آخر الأخبارإصدارات جهينةتحقيقات

البشر الرقميون.. أبطال أم ضحايا؟كيف يصبح الغزو الفكري حقيقةً واقعةً لا محض فرضية؟

 

جهينة– أحمد علي هلال:

في عصر التكنولوجيا والبحث عن المعلومات الغزيرة و«الديجيتال» والقرية الكونية الصغيرة التي باتت ركناً أساسياً من حياتنا اليومية، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أفراداً وعائلات، لا يكاد يمرّ يوم إلا ونكتشف كم خلّفت هذه التقنيات الحديثة من ضحايا، وكم أغنت في الوقت نفسه ملكةَ البحث والتنقيب والمقارنة في ذهن وعقل من يسخّر هذه التقنيات لإغناء الجانب العلمي والمعرفي لديه. إذ إنه في البيت داخل الأسرة الواحدة، وفي المدارس والجامعات والشوارع والمقاهي، غدا الهاتف المحمول و«الآيباد» رفيقاً أساسياً لكلّ فرد منا، حتى أسَرَتنا الرقميات وأدخلتنا مجاهل وكواليس كنا نخشاها ونرهبها اجتماعياً، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي غرفنا السريّة وخصوصيتنا التي نحيّد الآخرين عنها كي لا يتدخلوا فيها أو الاطلاع على أسرارها، ننأى بعوالمنا الافتراضية حتى لأقرب الناس منا، وننفتح في كثير من الأحيان على أناس بعيدين عنا جغرافياً وفكرياً واجتماعياً لتلبية شهوة التعرف إلى الآخر مهما كانت صورته غامضةً، أو من دون حساب المخاطر التي يمكن أن نقع فيها. وهنا نسأل في هذا التحقيق الذي تخصّصه «جهينة» لتسليط الضوء على تبعات ما سبق لنقول بداية ونعترف: أصبح العالَم الرقمي حقيقة لكن ماذا بعد؟!.

الانفجار المعرفي

بعيداً عن الأسئلة المتواترة التي جعلتنا -كما يقول البعض- ضحايا العصر الإلكتروني، وفي المقابل يسأل -مراقبون- عن الآثار العميقة لذلك العالم الرقمي، ولاسيما في التجليات المجتمعية ومنظومة السلوك والقيم، وصولاً إلى تغير النمط الإنساني على مستوى اللغة والسلوك إلى أرقام وإشارات وإيحاءات، وكل ذلك سيعني أن عصرنا الرقمي/ الإلكتروني الذي دخلنا فيه شئنا أم أبينا، قد رسم إيقاعاً جديداً لتلك المنظومة من العلاقات الاجتماعية والتي لا تُختزل بالتأثير على أجيال المراهقين أو مفهوم الحرية الملتبس، أو الانفصال الجزئي أو التام عن الواقع، وضحاياه المثاليين الذين أصبحوا في مهبّ الاستهلاك، وغيرهم من أبطال محتملين يقبعون في العوالم السوداء المغلقة التي تدير هذا العالم وتتحكم فيه على غير مستوى، إذ إن المسألة لم تعد في تعاظم المخاوف من استخدام هذه التقنيات ووفرة الدراسات والإحصائيات وبلغة الأرقام عن التحديات الذي فرضها -هذا العالم- على التصور الإنساني وتطورات الحياة المعيشية في ظل سؤال أكثر خطورة ماذا لو انتهت هذه الوسائل؟ والأدل لو أنها استبدلت بوسائل أخرى أكثر خطورةً على الأجيال والشرائح المجتمعية، ووصولاً إلى البنى المجتمعية التي لا مناص من الاعتراف بأنها تخلخلت، وأصبحت بمنزلة شظايا لذلك «الانفجار المعرفي».

الإنسان الرقمي

الإنسان الرقمي كما تشير الدراسات والأبحاث والاستبيانات والتحقيقات المستمرة: هو الشخص الذي ولد خلال فترة التكنولوجيا أو بعدها، وتفاعل مع التكنولوجيا الرقمية في سنّ مبكرة، ولديه قدر كبير من الإلمام بهذه المفاهيم بديلاً عن ذلك، وقد يطلق هذا المصطلح على الأشخاص الذين ولدوا خلال الستينيات، لكن الأمر هنا سيتبدى أبعد من صراع الأجيال وتغيّر نظم الحياة اليومية، ومن أمثلة ذلك مخاطر التقنية على الأطفال والتحذير من استغراقهم على سبيل المثال بأجهزة الهاتف المحمول، وكيف يمكن لها أن تؤثر في مستقبلهم على المستوى النفسي والسلوكي، وهذا برأي الكثير من الخبراء ما سبّب عزلة قسرية داخل العائلة ذاتها، ومنها إلى المجتمع ذاته الذي لا يتعرف على ذواته إلا في العالم الافتراضي، إلى الحدّ الذي تنفصل فيه العلاقات في العالم الواقعي، ومن التندر بمكان أن يجهر أحدهم بالقول مثلاً حين انقطاع الكهرباء: «اكتشفت أن لديّ عائلة جميلة ولطيفة»، لكن التأثير الذي سيتجاوز المراهقين وأجيال التكنولوجيا الجديدة، إلى ما تعنيه التغيرات في النمط الاجتماعي، أي ضريبة هذا العالم الرقمي في احتمالات الهشاشة الفردية والشعور بالاكتئاب والفراغ والقلق النفسي، وتجليات ذلك ستبدو واضحة لمن ولدوا في العصر الرقمي، وارتبطت حيواتهم بمعطيات التقانة المتسارعة، لكن ذلك لا يعفي المتابع من ملاحظة الاستحقاقات الكبيرة التي أفرزت سلوكاً مختلفاً لدى الأجيال قوامه الانفصال التدريجي عن الواقع، ومحاكاة تلك العوالم التي ستترك تأثيرها على خيالهم بفارق إيجابي وحيد هو أنها ستخلق تحفيزاً لأدمغتهم وأسئلتهم، لكن هذا التحفيز لن يمر من دون أثمان موضوعية تضعف علاقتهم بمحيطهم الاجتماعي، وتجعل منهم «كائنات رقمية» تتبلد مشاعرها سريعاً وتقع في ردود فعل غير محسوبة، كما يؤكد تربويون وهم يخصون بذلك المراهق وتطورات حياته.
تقول السيدة منى صالح إنها لم تستطع أن تمنع أبناءها الثلاثة بشكل قاطع من التعاطي مع هذه التكنولوجيا الرقمية، التي –مثلما تعتقد- أنها حولتهم إلى آلات، في جانبها الأول إبداعي، وهي لا تنكر أنهم متفوقون في دراستهم، وفي الجانب الثاني خشيتها من أن تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث في طبيعة سلوكهم الاجتماعي، فيتحولون إلى سلوكيات وقيم قد تأتي بردات فعل عكسية، خاصة أنها تعاملهم كأصدقاء وتمنحهم مطلق الحرية إضافة إلى ثقتها، وفي الوقت نفسه لا تنكر خشيتها من أي آثار سلبية قد يتعرضون لها أو يفهمون الحرية بشكل مختلف.

الحرية في العصر الرقمي

والأدل في هذا السياق هو أن مفهوم الحرية في العصر الرقمي قد تشظّى وتغيّر إلى مفهوم حرية فردية تبرر وتسوغ وتعلل ما هو غير واقعي بعيداً عن مفهوم الالتزام، أو حتى ليصبح مفهوم الالتزام بذاته يعني حرية الأشخاص من دون رقابة ومعيار، إذ إنه من السهل هنا أن تتبدى لنا في ظل هذا المفهوم كيف تُستدخل الأفكار والتصورات والمفاهيم، وكيف يصبح الغزو الفكري حقيقة واقعة لا محض فرضية تُقال!.

أنا حرٌّ إذن أنا موجود

على سبيل المثال فالشرائح الجامعية في اتصالها بالتقنيات الحديثة ومنهم طلاب الإعلام، لا ينكرون آثار هذه التقنية والتعامل معها بالمعنى الإيجابي، لكن فضولهم يزداد شغفاً بالاكتشاف، وندرة منهم من تفكر جدياً بتوظيف هذه الوسائل في الاتجاه الصحيح، ولا يخفي آخرون منهم تجليات هذه التقنية على الواقع السوري، خصوصاً زمن الحرب وكيف أصبح الإنسان السوري واقعاً تحت تأثيرها السلبي مع محاولته تعليل ذلك حينما يقف على رأي الاختصاصيين، تقول الطالبة ميسم جابر (الطالبة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية- قسم التاريخ): لا يمكننا أن ننكر ما تحدثه هذه الفورة التقنية من تأثير مضاعف في وعي أجيالنا، من دون أن تنكر فائدتها على الأقل، لكن التحدي الأكبر كما تراه هو في الأفكار التي يبثها هذا العالم الرقمي التي تخضع عادة للرقابة، فتتسرب إلى وعي أولئك الأجيال كأنها حقيقة ومثال ذلك مفهوم الحرية، والبدائل الواهية للتعلم والثقافة. ويخالفها الرأي الطالب نضال عباس من كلية الإعلام بالقول: إن مخاطر تأثير عالم الرقميات لا تعدّ ولا تُحصى، والإنسان الحقيقي هو الذي يتعامل معها بذكاء وحذر لأنها بالفعل لا تخضع لأي رقابة، ولا ينكر عباس ما لهذا العالم من فوائد في إغناء معرفتنا والجزم أحياناً بالحقائق الآنية والتاريخية التي نسعى إلى التحقق منها وتأكيدها.

الدراما والعصر الرقمي

هذا السياق الذي يأخذنا إلى تفحص الأعمال الدرامية التي بُثت الكثير من الرسائل عبرها، وأخطرها على الإطلاق ما فرض أسئلة عبر الثقافة الدرامية من مثل: هل تصبح الخيانة وجهة نظر؟ وأمثلة ذلك في العديد من الأعمال الدرامية المشتركة، والتي تفاوتت وجهات النظر حولها، بما يعني تشظي مفهوم الحرية الفردية، ليتم بث الأفكار بوصفها وجهات نظر قابلة للتحقق أو الاختبار في مساحات مجتمعية تتأثر بثقافة الصورة ومحمولها الدلالي، ما يفسر راهناً ذلك القلق المُصاحب لتلك الأعمال خاصةً ذات التكلفة الإنتاجية العالية، على حساب قيمٍ بعينها.

أسئلة لا إجابات!

والحال أننا إذا استطعنا أن نمتلك الأسئلة الواضحة بصدد التحديات الكبيرة التي فرضها العالَم الرقمي، إلا أن الأجوبة المحتملة هي برهان الوعي الفاحص والخبرات الاجتماعية الجديدة، التي يمليها هذا العالَم الذي يسعى إلى جسر الهوة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، ومن الطرافة بمكان أن يقول كثيرون: أصبح العالم الواقعي هو العالم الافتراضي بامتياز، لأنه في حقيقة الأمر يلتقي الناس في العالم الافتراضي ويتبادلون الأفكار، والأخطر هنا قوة هذه الأفكار على التأثير في الأنساق الاجتماعية وسطوة وجهات النظر التي تستدخل مفاهيم وتخلع غيرها.

انعكاس على التربية والسلوك

تقول د. آداب إبراهيم عبد الهادي- المختصة بالصحة النفسية: إن التطور التكنولوجي الهائل الذي يغزو كافة المجتمعات لا يؤثر في السلوك الإنساني فقط بل يغيّره، وبالتالي يغيّر معه القيم التي تبناها الشخص على اعتبار أن القيم هي التي تحدّد ماهية الشخصية، وبما أن القيم متحولة وليست ثابتة فهي بطبيعة الحال متغيرة، وقد يكون هذا التغير إيجابياً أو سلبياً حسب المعطيات المؤثرة في السلوك، وتعتبر القيم الاجتماعية والتربوية الأساس في تكوين الشخصية، وفي قوة الدافعية عند الفرد لسعيه نحو تحقيق ذاته وتطويرها والبحث عن أهدافه وتحقيقها.
وتضيف د. آداب: وبغضَ النظر عن الأهمية والفوائد الجمّة للتكنولوجيا الحديثة وإغراءاتها الكبيرة، لابد من الوقوف عند الجوانب السلبية وعلى رأسها قلب أنماط التفكير وتغيير السلوك، وبالتالي تغيّر المنظومة القيمية عند الفرد، إذا كانت فئة الشباب المكوّنة من أمهات وآباء هي الأكثر إدماناً وتأثراً وتعاطياً مع هذه التكنولوجيا، وإذا كانت هذه الفئة قد وقعت في فخ هذه الفورة فلا شك أن هذا سينعكس سلباً على أطفالهم، ولاسيما أن معظم الأمهات والآباء يمتلكون حسابات على تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا الاختراق الخطير، الذي عجزت الأسرة عن مواجهته، أدى إلى خلق نوع من العزلة والذاتية والأنانية داخل الأسرة، والتخلي عن بعض القيم التي كانت سائدة حتى نهاية القرن الماضي.
ولا تنكر د. آداب عبد الهادي الآثار السلبية على القيم الثقافية والتربوية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، لتتلاشى بعض القيم وتحلّ معها قيم جديدة غريبة عن الواقع العربي، قيم في الطعام والشراب واللباس واللغة والحوار والعمل واحترام الوقت والذوق العام والعادات والتقاليد والصداقة والبيع والشراء، وأيضاً نشوء سلوكيات خطرة عند المراهقين، كتقلبات المزاج وتناقص ساعات النوم والتدخين وتعاطي المخدرات والعنف والعدوانية والكسل وانخفاض مستوى الدافعية والتراجع الدراسي وأيضاً انخفاض تقدير المعلم والتعليم والتخلي عن بعض الألعاب ونشوء طرق جديدة في اللعب.

المسؤولية مشتركة

لو أردنا أن نطرح أسئلة لتفسير الآثار السلبية لظاهرة الإنسان الرقمي ودراستها ومعالجتها سنتساءل على عاتق من تقع المسؤولية في ظل ما تحدثه التكنولوجيا من تغيرات في الثقافة والسلوك والوعي؟! هي إذن برسم الوجدان الجمعي والثقافي، وصولاً إلى المؤسسات الثقافية والتربوية المعنية بإعادة الاستثمار بالإنسان، حتى يستطيع الانفتاح على العالم بوعي صحيح، والامتثال لخصوصيته المبدعة وشراكته المجتمعية الحقيقية، لأن ذلك سيعني نهضة مجتمع جديد لا يظل في مهب العولمة والتغيرات الكبرى التي تحدث على مستوى العالم، وضحيتها المثالية هي الإنسان إرثاً وتاريخاً ومكونات ثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock