السورية “التركية” من جهة محافظة الرقة، والتي تختلف اختلافاً بيناً عن الجزء المُنتزع منها أيام الدولة العثمانية (إذ تمتدّ سورية الطبيعية شَمالا حتى جبال طوروس وزاغروس). قيل لنا وقتَها: إن المنطقةَ مبتلاة بمرض نادر يدعى (البلهارسيا) ويأتي الطفيلي من المياه الراكدة الملوّثة، ويسبّب مرضاً نازفاً في المثانة (بيلة دموية) أو في الكبد. كنا نقوم بفحص الناس مرضىً وغير مرضىً بظروف صعبة، ثم نعرضُ الحالاتِ على طبيب الدراسات المُشرف علينا، وهو يقرّر الخطّة العلاجية، فيصرف الدواء من قبل الزملاء الصيادلة. وبعد أن تنتهي المهمة الصعبة نعود كي نتغدى ونرتاح.

وقد اغتنمت فرصة وجودي بالمعسكر فزرت نهر الفرات، وسدّ الفرات، ومدينة الثورة (الطبقة) الحديثة والمركز الطبي فيها، وقلعة جعبر وسط المياه، وآثار منطقة (الرصافة) القريبة، والتي كان فيها قصر متهدّم للخليفة العباسي هارون الرشيد. كما زرت الأديب الراحل الطبيب عبد السلام العجيلي رحمه الله، في مجلس متواضع يؤمّه كل مساء، يجتمع فيه وأهل الرقة ممن يطلبونه في حاجات كثيرة.

هذا وكنت قد تعرفت إلى محافظة الرقة مبكراً عام 1970، بسبب وجود عمي المهندس محمد خلايلي رحمه الله فيها، وكان قد تقلب من مهندس مدني في شركة أجنبية، إلى مدير الدراسات في مؤسسة استثمار حوض الفرات، وأخيراً إلى المدير العام لشركة استصلاح الأراضي، الشركة العملاقة التي عمل فيها آلاف المهندسين والعمال. كما زرتها مرة أخرى عام 1978، قُبيل دخولي كلية الطب، وتعرفت وقتها إلى الراحل العجيلي، فزودني بعدد مهم من كتبه التي عشقتها وأغرتني بتقليد ما فيها. وفي هذه الرحلة تعرفت إلى مدن الثورة والحسكة ودير الزور، ويمكنني القول: إنها جميعها كانت مدناً جميلة، وفيها الطرق المعبدة والمباني الحديثة والماء والكهرباء، خلافاً لما كانت عليه قبل نحو أربعين عاماً.

وبالمقارنة مع رحلة الأستاذ حقي عام 1946، نرى عدة فوارق أهمها: طول المكوث (فقد مكث الطالب حقي وزملاؤه ثلاثة أشهر، فيما مكثنا نحن عشرة أيام)، وكذا فارق النضج الذي يؤثر على النتيجة، فقد بدا أن جيل أستاذنا كان أنضج من جيلنا بكثير، وتم تسليمُهم مسؤولياتٍ أكبر، في أوضاع بيئية صعبة، وفي ظل الاستعمار الفرنسي لعقدين كاملين، عقب عقود من الاضطرابات والجهل والفقر، لاسيما وقت انفراط الدولة العثمانية، فيما لم نُعدّ الإعداد الكافي لنحمل المسؤولية في وقتٍ مبكر، ولا كان هناك وقت كافٍ كي نستوفي شروط التدريب والمعرفة (مما استُدرِك لاحقاً ببرنامج الدراسات العليا)، ولهذا لا أظنّ أننا أفدنا الناس أو استفدنا الفائدة المرجوة.

أما بالنسبة للوضع الصحي والاجتماعي، وإن كان نفسه تقريباً في المناطق النائية، إلا أنه أفضل بما لا يقاس في مراكز المدن التي ذكرتُها، والتي تنتشر فيها المستشفيات والعيادات، وإن لم تكن مثل تلك التي في العاصمة. ومع الأحداث الجسام في ربوع الوطن الكبير، أنادي مع أبي العتاهية: ألا ليتَ الشباب يعود يوماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى