أبواب المجلة الورقيةثقافة وفنون

الفنان المسرحي محمود جبر..نقلَ هموم الناس إلى خشبة المسرح قبل حملها إلى مجلس الشعب

أرسى أسس المسرح الملتزم وكان مدرسةً في الكوميديا الشعبية

الفنان المسرحي محمود جبر..نقلَ هموم الناس إلى خشبة المسرح قبل حملها إلى مجلس الشعب

 

جهينة- أحمد علي هلال:

في البدء كان المسرح، ومنذ أن وجدت الحياة، ظلّ المسرح بخشبته المفتوحة حاملاً لهموم الناس وأحلامهم، ومترجماً لهواجسهم العليا، ليحضر فنانٌ ملتزمٌ طبعَ المسرح بطابع خاص ليكون الاسم دلالةً عابرةً للأزمنة والأمكنة وفضاءات العروض «مسرح محمود جبر»، ليس بانتمائه للزمن الجميل فحسب، بل لأنه كان ولايزال ذاكرة سورية الثقافية والتي جعلت من محمود جبر علامةً فارقةً على حضور موهبة وثقافة ذات أبعاد مختلفة، ليصنع غير فارق في مسيرة الحياة المسرحية، من شرف البدايات والتحولات الكثيرة التي وسمت مسرحه بقي محمود جبر يُضحك أجيال المسرح بكوميدياه الطليقة والمحببة، لكنه بالمقابل حمل خطاباً نقدياً اجتماعياً وفكرياً مازلنا نعيش علاماته الفارقة مع جيله مُؤسّسي المسرح السوري الأفذاذ.

إرهاصات مسرحية أولى
في الخمسينيات من القرن الماضي ثمّة شاب اعتلى منصة «النادي الشرقي»، ليقدم جملةً من العروض المسرحية بعد تجارب في مدرسته مع رفاقه، جهرت بميله للفكاهة والمرح وسرد القصص المسلية، بل كان أكثر تطيراً من الانصياع لدروسه وواجباته بحكم ميله للتمثيل وفنون الأداء واختلاق القصص والمشهديات، لا ليُضحك رفاقه –آنذاك- ويضفي جواً من الكوميديا البيضاء فحسب، بل لأن شخصيته وهي تكتمل ستشي بهوية فنان راسخ الموهبة، عميق في بثه لتلك المشهديات والحالات التي كان يتنكّبها مغامراً، ولتكتمل أيضاً صورته كمسرحي هاوٍ وعلى طريق الاحتراف، حيث كان الفن في مرحلة التأسيس والإرهاصات الكبرى، وهذا ما اقتضى من محمود جبر أن يعمل بوتائر متسارعة، باذلاً كل ما أوتي من صبر وتحمّل، ليستوي في وعيه أن الفن هو رسالة اجتماعية وإنسانية، وحينما أصبح موجهاً في معهد العلوم والآداب كان يتبادل الكثير من الأفكار والآراء حول المسرح والفن والكوميديا مع زملائه الذين انتبهوا إلى موهبته وقادهم هو مبكراً إليها، ليظهر مجدداً كممثل كوميدي في حفلة لا تُنسى على مسرح معهد الحرية «اللاييك» آنذاك، حيث قدّم محمود جبر فواصل فكاهية تسخر من الصهاينة، بطابع ساخر يشي بمقدرته الفنية على توظيف الأفكار في خدمة الفن وانفتاح مخيلته، ليؤثر في ذوات متلقيه، وعي مبكر لدور المسرح، ليس في محاكاة الأفكار فقط، بل اجتراح ما يرتقي بالوعي الجمعي، والذي أصبح تالياً سمةً لازمةً لمسرح محمود جبر في مخاطبته وجدان الجمهور عبر قضايا مجتمعية وإنسانية وأخلاقية ومعرفية، كانت أدواتها تلك اللغة المبسطة لكنها العميقة، وتلك المقدرة على الإدهاش بالقبض على المفارقات الاجتماعية، التي لعب الفنان محمود جبر مع نخبة من مجايليه دوراً كبيراً فيها ساهم في بعث الحياة المسرحية وتجديدها، وهي التي كانت تُوسم بالتقليدية والنمطية، والوصول بها إلى آفاق حملت جدل خصوصيتها وفرادتها وقوة تأثيرها، ليكون المسرح في ذلك السياق أرض حوار فكري خلاق.
المسرحي الملتزم
لعلّ مدرسته الدمشقية الأولى «ثانوية الميدان» التي كشفت سرّ موهبته في الإضحاك والتعبير، ستكون العلامة الأولى لحركته المسرحية والتي انفتحت على العديد من الأعمال المسرحية، ولاسيما الكوميدية منها، ليتصل بجمهوره عبر فرقته المسرحية، ويقدّم أول مسرحية كوميدية له بعنوان «ناسي أفندي»، ويحترف التمثيل المسرحي بعدها فيقدم مسرحيته «أنا والعذاب والزواج»، وتتوالى الأعمال في المسرح العسكري، ومسرحياته المتميزة «العطر الأخضر، مدير بالوكالة، مطلوب كذاب» وغيرها من أعمال جعل فيها الفنان محمود جبر الكوميديا رسالةً عابرةً لزمنه، ومما قال: «إن الكوميديا نبتة طيبة تحتاج إلى بيئة سليمة ومناخ جيد، وتحتاج أيضاً إلى فنانين حقيقيين يتلمسون نبض الحياة اليومية عند الناس، ويرصدون بعيون الصقور ظروف المجتمع، من أكبر الظاهرات فيه إلى أدق الدقائق منه، ثم يستلهمون من الحياة البشرية ما يرسمون به البسمة البريئة على الشفاه، أو يطلقون به الضحكة العذبة من شغاف القلوب».
وبتلك المقومات التي أرساها مسرح محمود جبر، الذي وُصف بالمسرحي الملتزم، تترسخ الكوميديا في الوعي الجمعي لتبث كل رسائلها، محمولةً على واقعية الفن وجماليات الأداء الفردي والجماعي، ذلك أنه كان شديد الإيمان بعمل الفريق كتفاً إلى كتف من دون تجاوز المهارات الفردية، التي تتضافر في المحصلة لتعطي إيقاعاً شاملاً، تماماً كفعل قائد الأوركسترا حينما يضبط أداء عازفيه ليؤدي القطعة الموسيقية متناغمةً ومتكاملةُ، وفي مسرح محمود جبر ستترجم هذه الفكرة بدلالاتها الواسعة، ولاسيما أن من أضحكهم في الأمس كان الأكثر قدرةً على أن يجعلهم يفكرون مسرحياً خلال عروضه التي شهدتها دمشق، أي إن طريقة التفكير المسرحي كانت أحد هواجسه ودليل أعماله الكثيفة، مع ما اقتضته ضروراتها من جرأةٍ في الطرح وتميزٍ في التشكيل المسرحي (الميزنسين)، الذي أضاف إلى متعة التلقي لدى جمهوره.
المسرح وجدلية الفنون
ما الذي يفسّر حضور المسرحي محمود جبر عاشق المسرح في السينما؟ من البديهي أن شخصيته المتعددة والمثقفة بوعي أدوات الفن وأدواره، قادته بشغف ما إلى ارتياد فضاءات السينما، ليؤدي فيها غير دورٍ له الكثير من الدلالات. قد يقال هنا إن أدواره السينمائية كانت سريعة ولا تعكس ميله إلى أن يكون أيضاً نجماً سينمائياً بقدر ما كان ملبياً لنزوعه الفني في اجتياز الحياة الثقافية آنذاك، لكننا مع محمود جبر الفنان سنقف على شمولية هذه الشخصية وتعدّد هواياتها، بوصف ذلك التعدد محايثاً لموهبته الفطرية في ترجمة فهمه للفن كظاهرة أشمل، كان عليه أن يبحث عن تجسيدها محتفظاً بنزوعه الكوميدي حتى في الأدوار الإضافية التي أضيفت إليه، ويحضر في هذا السياق فيلمه الكبير «خياط السيدات» إلى جانب النجوم الأوائل مثل دريد لحام ونهاد قلعي وغيرهما، في المفارقات التي حملتها شخصيته «الصحفي فهيم»، وأفلامه الأخرى كـ«ساعي البريد، قطط شارع الحمراء، نساء للشتاء، حسناء وأربع عيون» وغيرها، أحالتنا إلى حضوره اللطيف والمحبّب على خلفية حضوره المسرحي، وظلّ فيها عابراً ليعود إلى التلفزيون والإذاعة، ليظهر في العديد من الأعمال والبرامج، ومعه شهدت الدراما الإذاعية الكثير من علاماتها اللافتة بحضور نجوم مثقفين بقي الفن لديهم هوايةً والمسرح أسير شغفهم الخاص.
مسرح العائلة
في تلك التحولات انعطفت شخصية محمود جبر إلى أن تجهر بتكامل الفنان وزخم تجاربه في الحياة الثقافية السورية، منذ تأسيس التلفزيون العربي السوري عام 1960، وصولاً إلى تطور الدراما السورية منذ الخمسينيات والستينيات، إلى أن تغيّرت أنماط الحياة وأنماط السلوك نتيجة التغيرات المتسارعة التي شهدتها الحياة الثقافية، لكن ذلك لم يمنع الفنان محمود جبر من أن يبقى متمسكاً بالمسرح وآرائه الجريئة حول تراجع المسرح نتيجة لذلك، إذ يقول في هذا السياق: «أصيب الناس بفيروس المحطات الفضائية، فأشاحوا بوجوههم عن كل ما يعنيه المسرح، وعن كل ما يرتقي إليه أو يسمو، وبات خريجو المعاهد يُؤثرون العمل السهل في المسلسلات التلفزيونية، والقليل جداً منهم يعطي المسرح جزءاً من اهتمامه وبعضاً من تطلعاته.. فكيف للمسرح أن يتقدم في عتمة هذه الظروف وأمامه تلك السدود المانعة والحواجز العالية، ومع ذلك أقول إذا السواعد شُمرت، وإذا النيات أخلصت، وإذا الدوائر المسؤولة جُندت، فإن المسرح سيتقدم وينهض ويسمو كما نحب ونريد». لقد جسّدت مسرحيات محمود جبر مفهوم المسرح العائلي، ذلك الاصطلاح الذي يعني مخاطبة العائلة عبر منظومة تربوية وأخلاقية، هذا فضلاً عن طبيعة أكثر العروض المسرحية التي جسّدت ذلك المفهوم أيضاً.
الفنان الكوميدي يُخلق ولا يُطبخ!
يقول الفنان محمود جبر: «إن نظرة عجلى إلى الكوميديين الصاعدين، ومقارنةً بالفنانين القدامى، تبين الفرق الشاسع بين ما عاناه جيلنا كي يثبّت للكوميديا أقدامها ويرفع أعلامها، ويرسّخ مسرحاً كوميدياً ملتزماً وعائلياً، بعيداً عن الإسفاف ومترفعاً عن سقط الكلام، يعالج الموضوعات التي تمسّ صميم حياة الناس، فذلك أمر لم يأتِ من فراغ، بل جاء ثمرة التعب والجهد والسهر والتضحية والانصهار في أتون التغلب على الذات.. من حق الكوميديا أن تنحسر وأن تتحسر على زمن فات، الفنان الكوميدي يُخلق ولا يُطبخ، وإذا عرف الفنان الكوميدي نفسه وآمن برسالته وأعطى نفسه حق قدرها من الاحترام وأغناها بالثقافة وصقلها بالمثابرة والاجتهاد والسعي الدؤوب إلى التطور، فإنه بذلك يحتل مكانه في قلوب الناس».
عزلة مضيئة
في سنواته الأخيرة ظلّ النجم محمود جبر على مسافة واحدة من الفنون، فهو لم يختر أن ينكفئ وقد أكسبه المسرح الملتزم ثقة الناس ومحبة الجمهور ودعمهم ليصل إلى عضوية مجلس الشعب في دورتين تشريعيتين متتاليتين، فكما نقل هموم الناس وآمالهم إلى خشبة المسرح، حملها كذلك إلى مجلس الشعب، وبقيت فرقته تواكب الكثير من الفنانين ليأخذوا أدوارهم، ويضيفوا للمسرح أبعاده الأخرى، أشبه بعقد اجتماعي أخلاقي وإنساني استمر فيه محمود جبر الفنان حامل الإرث من الذاكرة إلى الذاكرة، ولعائلته الفنية التي مازالت على خشبة الحياة تواصل أدوار الفن بما اختزنته من ميراثه وأقانيمه المتعددة، الإنسان والفنان والعابر لأزمنته، حيث تضافر لديه الوعي السياسي بالوعي الفني، وبقي صاحب السؤال الكبير: لماذا لا يأخذ المسرح دوره بعيداً عن أننا نعاني من أزمة نص؟ لكن يجب ألا نيأس ونسعى نحو الأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى