إصدارات جهينةتحقيقات

الرواية السورية والحرببين استلهام المآسي وتزييف الأحداث والوقائع!

جهينة- خاص:

عشرات وربما مئات الروايات والمدوّنات السردية والمجموعات القصصيّة التي صدرت في سورية وخارجها، تتحدث عن فصول الحرب المشتعلة منذ ثماني سنوات حتى الآن، تارةً تستلهم المآسي ومرارة التهجير والغربة لتحرّف في فصولها، وتارة أخرى تتحدث عن بطولات الشعب السوري وجيشه الذي هزم أعتى قوى العدوان والجماعات المسلحة التابعة لها والمموّلة منها، وما بينهما حكايات تفطر القلب وتُدمي العين وتبيّن حجم وهول الحرب التي تعرّضت لها سورية، فهل نقلت هذه الأعمال الأحداث والوقائع بأمانةٍ، أم إنها استجابت لإملاءات تسعّر الحرب وتنفخ في أوارها؟ وفي هذا التحقيق ستتطرق «جهينة» فقط إلى موضوع الرواية السورية والحرب، محاولةً رصد واستكشاف جملة من الحقائق التي بدأت تتداولها وسائل الإعلام والدراسات التأريخية والنقدية مؤخراً عن عشرات الروايات التي صدرت في أوروبا وبعض البلدان العربية، بعضها يروي بموضوعية حكاية الجرح السوري النازف بحياديةٍ مطلقةٍ ومن دون أي أهداف مشبوهة، والبعض الآخر الذي يلقى احتفاءً كبيراً ومستهجناً في العواصم الأوروبية والخليجية تُخصّص له «جوائز» بالملايين لأنه فقط ينحاز ويتبنى وجهة نظر ما يُسمّى «المعارضة» والأطراف الداعمة لها، ويروّج لأفكارها وطروحاتها المسمومة، رغم تواضع إمكاناته الفنية ووقاحته في قلب الحقائق والدعوة إلى القتل والانتقام وتصوير السوريين على أنهم أعداء!.

بين ضفتين؟

لقد انحاز الكثير من الكتّاب إلى وطنهم ووقفوا إلى جانب شعبهم في هذه المحنة، على الرغم من محدودية الإمكانات المتاحة أمامهم والمقدّمة لهم، وتفانوا في ذلك من دون الرغبة في أي مقابل، وبرعوا في تقديم نتاج روائي مختلف والوصول به إلى القارئ العربي بل العالمي، رغم حال الجمود التي ترزح تحتها مؤسساتنا الثقافية المعنية، فيما كانت بعض الروايات التي اختار كتّابها الضفة الأخرى تُطبع بعشرات الآلاف من النسخ وفي طيها كمٌّ مرعب من الحقائق المنقوصة أو المزيفة، فضلاً عن الأحداث المطلوب تسليط الضوء عليها بمشيئة من يدفع لهم مقابل التمترس في هذا الاتجاه، فهل من المعقول مثلاً أن تسعى كاتبة جاهدة لاتهام الجيش السوري وتسويق الأكاذيب حول ما سمّاه بعضهم «جريمة الكيماوي في حلب أو ريف دمشق»، رغم أن الإعلام الغربي نفسه نفى ذلك واعترف بأنها فبركات صوّرها أعضاء في عصابة «الخوذ البيضاء»؟!، وهل من المنطقي أن نتبنى مثل هذا الكذب ونسميه أدباً، فنحن حقاً نخشى -كما يقول أحد الكتّاب- من أن تصبح تلك الروايات مرجعيات وفصولاً في ذاكرة الأجيال القادمة من السوريين بسبب حجم الدعم المالي المقدّم لها.

صدقية الفن

«جهينة» توجهّت للأديب والناقد نذير جعفر بسؤال عن مدى حضور الأحداث السياسية والحرب الدائرة في سورية وتفاعُل المجتمع معها في ما يمكن أن نقول عنه رواية الحرب، وكيف يقيّم النتاج الروائي لدى كل طرف، ليقول: في المدونة الروائية السورية لهذه الحرب الدائرة على وطننا حتى الآن ما يزيد على 150 رواية سورية وبضع روايات عربية مما وقع بين أيدينا لكتّاب يعيشون داخل سورية أو خارجها، النوع الأول من هذه الروايات استعاد أحداث الصراع في الثمانينيات مع قوى التطرّف الديني في سياق حبكة سردية سيرية تنسج خيوطها بين الأمس واليوم عبر علاقة الشخصية المحورية بمن حولها عاطفياً واجتماعياً، مكتفيةً بتسجيل وقائع معروفة عن الاغتيالات والتفجيرات والمواجهات المسلحة والمواقف المعلنة للقوى والأحزاب والتيارات السياسية، وينجرف النوع الثاني من تلك الروايات إلى مستوى التقارير البعيدة عن فنية وجمالية العمل الروائي مُوجهاً خطابه السردي في سياق إيديولوجي مباشر محكوم مسبقاً بالعداء وتصفية الحسابات وليس صدقية الفن. ولا يختلف هذا النوع من الأعمال عن «ترسيمة» الإعلام المُعادي والمُضلّل الذي قلبَ الحقائق وفبركَ الأحداث عن ربيع أسود كاذب اعترف صانعوه أنفسهم في مطابخ الدبلوماسية الفرنسية وردهات «البنتاغون» والمجمع الصناعي الحربي بأن الغرض مما حدث لم يكن «ثورة» ولا تحقيقاً للديمقراطية، بل خطة لإعادة رسم المنطقة وتجزئتها وإغراقها بالدم لتنصاع إلى القرار الأمريكي –الغربي- الصهيوني، مُلبيّةً شروطه السياسية والاقتصادية. في حين اكتفت روايات النوع الثالث من رواية الحرب بدور الشاهد الذي يدوّن يومياته ومشاهداته على غرار ما دوّنه سابقاً البديري الحلاق في أحداث وهبّات العامة، وما تعرّضت له دمشق من نهب وسلب وخراب على يد الغوغاء ناظراً إلى الحرب بوصفها عملاً همجياً وانفلاتاً للقوى الغريزية العمياء التي تطيح بكل ما هو إنساني وجميل، لكن مثل هذه الروايات تضع طرفي الحرب في كفةٍ واحدةٍ بذريعة أنهما يمارسان آليات القتل نفسها! أما النوع الرابع من رواية الحرب فقد اتخذ منحى فلسفياً في فهم ما يحدث وتأويله عبر الحفر عميقاً في دواخل النفس البشرية ونزعاتها وما يعتريها من إحباطات وهزائم في الحُب والسياسة محاولاً تلمس جذور العنف وأسبابه وصوره وتمثيلاته الواقعية والرمزية التي اجتاحت المنطقة. وآخر نوع في رواية الحرب هو تلك الروايات التي عايشت مرارة الفقد والمعاناة النفسية والقتل والتدمير والاعتداء على كل ما هو جميل، فانتصرت لحقيقة ما حدث ويحدث، لا من أجل مُعارضة أو موالاة بل من أجل سورية واحدة موحّدة بترابها وشعبها، ومن هنا جاء خطابها معززاً للقيم الوطنية والجمالية وللمُثل الأعلى تحفيزاً على التضحية والصمود ودحر كل ألوان الشرّ الذي عصف بوطننا في الداخل والخارج، ويمكن هنا إدراج عدد من الروايات منها: رواية «مفقود» لحيدر حيدر، ورواية «لا تبكِ يا بلدي الحبيب» لحسن حميد، ورواية «كتاب دمشق» لهزوان الوز، ورواية «طابقان في عدرا العمالية» لصفوان إبراهيم، ورواية «هوة في باب عتيق» لعلي محمود.
أما عن دور المؤسسات الثقافية الرسمية في الردّ على ما كتبه الآخر وزوّر فيه الأحداث ولفّق الاتهامات الزائفة الباطلة بُغية تشكيل ذاكرة مُؤلمة مُوجعة للأجيال القادمة، فيضيف جعفر: دور المؤسسات الثقافية (وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، اتحاد الكتّاب العرب) وسواها، هو فتح باب النشر على أوسع نطاق للروايات ذات التوجه الوطني والتي ترصد تداعيات الحرب على الداخل، وتكشف عن الأوجه المتعدّدة لهذه الحرب من منطلق الصدق الفني والواقعية التي لا تزيف الواقع بل تكشفه عبر تصوير الشخصية النموذجية وفق شروط حياتها النموذجية، بعيداً عن الخداع والتزوير والأهداف المشبوهة التي تصبّ في المصالح ووجهات النظر الإيديولوجية المُعادية. كما ينبغي على تلك المؤسسات أن تشجع النتاج الروائي الخاص بالحرب عبر رصد جوائز تحتفي به وتكون على مستوى عالٍ يضاهي ما تمنحه مؤسسات مُعادية في الخارج لأعمال روائية غرضها الأول هو ترسيخ الصورة المُجافية للحقيقة والتي تصبّ في سياق ما يقوله الإعلام المضلّل والمُعادي عن هذه الحرب الظالمة.

أموال لتمرير المشروع

رداً على سؤال بماذا تفسّرون كثرة الجوائز الممنوحة لتلك الأعمال مقابل قلّتها لرواية الداخل التي وُلدت من رحم الحرب، يقول جعفر: كثرة الجوائز الممنوحة لأعمال تخدم التحالف المُعادي لوطننا تشير إلى حجم ما يرصد من أموال لتمرير المشروع الجهنمي للحلف المُعادي على المستويات كافة السياسية والإعلامية والأدبية، ولاسيما على مستوى النتاج الروائي الذي يعدّ ديوان العرب المعاصر لما يمتلكه من مساحات تلقٍ واسعةٍ من القراء والنقاد معاً. أما قلة الجوائز في الداخل فتعود إلى ظروف الحرب القاهرة من جهة وإلى التقصير العام والخاص للمؤسسات الثقافية ودُور النشر في الالتفات إلى أهمية الرواية بوصفها سجلاً حياً لحياة السوريين ومعاناتهم في ظل الحرب وموسوعة لمجمل الصراعات التي يمور بها الواقع والتحديات التي تواجه أبناء سورية.

شهادة على معاناتي

كما توجهت «جهينة» إلى عددٍ من الأدباء والأديبات الذين كتبوا هذا النوع من الرواية بالأسئلة التالية: ما الذي دفعك للتوجه نحو رواية الحرب، وهل فن الرواية (اليوم) قادر وحده على توصيف الأحداث؟ وكيف ترى حضور الحرب في الرواية السورية، وما هو دور المؤسسات الثقافية الرسمية في تشجيع هذا الفن؟ إذ يقول الأديب محمد الحفري صاحب رواية «جنوب القلب»: أولاً الحرب جرح إنساني عميق، أو هي مجموعة الجراحات التي لا تعدّ ولا تحصى، وقد كنتُ من الذين خاضوا معمعتها وغمارها وجراحي الجسدية كواحد من المصابين مازالت تشهد على معاناتي معها قبل جراحي النفسية. ثانياً الحرب تجعلك تعيش على مفترق طرق، ومع لحظات لابد من أن تحسم فيها أمرك لتكون بين الناجين من سعيرها أو الراحلين إلى طريق الأبدية الذي لا عودة منه. هذه اللحظات تحتاج فيها إلى اتخاذ قرار أو قرارات قد تكون خاطئةً، ولكن عليك أن تتخذها حتى لا تبقى واقفاً وصامتاً. وربما لهذه الأسباب وغيرها كتبتُ الرواية الحربية التي صدرت تحت عنوان «جنوب القلب»، وأردت منها قبل كل شيء أن أوجه تحية عرفان وامتنان لأمهات أولئك الذين دافعوا عنا حتى النفس الأخير من حياتهم.
ويضيف الحفري: نحن نحاول من خلال الفن الروائي أن نقول جزءاً يسيراً مما حدث، فما حدث على أرض سورية يستحيل أن تُحيط به عشرات الأعمال الروائية والفنية، فهو رهيب ومخيف وموجع أكثر من الوجع ومؤلم إلى درجة لا يترك لنا الألم مجالاً كي نتألم، ولو أنتجنا فيلماً وثائقياً في كلّ يوم لن يكفي، فلكلّ طفل وعائلة ورجل وشجرة وقرية وشارع ومدينة قصة مع هذه الحرب، حيث كنت أراهن ومازلت على أن هذه الحرب أنتجت عشرات الأعمال السردية «قصة ورواية» وعشرات الأعمال الدرامية وستنتج الكثير منها في المستقبل، ويعلق في بالي عدد من هذه الأعمال على صعيد الرواية أذكر منها: «زناة» لسهيل الذيب، و«أرض الجهاد» لـمحمد الطاهر، و»تيا يا أنت» لأماني المانع، و«جراح على ضفاف الحرب» لـمجد حبيب، و«ألسنة اللهيب» لـمنال رشيد أبو حلقة، و«السبيّة» لإبراهيم الخولي، و«الأرض تنبسط تحت الأقدام» لـمنصور الحاتم، و»غزلان الندى» لـعلي المزعل، و»بنت العراب لإيمان شرباتي، وهذا غيض من فيض. وكل عمل مما ذكرته يستحق أن نتوقف عنده كثيراً لنبحث في مفاصله الرئيسية على الأقل، كما أن كل عمل من هذه الأعمال هو فني فيه الكثير من الجهد وهو خالد وسيبقى ولن يزول مجرد أن تنتهي الحرب كما يدّعي أصحاب اللون الرمادي الذين لا رأي لهم أو الذين ينتظرون رجحان كفةٍ على أخرى من دون أن تتحرك مشاعرهم تجاه أوطانهم وهي تذوي وتذبل وتقتل يوماً بعد يوم، مضيفاً: أما عن دور المؤسسات الثقافية الرسمية، فقد خطر في بالي بداية ألا أردّ على هذا السؤال، ثم خطر في بالي أن أسأل: هل كان لهذه المؤسسات دور في تشجيع أي فن؟ هل أقول لك إن شظية مازالت مغروزة في ساقي ولا أجرؤ على الذهاب إلى الطبيب لأنني لا أملك ثمن الكشفية ولا ثمن الدواء، لذلك أجد من الأفضل أن أمشي على جرحي! هل أخبرتك بأن صديقاً لي قد استشهد وهو يعمل «عتّالاً» وهو اسم شهير في الكتابة؟ لماذا نغمض عيوننا عن الحقيقة ونزاود ونداري الخداع والكذاب؟! عندما نتحدث عن دور هذه الجهات نقول إنه ضئيل ويكاد يكون معدوماً أو ربما نخجل من ذكره، وهنا نعود للأسئلة وهي كثيرة لنقول: هل قدّمت هذه الجهات للمثقف ما يجعله يعيش، أو ما يسدّ رمقه على الأقل، ولنسأل أيضاً على وجه التحديد: هل قدّمت للكاتب ما يعزّز حضوره وصموده، مع أن كل كاتب في سورية كما كل سوري يستحق ذلك والإمكانات موجودة والمسألة بحاجة إلى ضمائر تُبصر وعيون ترى؟!.

وثيقة تاريخية

من جهتها تقول الكاتبة لمى توفيق عباس صاحبة رواية «ست ساعات»: الكاتب ابن بيئته، بل هو المرآة التي تعكس الواقع وما يجري فيه من أحداث، وعليه فمن البديهي أن أكتب عن الحرب التي عشتها بكل تفاصيلها، إذ لا يمكنني أن أنفصل عن ذلك.. لقد كتبتُ روايتي «ست ساعات» تحت تأثير هذا الألم الكبير، مضيفةً: بالتأكيد نحن نحتاج إلى مختلف أنواع الفنون والآداب كالشِّعر والمسرح والموسيقا، ولكن ميزة الرواية أنها لا تصف الأحداث فقط، بل تحلّلها وتساعد في فهمها بطريقة أعمق كونها تدخل في بُنية المجتمع. وللأسباب التي ذكرتها من الطبيعي أن تكون الحرب حاضرةً بقوة في المشهد الروائي السوري، وأعتقد أنه بعد زمن من انتهاء الحرب ستزداد الروايات من حيث الكمّ والتي تتناول ما حدث. وتتابع عباس: لا شك بأن هناك دوراً كبيراً يقع على عاتق المؤسسات الثقافية الوطنية لجهة تبنّي ونشر الأعمال التي تُوضح بطريقة فنية العوامل والأسباب الحقيقية للحرب، وتُبرز النماذج البطولية لجيشنا العربي السوري والجوانب الإنسانية لمجتمعنا الحبيب، وتشكل وثيقةً تاريخيةً، لكن لا يمكن أن يتحقق ذلك من دون خطة واضحة.
أما الأديب صفوان إبراهيم صاحب روايتي «طابقان في عدرا العمالية» و»وصايا من مشفى المجانين» فهو يرى أنه لم ولن يستطيع أي فنّ أدبي حصر تفاصيل الحرب الدائرة (اليوم)، فما شهدته سورية من دمار ممنهج لا يستطيع أي نص أو صوت أو صورة الإحاطة به، قائلاً: أنا لم أكتب بإرادتي عن الحرب، هناك شيء ما -سمّه ما شئت- قسوة الصورة، الألم الأفظع، الوجع القاهر، هذا الشيء هو من أخذ قلمي إلى هذا المنحى.. لقد كتبت روايات كثيرة عن الحرب، ليس رغبة بتوثيق جرائم الحرب والإرهاب، أو ما أحدثه ما يُسمّى مجازاً «الفكر الوهابي» وهو البعيد كل البعد عن كل ما يمتّ للفكر بصلةٍ.. كتاباتي كانت رغبة بتوثيق الوطنية السورية للمواطنين الذين دفعوا الغالي والنفيس في سبيل حماية بلدهم ووحدة أراضيه ونسيجه الديني والاجتماعي العظيم.. ربما لم يرَ أغلبها النور باستثناء «طابقان في عدرا العمالية» و»وصايا من مشفى المجانين» اللتين أحرزت بهما المركز الأول في مسابقة وزارة الثقافة للرواية العربية «جائزة حنا مينة»، ولكني أعتقد بكفايتهما لتوضيح فكرتي المُوسعة حول الحرب أولاً وأسلوبي ثانياً. ويضيف إبراهيم: طبعاً لا أستطيع إلا أن أشكر وزارة الثقافة التي أتاحت لي النشر عبر الهيئة العامة السورية للكتاب، مقدراً لها محاولاتها لفسح المجال لجميع الأصوات التي تريد الدفاع عن سورية لكون المواجهة أولاً وأخيراً بين فكرين: الأول حضاري عريق تمتد جذوره إلى ما قبل التاريخ، والثاني همجي مُحدث عن طريق المخابرات البريطانية منذ حوالي 100 عام ومدعوم بشتى الوسائل التي باستطاعتها أن تدمّر وتقتل كل شيء باستثناء الإيمان بالعقيدة الوطنية للسوريين. كما لابد من شكر طاقم الهيئة الذين بذلوا قصارى جهدهم لرفع الثقافة السورية إلى مكانتها المعهودة بين الثقافات العربية والعالمية بعد كل ما واجهته وزارة الثقافة من عدوان تمثّل بحرق الكثير من المراكز الثقافية والمستودعات الورقية والمطابع التابعة للوزارة التي أتمنى أن تشدّ على أيدي الكتّاب وخاصةً الفائزين منهم بالمسابقات العريقة، وذلك عن طريق تعهد رواياتهم الموثقة للحرب لصناعة أفلام سينمائية طويلة لما للسينما من دور رائد وفعّال وباقٍ في حفظ الذاكرة وتوثيق الحدث مع نشره على المستوى العالمي.

التمسك بكل ما هو حقيقي

الكاتبة أماني المانع صاحبة روايتي «الكحل الأبيض» و«تيا.. يا أنت»، تقول: لا بد بعد انتهاء الحرب من أن نقدم أدباً يصبح تاريخاً ورسالة، ويعبّر عن جوهر وعينا، فالمثقف لا يمكن أن ينسلخ عن مجتمعه، والأصل أن يكون داعية سلام، قد يصبح للصراع شكل بديل إذا كان النتاج أكثر إنسانية، وقد لا نعرض الحرب كحرب بل في تناقضاتها مع السلام والحياة والحُب، مضيفةً: الحرب كانت موضوعاً قائماً في الأدب على مرّ العصور من زمن هوميروس وحرب طروادة إلى قصائد العرب في تمجيد بطولاتهم.. أدب الحرب الحقيقي أدب إنساني يركز على القيم العليا، فهو قدرة صفوة من خاضوا أو عاصروا الحرب ويمتلكون الخيال والقدرة على التعبير لحفظ ونقل خصوصية هذه الفترة وتغطية جوانبها النفسية والاجتماعية، أي تأريخها بطريقة مختلفة يتمّ فيها التركيز على قيمة الأرض والإنسان من دون التوغل بالتعابير التاريخية والسياسية أو بتسليط الضوء على البعض منها، فلكل أديب أسلوبه ومحاولته عن طريق شخصياته وفكره لاكتشاف الأسباب والبحث عن حلول، حيث إن الحرب رغم آلامها وأوجاعها مصدر ثريّ للفكر، في كل بيت وزاوية وشارع وجبهة حكاية حبلى بالدلالات والرموز قابلة للكتابة، قد تمنح الرواية فضاء أوسع للتعبير.
وتتابع المانع: الوضع الراهن وما تمرّ به سورية والمزاج الذي يحكم قلوبنا وعقولنا وتشعّب العناوين والأحداث التي تتعلق بهواجس الذات والجماعة جعلت الرواية بحراً يُغري قلمي بالغرق فيه، فأصبح الوطن بطل روايتيّ «الكحل الأبيض» و»تيا.. يا أنت»، حيث جعلتُ فيهما الاختلاف حقاً رحيماً، بحثتُ في السياسة عن وطن، وفي الوطن عن إنسان ضمن سياق قصة عاطفية، ووضعتُ مسافة بين القارئ والكاتب وبين الواقع والخيال ليتدخل الحنين ويملأ هذا الفراغ، ولم يكن الخيال فيهما وسيلة للهرب بل أداة للتمسك بكل ما هو حقيقي.

قدرة هائلة على توصيف الأحداث

الكاتبة مجد حبيب صاحبة رواية «جراح على ضفاف الحرب»، تقول: أن يتجه الأديب وخاصةً الروائي إلى اتجاه أو موضوع معيّن فهذا يعني تواطؤ كافة مشاعره وعواطفه وانسجام مبادئه مع هذا الموضوع، وقد عايش كلّ مواطن سوري لحظةً بلحظة تبعات هذه الحرب الجائرة البشعة والتي فتكت وحشيتها بكل نقاء وجمالٍ ازدانت به ربوع الوطن وجباله وسهوله، وأردتْ الكثير من النفوس والقلوب مهشّمة متصدّعة، وهذا ما دفعني بملء إحساسي العميق بجراح وطني النازفة واغتيال الألم لي عند رؤية الحزن المزروع في قسمات الأمهات الثكالى والمحفور في سويدائهن المُلطخ بدموع الفقد، وغياب البسمة عن محيّا أطفال بلادي الذين تيتّموا، والمرارة التي يعيشها شباب بُترت أطرافهم أو فقدوا أبصارهم، كل ذلك دفعني إلى التوجه نحو موضوع الحرب.
وتضيف حبيب: الرواية تمتلك قدرة كبيرة وهائلة على توصيف الأحداث والوقائع، لا يمتلكها أيّ فن أدبي آخر، لأنها بحدّ ذاتها فن شامل مشروط بالزمان والمكان والهدف، يعطي الكاتب بفضل مساحته الواسعة المقدرة على إيصال فكرته من خلال الوصف والحوار، وبامتلاك هذا الفن عنصر التشويق الذي يحرك ويهزّ وجدان القارئ، ويطلعه على ما قد غاب عنه أو جهله، بتفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها في غاية الأهمية، وهذا ما حرصت عليه في رواية «جراح على ضفاف الحرب» بذكر بعض مفاصل الفساد التي لا تقلّ أهمية عن أي موضوع آخر، كما أنني مازلتُ ألاحظ تقصيراً في شمولية الرواية السورية (اليوم)، وذلك لتركيز معظم الروائيين على وصف المجازر والأساليب الوحشية لأعداء الوطن من قتل وذبح وتمثيل وخطف أكثر مما ركزوا على الأسباب التي أدّت إلى ذلك من تآمر خارجي بسبب مواقف سورية الوطنية أو تسليط الضوء على السبب الجوهري لنشوبها واستفحالها، والذي يفيد بالدرجة الأولى الصهاينة العقل المخطّط والمُدبّر لكل الدول والأدوات الحليفة لهم التي استخدمت نفوساً هشةً ضعيفة الإيمان والأخلاق لارتكاب مجازر بحق الإنسانية تُدمي القلوب والأرواح. ولكن رغم ذلك فإنني أؤمن بكفاءة الروائيين السوريين وقدرتهم على خلق رواية شاملة كاملة، فالمثقف السوري منذ نشأة الحضارات مبدع ومفكر خلّاق، مضيفة: أما بالنسبة لدور المؤسسات الثقافية الرسمية فلا جدال أن لها دوراً مهماً في تشجيع فن الرواية وخاصة الهادفة منها، باعتبارها ركناً أساسياً من أركان الثقافة الأدبية، فهي كانت وما زالت وستبقى إرثاً ثقافياً تاريخياً لأهم وأخطر المراحل التي يمرّ بها الوطن العربي، وأتمنى أن توليها المؤسسات الثقافية مزيداً من الاهتمام والتشجيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock