الأخبار المحليةبالفيديو

اختزال لآلام سنوات الحرب.. دمشق القديمة تحتضن معرض “كان يا مكان.. شباك”

جهينة- عمر جمعة

برعاية وزارة الثقافة وشركة سيريتل افتُتح قبل أيام في دمشق القديمة معرض “كان يا مكان.. شباك” بمشاركة ستة عشر فناناً وفنانة من خريجي كلية الفنون الجميلة بأقسامها المختلفة، وذلك في غاليري سامر قزح والحارات المؤدية إليه والبيوت العتيقة المحيطة به والصاعدة إلى طالع الفضة، في تجربة فريدة لفن التجهيز في الفراغ كواحدٍ من الخيارات البصرية المعاصرة، الحداثوية أو الجديدة، التي تعرّف إليها مؤخراً متابعو الحركة الفنية والتشكيلية في سورية، وفيها اختزال لآلام سنوات الحرب، وأحلام مشتهاة لا بد أن تتحقق.

حلم مؤجل

عن هذا الحلم المؤجّل والمشتهى الذي كان من المقرّر أن يتحقق، ويقام في عام 2011 تحت جسر السيد الرئيس وسط العاصمة دمشق، تقول الدكتورة بثينة علي أستاذة الرسم والتصوير في جامعة دمشق والتي أطلقت الفكرة قبل سنوات وأشرفت على تنفيذها اليوم: “أحلم دائماً بأن أزيّن مدينتي.. 2010 كان القرار ليُعرض العمل (شباك) في 2011.. لكن، كان ما كان، وشاءَ من شاء.. مكانٌ جميلٌ يعكسُ روح المدينة بكلّ مفرداتها، مكانٌ هو المدينة.. قلبها، 2022 دمشق”.

وتضيف د. علي: “أنتِ هنا.. وستبقين. سأزيّنك من جديد، لكن بمفردات أجمل، تليق بكِ. إنهم هنا.. إنهم أولادك، يدايَ أصبحتا ثلاثين يداً، يرسمون أحلامكِ من أحلامهم، يصيغونَ مفرداتك بتشكيل جميل، لتحضنيها بشوارعك وبيوتك التي تشبهكِ. استقبلينا كما كنتِ دائماً.. استقبلينا بحضن دافئ، فإننا دائماً نحبك.. كنا وسنكون”.

آلاف الحكايات

في الطريق الطويل المرصوف بالحجر الأسود، والذي يوصلك من الباب الشرقي لدمشق باتجاه الكنيسة المريمية، حيث المحال المزيّنة بكل ما هو تراثي وعريق يؤكد هوية المدينة القديمة، ستستوقفك جمهرة من الشبان والصبايا، الرجال والنساء، كباراً وصغاراً، وهم يلجون حارة المشربية وعيونهم معلقة بتجهيزات فنية، مكوّنها الأساسي أكثر من خمسة عشر ألف حمامة، موزعة في أكثر من ركن، بعضها أسود والآخر أبيض، وإضاءة تارة تكشفُ كل شيء وأخرى تنوسُ حتى تغرق في الظلام والعتمة، وعناوين مرفوعة بوعي وإتقان، لتواجهك عشرات الأسئلة عن معنى ورسالة استثمار هذا الفراغ، ولاسيما حين تقتربُ أكثر وتصبح على تماسٍ مع هذا المشهد الغرائبي، وكيف تغدو الحمامات أسيرة الأقفاص الحديدية أو الزجاجية أو تلك المشكّلة من الورق المقوى، وتغزو روحك الدهشة والحيرة أكثر وأنت ترى مئات الحمامات تطير، تحوم وتدور عالياً، تحمل رسائل معلقة في الفراغ، أو ترتقي برأس مرفوع تماماً كما الشهداء، أو تستعيد من صمتها وصوتها حشد ذكرياتك التي أوجعتها سنوات الحرب بعد أن تطاولت واستنزفت من أرواحنا كلّ الفرح الذي كانت تعيشه دمشق والمدن السورية قبل هذه الفاجعة الموجعة، ولترسو بك مراكب الترقب والتوقع، وتأويل مقولة المعرض بأن السلام الذي غدت الحمامات بمختلف تشكيلاتها رمزاً له سيعود إلى المدينة الجريحة، وقد آن أوان قيامتها وانتصارها.. إنها جميعاً، وباختصار شديد، آلاف الحكايات التي عاشها السوريون وأراد الفنانون المشاركون نقلها عبر هذه التشكيلات الاحترافية المعبّرة، ورسائل محتشدة يفسّرها كل واحد منا كما يحلم أو يتمنى!.

عناوين تحاصر الفراغ!

ولو شئنا الإبحار أكثر سنقول إن العناوين التي اختارها المشاركون للتعبير عن مواهبهم ورؤاهم وأحلامهم، وهي كثيرة وكبيرة جداً، وأرادوا تقديمها للمشاهد أو الزائر أو المتلقي عبر أهم وأحدث الفنون البصرية، أي فنّ التجهيز، إنما سعوا فيها إلى محاصرة الفراغ الذي غزا أرواحنا خلال سنوات الحرب.

ففي عنوان “شباك.. (خارج المصنّف)” تقول د. بثينة علي مشرفة المعرض: “لم أكن أنتظر ما يحدث اليوم، كان حلمي أصغر، بعد 11 سنة حرب.. أحلامي، أحلامهم، أحلامها، أصبحت أكبر بكثير. أفتح مصنّفي من جديد، أُخرج منه أوراقاً ومخططات قديمة، لتبني أحلاماً جديدة، أكبر من حلمي بكثير. شكراً لكل من أحب الفن، فهو هواء مدينتي”.

وفي عنوان “حلم.. (تجهيز صوتي)” تقول الفنانة آلاء حبوس: “حلمي حمامة بيضاء تطير في السماء، تحمل السلام، تحوّلت إلى حطام!، سأسير على حطامها علّي أستمر. عشر سنوات وأنا أسير.. وأسير، لا أسمع سوى أصوات تحطمها بتفجيرات مختلفة، لا أسمع سوى صدى خطواتي على بقاياها، إنها تمزقني، إنها ندوبي، سأحلم من جديد.. علّي أخفيها عن قلبي”.

أما الفنان بيير حاماتي فيقول في عنوانه “العشاء السريّ”: “سألت نفسي: ماذا فقدتُ في سنوات الحرب؟.. الحب؟ الرغبة؟ الإيمان أم الأمان؟. جوابي كان غالباً: نعم”.

ويضيف متسائلاً: “ماذا عن أسرار الحياة؟ أما زالت كما هي؟ ماء، كهرباء، طعام. سألتُ من حولي رأيهم، سمعتُ أصواتهم، كتبتُ أفكارهم، شعرتُ بها. كانت متشابهة وكأننا على طاولة واحدة، نتشارك الطعام نفسه، أطباقنا هي حاجاتنا.. لكنها أصبحت فارغة. كالطيور تأتي، تأخذ طعامها وترحل، أهكذا تذهب منا أشياؤنا أم أنها تُسلب؟. أدركتُ أن يسوع المسيح في عشائه الأخير علّمنا قدسية الأشياء. طعامنا، حاجاتنا، أحلامنا.. وحقوقنا لم تعد بتلك القدسية”.

وعلى نحو مختلف ومغاير، يتساءل الفنان حمود رضوان تحت عنوان “في تلاشٍ مستمر (تجهيز فيديو)”: “ماذا لو استمرّ التلاشي؟!.. هل سنرى المزيد من اللا شيء بعد سنوات هذه الحرب؟”، مضيفاً: “كان الجامع الأموي مملوءاً بالحمام، تلاشى عددها.. كذلك نحن في تلاشٍ مستمر!. اثنتا عشرة سنة، اثنتا عشرة شاشة بيضاء تتأرجح في الهواء محمّلة بصور من كانوا هنا ورحلوا..”.

وفي عنوانها “كاروسيل” تقول الفنانة زينة طيارة: “روح جندي رحل تختار جسد حمامة بيضاء تسكنها لتحملها إلى جنته. كاروسيل (دوامة) تدور وتدور على صدى أنغام حزينة.. سعيدة. وبين الحمامة والدوامة أرواح الجنود تدور حولنا من جنتهم.. كذلك يدور الزمن”.

أما الفنان كريم الخياط فيقول في عنوانه “يوميات قذيفة هاون (نحت)”: “صوت انفجار.. حالة ذعر، وأسئلة كثيرة.. أصبحت جزءاً من حديثنا اليومي. طريق العمل، المدرسة، الجامعة.. لعبة قمار بتفاصيل مختلفة، صوت.. فخسارة.. عامود نار في مكان ما، دماء، أشلاء، ضحايا، فأنقاض. ومن وسط الموت يتنفس أحدهم من جديد. فترة كانت صعبة جداً، أنستنا إياها صعوبات الحياة، لكن الخسارات تحيي ذكراها كل يوم”.

ويتساءل الفنان مهند السريع في عنوانه “كشّة (تجهيز خارجي)”: “لو عكسنا الصورة ورأينا ما يراه الحمام، هل ستسمع هذه الضوضاء؟.. هل سترى الخراب؟.. إنه ألم وألم ومعاناة. نظرت عن كثب مرة أخرى، ماذا رأيت؟. بصري ضعيف، لا أستطيع أن أرى سوى المعاناة. الحمام يحوم ويحوم، هل ستأتي علامة السلام إلى هذه المدينة الرمادية التي تفوح منها رائحة الألم؟”.

فيما تقول الفنانة جلنار الصريخي في عنوانها “عجز (تجهيز داخلي)”: “في هذا العمل، أنا وأنتَ نسأل عن الغاية منه، أنا أردتُ أن أرى خوفي، جميل رغم قباحته، موجود فحسب. هو واقعنا المقلوب، عجزنا فيه آتٍ من الخوف، من الألم، من التعب”. وتضيف: “هنا.. أن تشعر بالخوف يعني أن تستيقظ لترى نفسك. أنت لست أعمى، يمكنك أن ترى!. أنت ليس ميتاً، أنت مكبّل فقط!. أنت الحمامة، أنت طريدة هذا الصيد الجائر”.

وبالقدر نفسه من العمق ستطالعنا عناوين الفنانين الآخرين وقد أبدعوا فيها أيضاً وهم: أنوار الأخضر، جمانة مرتضى، جوان شعبو، دانا سلامة، رنيم اللحام، حسن الماغوط، زينة تعتوع، ليلاس الملا، مهند البيك.

لقد أجاد الفنانون المشاركون جميعاً، وفق رؤية كلّ منهم، في نقل حكاياتنا وأحلامنا، رغم ألم استعادتها، من خلال رمزية الحمامة، وبرعوا كثيراً في إشغال الفراغ بتجهيزاتهم التي تبشّر بمستقبل واعد مشرق لهذا الفن الخلاق الذي تعدّ مشرفة المعرض الدكتورة بثينة علي إحدى علاماته وتجلياته المعوّل عليها كثيراً في تقديم رؤى وإبداعات مختلفة مغايرة تؤكد ريادة سورية في تعميم الإبداع وجمالياته التي لا تقف عند حدود.

يُذكر أن معرض “كان يا مكان.. شبّاك” الذي افتتح في الثلاثين من آذار مستمر حتى الخامس عشر من نيسان الجاري بين الساعة 12 ظهراً و10 مساءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى