آخر الأخبارأبواب المجلة الورقيةالافتتاحية

تعددت الوجوه.. والفكر واحد!


سيتذكر المؤرخون والمحلّلون والمنظرون في الفكر السياسي ويتأملون مطولاً التوصيف الدقيق، وليس الأول للسيد الرئيس بشار الأسد، في تبيين مخاطر وفهم حقيقة الفكر المراوغ والأيديولوجيا المنغلقة المتطرفة لجماعة الإخوان المسلمين، والذي يعدّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم وسياساته الرعناء مثالها الأوضح.
فالسيد الرئيس في حديثه قبل أيام لقناة “روسيا 24″، قطع الشك باليقين باستحالة أي حوار مع حملة هذا الفكر الأسود أو حتى استيعابهم سياسياً واجتماعياً، مؤكداً أن هذه الجماعة لن تتخلى عن فكرها الإجرامي وإن أوهمت العالم بين حقبة وأخرى أنها تبدل جلدها، وتراوغ فكرياً وسياسياً للوصول إلى مآربها وتحقيق أهدافها في السيطرة على المنطقة، وإعادة دولة الخلافة المزعومة التي تنادي بها التنظيمات الإرهابية كـ”القاعدة” و”داعش” و”جبهة النصرة” و”أحرار الشام” وسواها من الحركات “المتأسلمة”!. وأي وصف للرئيس التركي أدقّ مما أشار إليه الرئيس الأسد بالقول: “التقيت شخصيات تنتمي للإخوان المسلمين من دول عديدة، هو واحد منهم من تركيا، هناك من كان من مصر، هناك من كان من فلسطين وغيرهم، الكل قام بالعمل نفسه، كان يقول كلاماً جميلاً جداً عن سورية أو عن علاقة شخصية معي، ولكن عندما تتغيّر الأمور هو ينقلب ضده؟ هؤلاء هم الإخوان المسلمون، لا توجد لديهم أخلاق سياسية ولا أخلاق اجتماعية ولا أخلاق دينية.. بالنسبة لهم الدين ليس خيراً وإنما عنف، هذا هو مبدؤهم، لذلك من الطبيعي أن يقوم أردوغان بما قام به ما دام ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الانتهازية، عدم الوضوح، الكذب المستمر، هذا جزء من طباعهم”؟. وأي دليل أكبر مما قاله السيد الرئيس بأن أردوغان يقاتل في سورية إلى جانب الإرهابيين انطلاقاً من أيديولوجيته الإخوانية، لذلك فهو غير قادر على أن يشرح للشعب التركي لماذا يرسل جنوده إلى سورية ويقتلون فيها، مضيفاً: والمعروف أن الإخوان هم أول مجموعة اعتمدت العنف واستخدام الدين من أجل الوصول إلى السلطة.
ولو شئنا التوقف عند التحليل والوصف العميق للسيد الرئيس، مقروناً بجملة من الحقائق عن تاريخ هذه الجماعة التي تتذرع بالدين للانقضاض على السلطة، سنكتشف كمّ وهول الجرائم التي ارتكبتها منذ نشأتها عام 1928 على يد حسن البنا وحتى اليوم، تلك الجرائم التي لم تقتصر على التفجيرات الإرهابية واغتيال العلماء والأطباء وضباط الجيش والشرطة في سورية خلال فترة الثمانينات، أو على سلسلة الاغتيالات وعمليات استهداف الجيش المصري، وإحراق وتدمير أكثر من 82 كنيسة ودير للأقباط، بل ساهمت بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل في تقسيم السودان عام 2011 عبر الدور الكبير الذي لعبه حسن الترابي في ذلك. وبالتالي لن ننسى آلاف الشبان التونسيين الذين جنّدتهم الحركة بدعوة من راشد الغنوشى وقادة الحركة للقتال في سورية، أو الفكر السلفي المتشدّد الذي شجعته في الأردن، وفرّخ فيما بعد متزعمي “القاعدة” و”داعش” أمثال أبو مصعب الزرقاوي وأبو محمد المقدسي وأبو بكر البغدادي وغيرهم ممن ساهموا في تدمير العراق وسورية وليبيا، وكانوا يستظلون بعباءة “السلطان” الحالم بعودة أمجاد الخلافة رجب طيب أردوغان!.
إن ما ذهب إليه السيد الرئيس من تثبيت لتلك الحقائق، بأن ما يقوم به أردوغان هو جزء من انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، الموسومة أبداً بالانتهازية، وعدم الوضوح، والكذب المستمر، تؤيده مئات الوثائق التي كشفتها مؤخراً وسائل إعلام ومراكز أبحاث استراتيجية، ومن بينها ما نشره موقع “نورديك مونيتور” السويدي، من وثائق استخباراتية مسربة، تؤكد وجود روابط بين أردوغان وقادة في تنظيم “القاعدة” الإرهابي، تعود لعام 2012، وفضحها مؤخراً إشراف النظام التركي نفسه على إرسال مرتزقة إلى ليبيا ممن ينتمون إلى جماعات إرهابية كانت تقاتل في سورية. كما تشير تلك الوثائق إلى الجهات التركية التي كانت تستقبل المسلحين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى إقليم هاتاي التركي على الحدود قبل تهريبهم إلى سورية، عبر الصلات المباشرة التي كانت تربط أردوغان مع القيادي الليبي الحاصل على الجنسية الإيرلندية المهدي الحاراتي وشريكه عبد الحكيم بلحاج، الزعيم السابق لـ”الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة” والتي صنفتها الأمم المتحدة “منظمة إرهابية”، واجتماع بلحاج مع متزعمي ما يُسمّى “الجيش السوري الحر” في إسطنبول وعلى الحدود التركية السورية في عام 2011، مؤكدة أن الشرطة التركية فتحت قضية ضد الحاراتي وشركائه بتهمة نقل أسلحة من ليبيا عبر تركيا، إلا أن أردوغان أوقف القضية في عام 2014 ولاحقاً، تم فصل ضباط الشرطة المشاركين بالقضية، وتمت التغطية عليها وإغلاقها.
وعلى هذا نجزم أن الجماعة التي يمثلها أردوغان وسياساته وأوهامه في المنطقة اليوم، لن تنمحي جرائمها من ذاكرة التاريخ وبات يعرفها ويستشعر مخاطرها الجميع، وفي مقدمتهم الشعب التركي نفسه، وأن الفكر الأسود الذي أنتجته الحركة المجرمة منذ نشأتها على يد المخابرات البريطانية والمستمر حتى اليوم، أصبح مكشوفاً وإن تعددت وجوهه البشعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى