آخر الأخبارإصدارات جهينةحوارات

بعد غياب طويل اختارت أن تعود للغناء من دمشق المطربة عفاف راضي:عشقي لسورية لا يقلُّ عن عشقي لبلدي الحبيبة مصر

جهينة- عمر جمعة:

سؤالان ملحّان سيتبادران إلى ذهنك وأنت ذاهبٌ للقاء هذه القامة الكبيرة بعد احتجابٍ امتدّ إلى نحو 15 عاماً: أولهما من أين ستبدأ حوارك وأنت تقف بمهابةٍ أمام تاريخ فني زاخر ثريّ وخصب، ضمّ في صفحاته المشرقة أسماء عباقرة الكلمة واللحن والموسيقا والغناء في الوطن العربي. وثانيهما: لماذا اختارت من كانت أولى أغنياتها «ردّوا السلام» أن تكون محطتها الأولى دمشق المكلومة الجريحة بعد كل هذا الغياب؟ وبالطبع لن تتفاجأ بكمّ الاحترام والوفاء الذي تكنّه الفنانة القديرة عفاف راضي لجمهورها ومُحبيها وعشاق أغانيها وهي تفرد بمحبة هذا التاريخ الطويل في حوارها الخاص مع «جهينة»، لتتأمل صفحاته التي بدأت سطورها ابنة المحلة الكبرى من العاصمة القاهرة قبلة الفن والفنانين في الستينيات وبداية السبعينيات، حيث درست في «الكونسير فتوار» وهي في العاشرة من عمرها قبل أن تحصل على البكالوريوس بتقدير امتياز وهي في سن الثامنة عشرة ومن ثم الماجستير والدكتوراه من أكاديمية الفنون.

في قلب دمشق

وأنت تتوجّه برفقتها إلى حيث كان هذا اللقاء في قلب دمشق، ستعود بك الذاكرة إلى تلك العائلة الفنية التي تنتمي إليها وعرفنا منها المصور السينمائي ماهر راضي والفنان والمخرج السيد راضي والمخرج والمنتج محمد راضي ولقائها مع الأخوين رحباني وبليغ حمدي وعبد الحليم حافظ وكمال الطويل، ومشاركتها بالتمثيل والغناء في مسرحيات «الأرملة الطروب، ياسين ولدي، آه يا غجر، دنيا البيانولا، على فين يا دوسه، عصفور الجنة، وطني عكا، لن تسقط القدس..»، أو قد تترنم بإحدى أغنياتها الشهيرة «ردّوا السلام، هوا يا هوا، والنبي ده حرام، يهديك يرضيك، لمين يا قمر، يمكن على باله، جرحتني عيونه السودا..». وربما تتساءل عن سر قلّة أعمالها الدرامية وندرتها مثل فيلمها السينمائي «مولد يا دنيا» الذي وقفت فيه إلى جانب محمود ياسين وعبد المنعم مدبولي ولبلبة وسعيد صالح، وحقق نجاحاً باهراً واستمر عرضه أكثر من 30 أسبوعاً، أو مسلسلها «زمن الحلم الضائع» الذي أخرجه وفيق وجدي، فضلاً عن مسلسلها الإذاعي «حبّي أنا» الذي تقاسمت بطولته مع الملحن المبدع بليغ حمدي وكان الأهم في تجربتها الدرامية.

زمن العمالقة

غبتِ طويلاً عن الساحة الفنية، لماذا هذا الغياب هل يتعلق بظروف شخصية أم بالمشهد الفني العام الذي يسود الوطن العربي حالياً؟
بالتأكيد الحالة العامة وقلّة الأعمال قياساً إلى الزمن الماضي ساهمتا في غيابي عن الساحة الفنية، أضف إلى ذلك أن موضة الأغاني السريعة التي راجت خلال العقود الأخيرة باتت هي السائدة ما ساهم أيضاً في تغييب الأغنية الهادئة الأصيلة، وهذا الأمر يشمل منطقتنا العربية برمتها، كما لا أنكر أنني تكاسلت في السعي لإكمال مسيرتي السابقة نتيجة بعض الظروف الخاصة، فضلاً عن أن المناخ العام السائد – وتحدثنا عنه آنفاً- لم يعد مشجعاً على العودة للغناء.
شهدت الأغنية العربية خلال العقود الثلاثة الماضية تراجعاً كبيراً غابت فيه المواهب الفذّة والقامات الأصيلة، هل انتهى زمن العمالقة برأيك؟
أعتقد أن سبب التراجع هو غياب ورحيل هؤلاء العمالقة، فقد فَقدنا مبدعين كثراً وقامات خالدة في تاريخ الأغنية العربية من أمثال محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل ومنير مراد وغيرهم من الذين رحلوا فجأة وكانوا خسارة كبيرة للفن العربي لا يمكن تعويضها، أيضاً الأجيال الجديدة لم تستطع أن تحقق النجاح والشعبية نفسها التي كرّسها هؤلاء العمالقة، وهنا أنا لا أعمّم، لأن هناك اختلافاً حول طبيعة الأغنية (اليوم)، وربما ما كان متاحاً لنا من اهتمام شركات الإنتاج والإقبال الجماهيري لم يعد متاحاً للأجيال التي جاءت بعدنا وخاصة في العقدين الأخيرين.

فاجأت المستمعين

غنّيتِ لكبار الشعراء والملحنين المصريين والعرب وكانت تجربتك لافتةً مع كلّ من سيد حجاب وبليغ حمدي وعمار الشريعي، ما الذي تبقى من ذكريات هؤلاء العباقرة في ذاكرة عفاف راضي؟
شرف كبير أنني كنت ممن غنّى لهؤلاء الشعراء والملحنين الكبار وكنت بينهم، عاشرتهم وتعرفت إليهم شخصياً وإنسانياً، مثل بليغ حمدي وسيد حجاب ومنير مراد وعمار الشريعي وسواهم من الفنانين الذين كانوا أصدقاء مقربين جداً وهذا من حظي السعيد. فأنا لديّ ذكريات كثيرة وتاريخ طويل معهم، فبليغ «رحمه الله» تبنانّي منذ انطلاقتي، سمعني وسمع عني فجهّز لي أغنيات تناسب صوتي وقدراتي على الغناء الأوبرالي مثل «ردّوا السلام» و»هوا يا هوا» ومن ثم «وحدي قاعدة في البيت».. وغيرها، وجربت معه كل ألوان الغناء كالرومانسي والطربي والشعبي، وعلى المستوى الإنساني كان من أحب وأغلى الأصدقاء وهو قامة فنية وإنسانية لا تتكرر ولا يمكن أن ينساه كل من عرفه وتعامل معه، لأنه ملحن عبقري غزير العطاء وفنان مخلص لعمله يجتهد في تعلّم أدق التفاصيل، قدّمني منذ الإطلالة الأولى في حفل إلى جانب الفنان عبد الحليم حافظ بأغنية «ردّوا السلام» وقام بقيادة الأوركسترا بنفسه ليؤكد ثقته المطلقة بي، وقد لاقت هذه الأغنية نجاحاً كبيراً وشكلت نقلةً نوعيةً في مسيرتي الفنية.
وأيضاً ذكرياتي الجميلة مع عمار الشريعي الذي قدّم لي أكثر من أغنية، ولكن الأجمل هي الأشرطة التي قدمناها للأطفال والتي فاجأت المستمعين حينئذ وفاجأتنا أيضاً درجة تلقيها وقبولها من الناس بهذه السرعة، حيث خفنا قبل إطلاقها لأن هذا النوع كان نادراً ولم يكن موجوداً أساساً، أضف إلى أن السوق لا يستوعب أن تنزل تسع أغاني دفعةً واحدةً، غير أن هذه التجربة نجحت بفضل التعاون الخلاق بيني وبين الموسيقار عمار الشريعي والشاعر سيد حجاب، فعدنا وكررنا التجربة مرة ثانية، إذ إن الشريعي باعتقادي هو أحد أعمدة الموسيقا والغناء في الوطن العربي، وكان معروفاً بإحساسه المرهف وشخصيته الظريفة، استطاع إقناعي هو وسيد حجاب بأهمية الغناء للأطفال، فكان شريطنا الأول بعنوان «تاتا» الذي حقق نجاحاً كبيراً. ولا أنكر أن كلمات سيد حجاب التي تنتمي إلى السهل الممتنع كان لها الفضل في تقريب الأغنية من روح الأطفال وأذهانهم، وهو المعروف أيضاً بأنه قدّم أعمالاً فنية متنوعة سواء في الأغاني أو «تترات» المسلسلات، أضف إلى ذلك أن حجاب كان إنساناً بسيطاً متواضعاً مقرباً من جميع الفنانين يحبهم ويحبونه.
غنيتِ أغاني الأطفال، كما قلت، منها «هم النم، سوسة سوسة، يلا بينا.. وغيرها»، ما أهمية الغناء للطفل وفق تجربتك العميقة في هذا المضمار، وهل الهدف توجيه الطفل وتثقيفه وتربيته عبر الأغنية؟
الطفل بالنسبة لنا ولرسالتنا هو المستقبل، وينبغي أن ننمّي لديه قيم وثقافة الفن والإبداع والجمَال ونقدم له عبر الأغنية معلومة جديدة، هناك أغنيات لها مواصفات محدّدة توصل المعلومة للطفل بشكل تلقائي وعفوي وطبيعي.. الأم قد تشجعه على الدراسة والأكل في أوقات معينة وتنهاه عن الأمور السيئة والسلوكيات والعادات المؤذية، لكن لو سمع الطفل هذه التعليمات بشكل أغنية محببة بسيطة وراقصة ستكون أكثر إقناعاً له، الشاعر سيد حجاب مثلاً كان يهتم بكل كلمة من كلمات الأغنية لتحتوي على مفاهيم ورسائل توعية للطفل بمعلومات إيقاعية سريعة ولغة قريبة من عمره، حتى إنه يُدخل الحيوانات لتكون الأغنية جاذبة أكثر. إذاً دورنا كفنانين هو أن ننمي الثقافة الموسيقية للطفل أيضاً، لأن من غير المطلوب منه أن يستمع إلى أغاني الكبار بل للأغاني المخصّصة له والتي تحمل قيماً تربوية وتغذّي أفكاره وأحاسيسه بموسيقا وإيقاعات رشيقة سريعة ونشيطة، إضافة إلى أن من يغني للأطفال ينبغي أن يكون وجهاً مقبولاً ودمه خفيفاً يمثل ما يقول وأقرب إلى عالم هذا الطفل.

انحسار الفنون

عملت في الدراما الإذاعية في مسلسلات عدة نذكر منها «حبّي أنا» مع بليغ حمدي وأيضاً في الدراما التلفزيونية لكنك كنت مقلّة في ذلك، لماذا هذا الحضور الخجول؟
يبدو أنني كنتُ أقرب إلى الغناء أكثر منه إلى التمثيل، لأن الموسيقا والغناء كانا محور مشروعي الفني منذ بداية دراستي للعزف على البيانو في «الكونسير فتوار»، لكن رغم ذلك شاركت في أكثر من مسلسل للإذاعة، غير أن «حبّي أنا» الذي مثلته مع بليغ حمدي كان أهمها، وكانت هذه الأعمال الدرامية بوابة لتقديم الأغاني الجديدة بعد توظيفها في أحداث المسلسل، ففي العمل الإذاعي «لمن يسهر القمر» الذي تم بثه خلال شهر رمضان عام 1974 ومثّل فيه معي بليغ حمدي وعمر خورشيد، قدّمنا مجموعة من الأغاني مثل: «لمين يا قمر» و»دوري بينا» و»سلم سلم».
كمدرّسة في أكاديمية الفنون ومختصة في الغناء والموسيقا، ما سرّ تراجع ذائقة المتلقي التي باتت تستجيب للأغاني السطحية في كلماتها وإيقاعها السريع على حساب الكلمة والموسيقا الراقية؟
ربما ساهمت الأحداث السياسية التي عاشها الوطن العربي –كما قلت قبل قليل- في تراجع وانحسار الكثير من الفنون التي لم تأخذ حقها في الرعاية والانتشار فتلاشت نتيجة هذه الموجات وحالة اللا استقرار.. وبالتأكيد حين تتراجع الأغنية مثلاً ستتراجع معها الذائقة الفنية للمتلقي وتتقبل كل ما تبثه القنوات الفضائية في ساعات البث المفتوح ولاسيما الأغنيات والأصوات الدارجة هذه الأيام. لذا أتمنى أن تكون الفترات القادمة أفضل ويهتم الفنانون بالكيف وليس الكم وبالكلمة واللحن الأجمل.. صحيح أن الكبار رحلوا لكن الأمل بالأجيال القادمة ما زال حاضراً لإحياء الغناء الأصيل، فالبلدان العربية ولّادة إذا توفرت فيها الظروف والأحوال المساعدة على نهوض الفن وقيامه بدوره الأسمى. نحن قلنا سابقاً إن المناخ العام وخاصة الأجواء السياسية المتغيّرة خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تراجع الفنون عامة والأغنية خاصة، بل في تراجع مختلف الصناعات وكلّه ناتج عن آثار الحروب والثورات والتردي الاقتصادي والاجتماعي، لكن رهاننا كبير على أن تمضي تبعات هذه الأحداث السياسية ونعود إلى حالة الأمان والاستقرار.

انتصار مشرّف

زرتِ سورية وغنيتِ في دار الأوبرا بعد غياب امتد سنوات عدة، لماذا كانت العودة من دمشق، وما الذي توجهينه للسوريين الذين يعانون من الحرب الظالمة على بلدهم؟
أعترف بأن عشقي لدمشق خاصةً وسورية عامةً لا يقلّ عن عشقي لبلدي الحبيبة مصر، وعودتي للغناء في دمشق منطلقها أنني كنت أتوق دائماً للغناء أمام الشعب السوري لأني أحبُ سورية التي احتضنت وتحتضن الفنانين العرب جميعاً، وأحترم جمهورها الراقي الذي بادل الفنانين العرب وفي كل المراحل كلّ الحبّ والتقدير، ورغم أنني زرت سورية أكثر من مرة وقدمت فيها حفلات عدة ومسرحية «لن تسقط القدس»، إلا أن حلمي تحقق وكانت حفلتي في دار الأوبرا هذا الصرح الحضاري والثقافي في دمشق من أروع الحفلات، لأن الشعب السوري يعشق الأصالة وهو ذو ذائقة مرهفة وراقية مازال يستمع للأغاني القديمة ويطرب لها ويحنّ إلى الأصوات العربية التي غنّت على مسارح دمشق قديماً وحديثاً، الجمهور الذي واكبني في الحفلة صفّق لي وغنّى معي وكان يحفظ أغنياتي بكلماتها وألحانها يردّدها بمحبةٍ وشغف، أضف إلى ذلك أن الموسيقيين الذين رافقوني كانوا متميزين جداً، وهذا يبشّر بأن هناك جيلاً مبدعاً تخرج من المعاهد وهو على مستوى كبير في الأداء والعطاء.
أما رسالتي للشعب السوري، فهي الانحناء أمام صموده وصبره على هذه الحرب التي لم ولن تكسر إرادة السوريين لأنهم شعب طيب شجاع متمسك بالحياة.. في كل مكان ذهبت إليه كنتُ أرى الجميع يعمل بجدٍ واجتهاد ليكمل مسيرة الحياة والعطاء اللا محدود رغم قسوة الحرب وضراوتها. في دمشق القديمة زرتُ سوق الحميدية والجامع الأموي فرأيت كيف حافظ أبناء دمشق وسكانها على تفاصيل المدينة بأبنيتها وعراقتها وهذا شيء أساسي للإبقاء على عبق التاريخ، وأعتقد أن هذا الشعب الذي دافع ويدافع عن بلده بهذا الإيمان الوطني الراسخ سيخرج من الحرب بإرادة أقوى وانتصار مشرّف يؤكد صدق انتمائه لهذا الوطن الغالي علينا جميعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock