رأي

السلع الضرورية للمواطن بين الاكتفاء والاختفاء … هل من جدوى لتكنولوجيا الحكومة؟

لعل جميعنا يعيش هذه الأيام –على شاشة جوّاله- ثورة تكنولوجية خلوية هائلة في البلاد، الغرض الظاهر منها هو تنظيم مسيرة حياتنا الشرائية لأهم احتياجاتنا اليومية والأسبوعية والشهرية –بل والشهرينية- والفصلية، وذلك منذ الصباح وحتى آخر هزيع من الليل، وفي الكثير من الأحيان إلى أولى إطلالات الفجر…فنحن شعبٌ خرج قسمٌ كبير منه حيّاً من الحرب، وكان لا بد له من تنظيم شؤون معيشته بعد أن ضرب أخماسه بأسداسه، مولوِلاً على ما فقده من أملاك وعقارات وأراضٍ وأموال وأعمال ومصانع ووظائف ومهن، فأضحت حسابات ما بعد النجاة من الحرب كحسابات الحرب ذاتها –إن لم تكن أعسر وأكثر ضيقاً وتعقيداً- أما حسابات ما قبل الحرب، فولّت وأفلت إلى غير رجعة، وأضحت من ذكريات شعبٍ كان يخطط ليلاً لمستقبل الأيام والسنين القادمة، ويرقد صافي الذهن –نوعاً ما- ذلك أن حسابات بيدره لم تكن تختلف عن حسابات حقله، أما اليوم فقد أصبح التخطيط ليلاً مقتصراً على الحصول صباحاً على خبز المائدة، واحتياجات المائدة اليومية مما تيسّر، أو مما تعسّر وما إلى ذلك من أرزّ وسكّر، وكماليات البروتين والفيتامين، ناهيك عن الغاز المنزلي وباقي أصناف المحروقات…

البطاقة الذكية أم الحلول الحكومية!

نظراً للارتباك الواضح في حسابات حقول الحكومة وبيادرها، تمخّض العقل الحكومي عن فكرة البطاقة الذكية لتنظيم شؤون شراءات المواطن لأهم المواد والسلع الحياتية الضرورية، فأضحت تلك البطاقة المَخرَج من أزمة الحكومة، والمدخل –بنفس الوقت- إلى أزمة المواطن…فما كان تقصيراً حكومياً في تأمين السلع الضرورية، أضحى تقصيراً من المواطن في مواكبة ذكاء البطاقة وبرمجياتها وتطبيقاتها، ولدى مراجعة هذا المواطن لمكاتب “الذكية” للاستفسار عن مخصصاته الغذائية، يأتيه الجواب سريعاً “كل شيء متوفر، ولكن عليك أن تدخل إلى التطبيق على جوّالك أو أي حاسوب متصل بالانترنت في منزلك (!) وعندها تحصل على الأرزّ والسكّر والشاي والزيت (سابقاً) والغاز والبنزين والمازوت، والخبز أيضاً!…أنت أدخل فقط واتّبع “خوارزميات” التطبيق وسترى بأم عينك نقاط البيع والتوزيع مرصّعة كالنجوم على شاشة جوّالك!…مع تحيات Takamol وMahrokat و Syria Trade وp Mitc!!!…وإذا أردت الاستفسار عن أي عطل تقني، ما عليك إلا الدخول إلى روابط SYTRA (السورية للاتصالات) لتدلّك إلى الصواب وترشدك إلى السبيل!

مواطن بسرعة رجل إطفاء!

ودون الخوض في التفاصيل، فمن حالفه إتقانه لخوارزميات “الذكية” ومختصراتها الانكليزية، سينتظر أياماً وأياماً لتأتيه رسالة التأهّب للتوجه في أسرع وقت إلى نقطة البيع المرصودة له، استناداً إلى عنوانه الدقيق كما يعرفه مختار الحي وشرطيّ القسم… وحين تأتي الرسالة ويتمكن صاحب الاستحقاق الغذائي من ترجمة اسم مرسلها وإعجام ما يرد فيها من رموز، يهرع إلى المكان المطلوب وكأنه رجل إطفاء عاجله نداء الإطفائية اللاسلكي بخبر حريق…!…أما حين يصل هذا المواطن إلى نقطة البيع قبل فوات المدة، فقد يجد طابوراً طويلاً، ليتساءل على الفور قائلاً “أعرف سكان الحيّ فرداً فرداً، فكيف تشكّل هذا الطابور اللعين؟!”… وعلى كل حال، فما أن يتزعم هذا المواطن الطابور بعد وقت طويل تحت الشمس صيفاً أو زخّ المطر شتاءً، تفاجئه موظفة المؤسسة –التي يعرفها منذ أيام “التصحيح”- قائلةً برفع الكفين: “لقد نفذت المواد أو بعضها…”…إنتظر قليلاً فقد تأتي شاحنة “السورية للتجارة” –Syria Trade حسب اسمها الأثيري- بعد قليل…!…

وفي النهاية قد يفلح هذا المواطن في الحصول على بعض مبتغاه من المواد والسلع، أما ذلك فمرهون بنباهته وحذاقته وثقافته العالية وفكره التكنولوجي، ثم جهوزيته التامة لتلبية رسائل “الذكية” في الزمان والمكان المحددين…!…وما عدا ذلك، فمواطنون لهم ظروفهم الخاصة من تقدّم في السن وحالة صحية معينة وقلة باع في التعامل مع رسائل الجوّال وجهل في “نقحرة” تعابيرها وترجمتها وتحديد سموتها على الأرض، أو ضبط إحداثياتها بدقّةٍ تجعل من صيد “السورية للتجارة” هدفاً محققاً له!

خبز “الذكية” Mitcp)) حرم المواطن اللقمة الشهية!

ها إنه رجل ستيني متقاعد يقطن حياً شعبياً ورفيقة دربه، كان يحلو له في الصباح –بعد احتساء قهوة أنغام فيروز- شراء بعض الخبز الطازج من مخبز الحي ليتناول طعام فطوره، وإذ بالمخبز قد اختفى عن المدى المجدي لنظر الرجل الستيني، ليتقدم الرجل خطوات إلى الأمام باحثاً عنه، شمالاً ويميناً، ليرى جموعاً من البشر بدلاً من واجهة المخبز، وجموعاً آخرين من الميمنة والميسرة يتأهبون لاستلام كمية التهريب وبيعها بالقرب من المخبز…ولأن الرجل ستيني، يمكّنه الشبّان من اعتلاء المنصة التي تجعله وجهاً لوجه مع بائع الخبز، ولكن…لا خبز تفوح رائحته كأيام زمان، ولا بخار يتصاعد من الفرن، بل كل ما هنالك صفوف من ربطات الخبز المكدسة، وغير المخصصة للبيع إلا بموجب البطاقة الذكية…!…

صديق الرجل الستيني في الحي يملك بطاقة ذكية، فنال ربطته الوحيدة وأطلق تنهيداته في الهواء، وقبيل وصوله إلى باب المنزل، عاجلته غرفة عمليات “الذكية –المرموز لها بحروف Mitcp))- برسالة تلفت عنايته إلى شرائه لربطة خبز عدد1 مع رقم عملية الشراء وتاريخها وساعتها ودقيقتها…الرجل لم يقرأ المحتوى باعتباره لا يجيد الانكليزية، وحين عرف ما الحكاية تساءل بأسى، لماذا؟!…فمحتوى الرسالة ذكّره بسنيِّ خدمته العسكرية حين كان ضابط المدفعية يطلب من أفراد الفصيل في الجبهة تسجيل عدد القذائف المستخدمة وتاريخ استخدامها باليوم والساعة والدقيقة!

بدلاً من الخبز، تكنولوجيا رسائل الخبز!

ونحن من جهتنا نسأل لماذا…؟…لماذا كل هذه التكنولوجيا لشراء بعض الأرغفة؟ وهل وفرت تلك التكنولوجيا –حقاً- كل الأرغفة المطلوبة للعائلة وللفرد؟…لا نعتقد ذلك، والجواب المؤكد لدى “الذكية” لأن برمجياتها تشير إلى أن الكثير ممن استلموا رسائل استلام خبز ذات يوم، لم يستلموا لا الرسائل ولا الخبز ذات أيام!…ويبقى السؤال المحيّر فعلاً وهو كيف ولماذا تصرف الحكومة على تكنولوجيا رسائل الخبز، ولا تصرف على الخبز نفسه؟!…وإذا كنا قد حققنا الاكتفاء الذاتي بتكنولوجيا المعيشة، فكيف لا نحقق الاكتفاء الذاتي بتلك المعيشة، وهل بات الأثير الالكتروني –بكافة متطلباته وأدواته وكوادره البشرية- أرخص من دقيق القمح وسكّر الشوندر؟!

المصدر JPnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى