آخر الأخبارأبواب المجلة الورقيةثقافة وفنون

أول شابة سوريّة تقود طائرة بشكل منفرد، مايا غزال..من حلم الدبلوماسية إلى هندسة الطيران

جهينة– أحمد علي هلال:

كان تحليقها خارج سماء الوطن لتذهب إلى الاغتراب القسري فرصةً لتمتحن قدرتها على اختزان صورة الوطن، ولتبدو بذاتها وطناً مسافراً في فضاءات أخرى، ورغم حداثة عمرها إلا أنها برعت في دراسة هندسة الطيران في إحدى جامعات بريطانيا حينما غادرت وطنها سورية عام 2015. اعتادت مايا غزال كل صباح الذهاب إلى مدرستها في وطنها الأم وكان حلمها بأن تصبح دبلوماسيةً في المستقبل، لكنّ حدثاً ما حملها على مغادرة وطنها دون أن يغادرها وطنها، كان ثمة صاروخ قد سقط بالقرب من طريق ذهابها إلى المدرسة ليقرّر الأب حمل أولاده والذهاب إلى دول المغتربات، وفي السادسة عشرة من عمرها لم يكن من السهل عليها إيجاد مدرسة تقبلها هناك، ما جعلها تشغل وقتها بتعلّم العزف على الغيتار ثم تستأنف دراستها من جديد في إحدى المدارس، وحدث أن كانت مع والدتها بالقرب من مطار هيثرو في بريطانيا ليبدأ الحلم بالتشكل أمام ناظريها وهي تراقب الطائرات تحلّق وتهبط، كان ذلك بمثابة حافز بصري استدعى منها أن تضاعف حلمها لتصبح رائدة طيران.

أول رحلة طيران

جاءت خطوتها على طريق حلمها في القيام بأول رحلة طيران فردية لها كطيار متدرب، وكان عليها أن تُظهر للعالم ما الذي يمكن للاجئين فعله وتحقيقه لو أنه أُتيحت لهم الفرصة فقط، فالحصول على رخصة طيار كان بالنسبة لها ينطوي على المزيد من التحديات واقتناص الفرص، بل إقناع الآخرين بأنها تمتلك من الإمكانيات ما يجعلها تذهب إلى ترجمة حلمها العتيد لتجري أولى رحلاتها الجوية المنفردة في مطار غرب لندن مؤكدةً حقيقة أن اللجوء ليس نهايةً للعالم.

رغم الصعوبات

تقول مايا: إن الأمر كان صعباً جداً بالنسبة لها، بل كان بمثابة استحقاق لثقتها بنفسها، الأمر الذي حملها على تحدي الصورة النمطية حول الفتيات اللاجئات وأدوارهن في بلاد الاغتراب، فذات يوم اضطرت لمغادرة دمشق تاركةً وراءها خططها وأحلامها سوى حلمٍ واحد هو دراسة هندسة الطيران بجامعة «برونيل» لتصبح أول سورية لاجئة تقود طائرة، وهذا الحلم الذي لم يأتِ من فراغ ولم يكن مجرد أحلام عابرة داعبت خيال تلك الصبية العشرينية التي ستصبح حكايتها أنموذجاً عن قهر الصعاب والتحدي، بل الأدل في ذلك السياق أنها ستصبح حكايةً ملهمةً عن النساء السوريات اللواتي جعلن من حضورهن دالاً وفاعلاً وأكثر قدرةً على إنجاز الأحلام، من دون أن يعني ذلك أن تلك التجارب مرّت بسهولة ويسر.

الاستثمار في الإمكانات

كان عام 2019 المنصرم ذا معنى عميق بالنسبة لمايا غزال، إذ ألقت فيه خطاباً مؤثراً دحضت فيه الصورة النمطية عن النساء السوريات، بل ذهبت إلى اجتراح الحلول لفهم قضية اللاجئين بشكل أفضل ولماذا يجب علينا الاستثمار في إمكاناتهم غير المحدودة، فإذا كانت رسالة اللاجئين تفضي بأن يكونوا ترجمان أحلامهم أبعد من مجرد تغيير صورة نمطية مازالت تحتل أنساق التفكير الآخر، فقد انطوت رسالة مايا غزال -بهذا المعنى- ليس على تحرير تلك الصورة وتركيزها في وعي الغرب فقط، بل بما تضمنته من قدرة السوريين بجميع شرائحهم ومستوياتهم على أن يحلّقوا بأحلامهم عالياً، وأن يظلّ الوطن بالنسبة لهم ذلك الفضاء الواسع الذي سيعودون إليه أكثر قدرةً على الإنجاز والعطاء، فتغيير صورة اللاجئين أكثر من مسألة أخلاقية بل هي في المجال المعرفي الذي توزّعت نماذجه على غير مستوى من مستويات الإبداع العلمي والتقني والإنساني، وذلك ما يحمل ثقافة الحياة والإبداع وتجذيرها في الوعي الآخر، بما يعني بشكل أوسع مفهوم الرسالة التي يحملها المغتربون، والتي تعني في دلالتها الأكثر جديةً تلك الدينامية في فكرهم ووعيهم في مجتمعات لا تعرفهم حق المعرفة، ومازالت تنظر إليهم كلاجئين وحسب.

رسالة مايا غزال

لعلها تتقاطع مع ما ينجزه كثيرون في عالم الاغتراب، أولئك الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة أوطانهم، قصص تتواتر بعلامات الإنجاز وتكريس صورة أخرى لم تألفها تلك المجتمعات، بل انفتحت عليها لتلتقط إيراداتٍ واعيةً زمن الحروب بوسعها أن تفعل الكثير مما اختزنته من طاقات من شأنها أن تجعل من الحلم حقيقةً، وذلك انسجاماً مع ما يشكله السوريون المغتربون في الخارج كما يقال «جمهورية ثانية» بالنظر إلى العدد الكبير المنتشر منهم على وجه الخصوص في أوروبا والأمريكتين، ورغم عدم وجود أعداد دقيقة للمغتربين السوريين فإن عددهم يعادل تقريباً 75% من عدد سكان الوطن، إذ بدأت الهجرات إلى شتى بقاع الأرض رسمياً منذ عام 1820 بعد الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها بلاد الشام أثناء الحكم العثماني، بداية إلى أميركا الجنوبية وبعض الدول العربية، واستقروا هناك واندمجوا مع المجتمع المهاجر، وفي عام 1900 ومع ازدياد الأزمات الاقتصادية هاجرت مجموعات أخرى إلى أميركا الجنوبية وأوروبا.
لكن في الحرب الكونية هذه على سورية يمكن القول إن التحديات شكلت حوافز إيجابية لتجترح قصص نجاح في المغتربات تكاد تتعدى بنماذجها الواقع ذاته، إذ يبرع السوريون داخل الوطن وخارجه بمعاندة الواقع ليدفعوا ذواتهم إلى إنجاز ما يتخطاه ويعني عودة الروح إلى حيواتهم، ففائض الأمثلة في هذا السياق كثير كحالة مايا غزال التي قادت طائرةً بنفسها بعد تدريبٍ مضنٍ، وبذلك شكلت أنموذجها للنساء السوريات زمن الحروب، ولعلها تتقاطع فيما ينجزه جرحى الوطن في تحديهم للصعاب، ولاسيما من فقدوا أعضاءهم ليحلّقوا في فضاءاته، فيكسرون هزائم الجسد ويبقون في نسيج المآثر السورية داخل الوطن وخارجه.

سطور وعناوين:

• ولدت في مدينة دمشق عام 1998، ولم تكمل دراستها بسبب الحرب على سورية.
• انتقلت للعيش مع عائلتها في بريطانيا عام 2015.
• تمكنت من دراسة هندسة الطيران في إحدى جامعات بريطانيا، وحصلت على جائزة إرث الأميرة ديانا.
• كان خطابها المؤثر عام 2019 الذي عرضت فيه خمسة حلول لفهم قضية اللاجئيــن بشــكل أفضـــل، الأمر الذي ترك تأثيراً على مجتمعهــا الجديـد بخصـوص تغييـر النظرة للنساء السوريات المهاجرات.
• تقول مايا غزال: هناك نحو 70 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم، هم ليسوا مجرد أرقام، بل أطفال وأمهات وآباء وأحلام وطموح ومستقبل وآمال.. يدهشني كم هي مختلفة كل تجربة طائرة، ولديّ مشاعر مختلطة بشأن ذلك، ومع ذلك مثير للاهتمام جداً أن أتعلم في الوقت الحالي.. أشعر بأنني أسيطر على لحظاتي، أرتفع أعلى في طريقي لتحقيق أحلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى