آخر الأخبارالأخبار المحلية

“الكردية” ما بين التدريس بها وتدريسها.. هل تدرك “التربية” الخلفيات والتبعات؟!

جهينة-خاص 

في أواخر شهر تشرين الثاني من عام 2020، وفي معرض رده على مداخلات النواب خلال الجلسة المخصصة لمناقشة أداء وزارة التربية، قال وزير التربية د. دارم طباع: في حال طالب الكُرد والآشوريون والسريان تدريس لغتهم لمدة ساعتين في المدارس، فالوزارة لن تتوانى عن ذلك، فهي –أي الوزارة- مع تدريس اللغات المحلية، حيث توجد مدارس أرمينية تدرس اللغة الأرمينية –حسب الوزير-.  

وبعد عام من تصريحاته تلك، وعبر أثير إذاعة المدينة المحلية، جدّد وزير التربية موافقة الوزارة على تدريس اللغة الكردية في المدارس السورية كساعتين إثرائيتين أسبوعياً في حال الطلب، معتبراً أن الكردية لغة محلية وطنية ومؤكداً أنها لا تختلف عن الآرامية والسريانية!  

ربط غير منطقي بلغات سورية المحلية والتاريخية 

وبالطبع، لا ينسى أحد من الراغبين في تدريس الكردية في المدارس السورية كإحدى اللغات المحلية، ربط الموضوع بتدريس اللغات الأرمنية والشركسية، ثم الآرامية-السريانية والآشورية، لكن هذا الربط غير منطقي من جهة “الأرمنية” و”الشركسية”، وغير علمي من جهة “الآرامية-السريانية” و”الآشورية”، فالكردية –في سورية- هي لغة قوم لا يتشابهون مع الأرمن والشركس من حيث أوضاعهم الديمغرافية والسياسية، بمعنى أن الأرمن والشركس –في كل الاراضي السورية- يحمل جميعهم الجنسية السورية ويتكلمون جميعاً اللغة العربية التي تتكلمها سورية، ويتلقون تعليمهم بها، ومن ناحية أخرى لم يطالب أي منهم بالاستقلال في مناطق سورية معينة وإحياء قوميته الأصلية فيها، بل ما شهدناه هو أن الراغب منهم في استرداد قوميته، قد عاد إلى بلده الأصلي، سواء إلى بلاد القوقاز بالنسبة إلى  الشركس، أو جمهورية أرمينيا بالنسبة إلى الأرمن… وبالتالي فالسماح للأرمن والشركس بتعليم لغاتهم القومية لأجيالهم في سورية، ضمن الأنشطة الثقافية والاجتماعية الخاصة بهم، لا يشكّل أية خطورة. 

أما الربط غير العلمي للكردية مع الآرامية-السريانية والآشورية، فهو مخالف لمعطيات التاريخ ولغات سورية الوطنية، ذلك أنه لا يمكن اعتبار الكردية لغة وطنية على غرار الآرامية السريانية والآشورية، فهي –أي الكردية- ليست من محفوظات الأرشيف اللغوي التاريخي السوري، أو إحدى اللغات المستمرة في سوريا عبر العصور، كما لم تكن معروفة في سورية قبل أول موجة لجوء كردية إليها، قبل أربعة قرون على الأكثر، أو قبل قرن على الأقل. 

سورية وحساسية الحالة الكردية 

وتأتي حساسية تدريس الكردية –أو التدريس بالكردية- في سورية، من جرّاء ظروف سياسية، حيث لم يوفّر الأكراد اللاجئون في سورية فرصة، منذ الحرب العالمية الأولى، ولم ينتهزوها –بتشجيع من قوى استعمارية- لصالح الاستئثار بالمناطق والأراضي السورية التي لجأوا إليها والمطالبة غير الشرعية باقتطاع تلك الأراضي وإعلان الاستقلال فيها، وفق ادعاءات مخالفة للواقع التاريخي والأثري بملكية الأرض، واستناداً إلى رغبات أميركية اوروبية إسرائيلية بإعطائهم أجزاء من الأراضي السورية كوطن لهم، يسمح في النهاية بتفتيت سورية. 

وبالتأكيد فنحن لسنا ضد المكاسب العلمية في تمكين الشعب السوري من أية لغة يرغب في دراستها، ولكن ذلك غير متاح في أجواء التوظيف العالمي للنزعات الاثنية والعرقية، بل استنهاضها، ولعل تجارب السنين السابقة تقدّم نموذجاً يجب وضعه على طاولة السيد وزير التربية، والاقتناع بمخاطر ذلك النموذج وتعميمها على دوائر وزارة التربية، فما أن غُيِّبت مؤسسات الدولة السورية عن مساحات واسعة من الجزيرة السورية وعموم الشمال الشرقي السوري، بفعل الحرب الارهابية المفروضة على سورية، حتى هرع جل مثقفي الأكراد الانفصاليين هناك –ومنهم موظفون رسميون في وزارة الثقافة السورية- إلى تغيير هوية المواقع الحضارية السورية وأسمائها هناك واستبدالها بالهوية الكردية، وتثبيت ذلك عبر المعارض الأثرية والندوات التاريخية والمنشورات والمطبوعات، وكل ذلك بدعم أميركي أوروبي،… هذا فضلاً عن “تكريد” المناهج التربوية هناك وفرض الكردية كلغة استعمار في مدارس بعض مناطق الشمال الشرقي السوري، التي تضم إليها سوريين من مختلف الأطياف. 

ولتحقيق مآرب بعض الجهات الدولية في انفصال الأكراد بوطن مقتطع لهم من سورية، لا تطمح تلك الجهات لأكثر من اعتراف رسمي بذلك، ولو أتى من قبل مؤسسات حكومية صغرى، وعبر مراحل وإجراءات عدة. 

 الأوْلى بالتربية إسعاف منظومتها التعليمية اللغوية الأصلية 

في إطار تعليم اللغات، فإن الأحرى بالتربية الآن إسعاف منظومتها التعليمية اللغوية من عربية وإنكليزية وفرنسية، وليس الحديث عن ساعات إثرائية بلغات “محلية”، فإذا شئنا الغوص في حالة تدريس مناهج اللغة الانكليزية، مثلاً، لن نتمكن من ملاحظة سوى مجموعة من عبارات التذمّر بين الأساتذة والتلاميذ، ففرض مناهج جديدة ومفاجئة على صفوف مثل التاسع والبكالوريا، ودون اتصال بمناهج سابقة، أدخل الأساتذة والتلاميذ في حيرة من أمرهم، فالسلسلة المحلية المسماة “إيمار” جعلت تدريس الانكليزية كيفياً، وأفقدت الكثير من التلاميذ فرصة تعلُّم الانكليزية جيداً في المدارس…وهنا فإننا نترك لموجهي اللغة الانكليزية تقييم الحالة فعلياً ودون تحيُّز، ومراقبة ما يجري في المدارس بخصوص تدريس الانكليزية من تسيُّب وصعوبات… أما من ناحية أخرى، تتعلق بمحتوى بعض المناهج، فإننا نذكر ملاحظة بسيطة من منهاج الصف الثاني الابتدائي، حيث تم في السلسلة المسماة إيمار -الصفحة 15 من المنهاج المذكور- استخدام اسم “دانDan” لأحد الأطفال، (الذي وُصف بالنشيط والذكي وصاحب قطة جميلة)…علماً أن “دان” اسم توراتي يهودي (الابن الخامس ليعقوب حسب التوراة)… والسؤال هو –ولو أننا سنسمع الكثير من الاجابات غير المنطقية- ألا توجد آلاف الأسماء الأخرى لتعطى كأمثلة للتلاميذ في هذه السلسلة المحلية؟! (وما الغرض من تعريف التلاميذ باسم “دان” وتعويد آذانهم عليه؟)…وهنا فإننا لا نفترض أن واضعي المنهاج على دراية تامة بتفاصيل الاسم المذكور، وأية أماكن هو شائع فيها بكثرة، ولكن ألم يجدوا غير هذا الاسم ضمن سلسلة سورية محلية؟ 

التربية و”الحياد السويسري”! 

ختاماً، فإن نموذج “الحياد السويسري” المشهور عالمياً، لا ينفع والحالة السورية على الاطلاق، فبعض مسؤولي مؤسساتنا الحكومية يتصرف بموجب ذلك النموذج في انفصال تام عن الواقع السوري، ذلك الواقع المهدّد يومياً والمحاصر بعدة تحديات، لم يثبت الأداء الحكومي براعته في التصدي لها، ليتحدث السيد وزير التربية عن طفرة في منجزات وزارته وتقنياتها وأساليبها العلمية ونيته الإعلان قريباً عن خطة الوزارة للسنوات الثلاث القادمة، والأصح هنا هو تدارك إخفاقات السنوات الماضية وليس الاعلان عن خطط قادمة، وسبق أن وضع جمهور المتخصصين والمثقفين آلاف الملاحظات على أداء وزارة التربية منذ تأسيس مركز تطوير المناهج التربوية، لكن تلك الملاحظات ذهبت أدراج الرياح، وكانت ضحية لنوع من الدكتاتورية الحكومية الجديدة والطارئة على البلد، والتي تدّعي –في شقّها التربوي، وفي كل فرصة إعلامية- إشراك جمهور الأهالي في تطوير الواقع التربوي عبر المنصات الالكترونية وما شابه، رغم أن المطلوب هو إشراك المنصات التخصصية الفعلية وتفعيلها… 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى