آخر الأخبار

أحمد مادون..لوحة متفرّدة غابت قبل الأوان

 

جهينة- د. محمود شاهين:

في أيار عام 1983، وإثر حادث سير أليم، رحل الفنان التشكيلي السوري أحمد مادون (مواليد تدمر 1941) تاركاً تجربةً فنيّةً غنيةً ومدهشةً كانت تعِد بالمزيد من العطاءات المتفردة للحركة التشكيليّة في سوريّة لو منحته الحياة عمراً أطول. والغريب أن يأتي رحيل هذا الفنان المبدع، الذي تعلّم الفن بنفسه، عقب معرضٍ فردي أقامه في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق قبل مدةٍ قصيرةٍ من حادث السير الذي أودى بحياته، كأنه كان يشعر بهذا الرحيل المبكر، فأبى إلا أن يودّع عشّاق فنه بمعرضٍ أخير ضمّنه خمسين لوحةً غنيةً بقيم الفن واتجاهاته المختلفة، حفرتْ عميقاً في ذاكرة التصوير السوري المعاصر تيمةً من تيماته التي لن تغيب عنه، لأنّ ما قدّمه هذا الفنان من إبداعات فنيّة (رغم العمر القصير لتجربته) بزَّ فيها إبداعات الكثير من المصورين السوريين المتميزين، إن لناحية شكلها المعجون بالحداثة أو مضمونها المرتبط بحضارة بلاده العريقة.

حالة بحثٍ مدهشة

بدأ الفنان أحمد مادون تجربته الفنيّة مطالع سبعينيّات القرن الماضي بكثير من الحيويّة والنشاط والقدرة المدهشة على البحث والتجريب، والاستفادة الذكية مما تموج به الحركة الفنيّة التشكيليّة العالميّة من ألوان وأطياف واتجاهات ومدارس وأساليب وتقانات، وفي الوقت نفسه نهلَ من التراث الغني لبلاده (وتحديداً تراث مسقط رأسه تدمر) الذي درسه بعمق، ووظّف مفردات كثيرة منه في لوحات، فهذا التدمري غير الدارس للفن التشكيلي أكاديمياً، أثبت أثناء حياته القصيرة حضوراً لافتاً في الحياة التشكيليّة السوريّة، طغى فيه على حضور العديد من روادها الأكاديميين، حيث ‏اتسمت البدايات الأولى لتجربة الفنان مادون بولعٍ واضحٍ للبحث وميلٍ كبيرٍ للتجريب السريع غير المستقر أو المحدد بأطرٍ معينة، وكان الخوف من أن تتصيده إغراءات الشكل المجرّد، أو الوقوع في سحر التقانات الفنيّة الماكرة، فيغرق في تجريديّة عبثيّة باردة تضيعُ معها تجربته كما ضاعت العديد من تجارب الفنانين التشكيليين السوريين والعرب، غير أنه بثقافته الفنيّة النظريّة الواسعة، وخبراته العمليّة المتشعبة، ووعيه العميق لدور الفن الحقيقي في الحياة، حصّن تجربته، وأبقاها ضمن ضفاف الواقعيّة الواسعة اللصيقة بالحياة وتحوّلاتها الدائمة.

مرحلة النضج

في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي -أي قبل رحيله بثلاث سنوات- دخل أحمد مادون مرحلة الإدمان على الإنتاج الفني، بعد أن سكنه هاجس الفن الجميل الممهور بشفاه الواقع، والحاضن لقيمٍ فنيّة كثيرة تبدأ من تراث بلاده وحضارتها الضاربة الجذور في التاريخ الإنساني البعيد والقريب، وتنتهي بالخاصيّة التجريبيّة للحداثة الفنيّة العالميّة شديدة التحوّل والتغيّر هذه الأيام وبسرعةٍ مذهلةٍ.. فبعد مرحلةٍ خصبةٍ من البحث والاستنباط والتجريب أخذت تجربة هذا الفنان تتجذّر وتتعمّق وتنضج، مفصحةً عن هُويّة صاحبها الخاصة والمتميزة من جهة، وعاكسةً للخبرة الفنيّة الممتازة التي توصّل إليها من جهة ثانية، ما مكّنه من وضع يديه على أسرار لغة تصويريّة ممتازة تماهت فيها أطياف الحداثة بالأصالة، والمعاصرة بالتراث، لغة صار يتعامل معها بكثير من الحرية والثقة والتمكن، الأمر الذي منح تجربته الفنيّة لاحقاً سويّةً تقانيّةً وتعبيريّةً عاليةً، ووحدةً أسلوبيّةً رفيعةً وضعتها في أفق عالمي واسع ومفتوح على كل جديد متميز ومدهش.

قراءة في أعماله

في قراءةٍ متأنيةٍ للمفاصل التي تحركت فيها تجربة الفنان أحمد مادون، نجد أنه كان من الفنانين التشكيليين المُولعين بإشغال سطح لوحته بأكبر قدر ممكن من العناصر والأشكال والألوان والخطوط، لدرجة يرهق معها هذا السطح، ويُريبك قيمه التشكيليّة والتعبيريّة، ‏لكن بالمقابل كان في لوحات أخرى يقف مطولاً عند حمولات لوحته وطريقة معالجة عناصرها ومفرداتها القليلة والبسيطة، المكوّنة من هيئات نساء وحمائم ومجموعات بشريّة موزّعة بإتقان ضمن تكوينات مدروسة معالجة بألوان تنساحُ فوقها بشفافيّةٍ ورحابةٍ السهول التدمرية المستلقية عند أقدام الوهاد والتلال الصغيرة، حيث أقام الفنان مادون على تخومها مرسمه التدمري الذي لم يشهد إبداعاته إلا لشهور معدودة.‏


والشيء الآخر اللافت في تجربة الفنان الراحل أحمد مادون، هو حماسته الشديدة للقيام بتجريب تقانات التصوير كافةً ومزاوجتها بالطباعة بوساطة الخشب، إذ استخدم في إنجاز بعض أعماله الألوان المائيّة والزيتيّة و«الغواش» مازجاً في عدد منها بين فني الحفر والتصوير.. وإلى جانب اللوحة المسنديّة متكاملة العناصر والمقوّمات، قدّم أيضاً مجموعة من الدراسات الخطيّة التي قدّمته رساماً متمكناً وجريئاً، وهذا التنوع في استخدام التقانات واكبه تنوعٌ مماثلٌ في أساليب وصيغ التعبير عن موضوعات ومضامين أعماله التي ناست بين المنظر الطبيعي الخلوي والعمارة القديمة، وبين الموضوعات المركّبة من الطبيعة والإنسان، حيث حوّل المنظر الطبيعي إلى مشهد سريالي تعايش فيه الشكل المشخّص والمجرّد. وفي أعمال أخرى جمع بين صيغ فنيّة واقعيّة محوّرة أو مختزلة، وأخرى مجرّدة ضمن توليفة متوافقة ومتآلفة تعكس براعته في السيطرة على موجودات اللوحة التي كانت تنهمرُ فوق سطحها بمجرد مواجهته لسطحها الأبيض لكثرة ما تحمل ذاكرته من صور ومشاهد ومخزونات وأطروحات بصريّة مكثفة وغزيرة جمّعتها من الواقع حوله أو من اطلاعه على المعارض وموجودات المتاحف وصور الأدلة والكتب الفنيّة، ولكثرة ما اختزنته ريشته من خبرة فنيّة وتقانيّة نتيجة انكبابه الدائم على إنتاج الفن وعرضه على الناس والمختصين. ولأن هذا الفضاء النقي كان يُشكّل له «وهو الفنان العصبي الشارد المهموم المسكون بهواجس لا حصر لها» متنفساً يُصرّف به العديد من هواجسه، ووسيلةً مثاليةً يعرضُ من خلالها ثقافته النظريّة والعمليّة المتشعبة معجونةً بتداعيات خياله الخصب، فقد وجدَ في ممارسة الفن وسيلةً مثلى لتوازنه المادي والروحي. ‏

هواجس وتطلعات

من الهواجس الرئيسية التي كانت تسكنُ الفنان أحمد مادون رغبته الجامحة بإثبات وجوده كفنان عبر نصٍّ بصري تراثي معاصر جديد ومتفرّد، وهذا ما دفعه إلى تضمين أطروحاته البصريّة، القيم المعرفيّة والتقانيّة التي يمتلكها، وهي كثيرة ومتعددة الأشكال والصيغ حملت زمكانيّةً واضحةً تجسدت في حداثة الأساليب والصيغ والمعالجات التي استخدمها في إنجاز لوحاته التي أقام من خلالها علاقات عضويّة ووجدانيّة عميقة ووطيدة مع مسقط رأسه (تدمر) مدفوعاً بهاجسٍ أساس هو: تأكيد ثقافته البصريّة الحديثة المتقاطعة بشكل أساس مع تجربتي براك وبيكاسو في نصٍّ بصري جديد ومتفرد يدلُ عليه دون غيره. ‏
هذا التنوع والغنى والحيويّة في تجربة الفنان أحمد مادون، مؤشرات حقيقيّة إلى موهبته وثقافته وخبرته وامتلاكه ناصية أسرار الفن الجميل المتمثلة بالحيويّة المتدفقة والتجديد الدائم في شكل ومضمون هذا الفن «المادوني» الذي كنا ننتظر ورود المزيد من غلاله الرائعة إلى بيادر التصوير السوري المعاصر، لاسيّما أنّ هذه الموهبة المتميّزة كانت لحظة أفولها في قمة تألقها ونضجها وعطائها!. ‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى