رأي

آثار الحسكة والسطو الأميركي الفرنسي الإسرائيلي… هل تأخر بيان الجعفري لمجلس الأمن؟


في بيان أمام جلسة لمجلس الأمن بتاريخ 25/11/2020 عبر الفيديو حول الوضع في سورية، أكد مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري، “أنه -وبالتزامن مع سرقتها العلنية للنفط والغاز السوريين- قامت قوات الاحتلال الأميركي مؤخراً بالحفر والتنقيب عن الآثار في محافظة الحسكة وسرقت كميات كبيرة من الآثار والكنوز والذهب بحضور خبراء آثار فرنسيين وإسرائيليين، كما قامت بالحفر في موقع أثري في ريف مدينة المالكية بمحافظة الحسكة حيث عثرت على 12 قبراً وآثاراً تاريخية تعود إلى العهد الروماني.    

وأشار الجعفري إلى أنه يجري تهريب الآثار السورية المنهوبة، التي لا تقدر بثمن ويرجع تاريخها إلى آلاف السنين، عبر ما يسمى “كردستان العراق” وتركيا تمهيداً لنقلها إلى وجهات أخرى…”…   

عَوْدٌ على بَدْء  

  لن نطيل العودة إلى حقب سابقة لما أشار إليه الدكتور الجعفري قبل أيام، بخصوص ما يجري في حقول الآثار السورية المنتشرة في الجزيرة السورية بالآلاف، ولن نقف فحسب عند موضوع سرقة الآثار وقيمتها المادية، بل سنتحدث عن مصادرة المعطيات الأثرية ذات القيمة التاريخية الكبيرة، وعمليات توظيفها القسري في تغيير الواقع التاريخي والأثري والديموغرافي لسوريا، لتحقيق أهداف سياسية استعمارية خطيرة… فقبل الاحتلال الأميركي لأجزاء من الحسكة، ودعمه للانفصاليين الأكراد فيها، مرّ وقت طويل على أنشطة أثرية مشبوهة قامت بها على مدى سنوات بعثات أميركية وغربية متعددة، تمركز أهمها –قبل الحرب على سوريا- في تل موزان الأثري (أوركيش القديمة) برئاسة عالم الآثار الأميركي “جورجيو بوتشيلاتي”، والذي حظي بترحيب وتلميع من قبل سلطة الآثار في السنوات الماضية، وذلك من خلال شاشة الفضائية السورية، وفي أكثر من مناسبة، وبالرغم من الإشارات المتعددة إلى خطورة “بوتشيلاتي” والتحذير الذي أطلقه باحثون من خلال كتب رسمية بخصوص عمل المذكور…  

“بوتشيلاتي” وعملية اختلاق تاريخ للأكراد في الجزيرة السورية  

 أما خلاصة أعمال “بوتشيلاتي” في موقع تل موزان، فتركّزت على اختلاق تاريخ “هندو أوروبي” في الجزيرة السورية، على أنه يعود إلى “الحوريين” بدءاً من الألف الثالثة ق.م، والإيعاز للانفصاليين بربط هذا التاريخ –ودون أي دليل- بالأكراد، زعماً أن “الحوريين” و”الأكراد” “هندو أوروبيين”، وأن تل موزان/”أوركيش القديمة”، حورية/هندو أوروبية، رغم أن كتابتها المسمارية أكّادية اللغة، ورغم أن اسم “أوركيش” هو أكادي صرف…   

وإمعاناً في التحريف، ادّعى الانفصاليون أن كلمة “حوري” تعني “كردي”، بالرغم من استحالة عمليات الإبدال والقلب المكاني في اسم “حوري” ليصبح “كردي”، بالإضافة إلى عدم وجود حرف الدال في اسم “حوري”…ولكن مزاعم الباحث الأميركي جورجيو بوتشيلاتي من خلال تنقيباته في موقع تل موزان (أوركيش القديمة) بالحسكة، وجدت لها أصداء لدى القائمين على مشروع الانفصال، بعد أن حظي نشاط “بوتشيلاتي” بدعم رسمي من مسؤولين في سلطة الآثار، الأمر الذي شكّل المطلوب بالنسبة إليه، كجهة أجنبية مرتكبة لمخالفة كبيرة، على غرار الجهات التي تتعمّد تنفيذ أجنداتها مطمئنة إلى عدم وجود اعتراض من الجهات المخوّلة قانونياً، بينما تتعرّض التدخلات العلمية الفردية المعترضة إلى الطعن اللامسؤول وغير المبرر، مقابل عدم اتخاذ أي إجراء لتدارك ما ارتكب، بالرغم من اطلاع الجهات الحكومية المعنية من ثقافية ورقابية وقضائية على التفاصيل الموثقة…  

 الحوريون سوريون وليسوا أكراداً قدماء  

أما الحوريون، فهم جزء من مكونات الهوية التاريخية للشعب السوري، وبعد دراسة آثارهم اللغوية، تبيّن أنهم كتبوا بالأكادية الدارجة في سوريا القديمة كإحدى لهجات المشرق العربي القديم، وكذلك أسماء الأعلام الخاصة بهم، فهي عربية بدليل وجود تفاسير لهذه الأسماء في اللهجات العربيات…وبالتالي فهم لا ينتمون إلى العرق الهندو أوروبي، ولا رابط بينهم وبين الأكراد المنحدرين تاريخياً من إيران، ما بين طهران وهمدان شرقاً، وزنجان وحلوان غرباً، كما لا وجود للأكراد في سوريا قبل القرن السابع عشر الميلادي، وقد اضطروا للهجرة من الهضبة الإيرانية إلى بعض البلدان ومنها سوريا بين أعوام 1508-1623م هرباً من الصفويين، أما تسمية “كردستان” فهي حديثة أطلقها الغربيون في مطلع القرن العشرين، علماً أن اللّهجات الكرديّة، والمصنّفة عالمياً باللّغات الإيرانيّة، هي أقرب إلى اللّغة الأفغانيّة (البشتو) Pashto، وتشير الدراسات إلى أن كلمة “كردي” -وجمعها “كُرد” و”أكراد”- هي كلمة عربيّة من فعل “كَرَدَ” أي: أبعد, طرد، هَجَّرَ، وقد سُمي “جبل الأكراد” في شمال غرب سوريا باسمه هذا، لأن المبعدين المكرودين العرب كانوا يلجؤون إليه، علماً أنه لا يوجد فيه أي كردي حسب مفهوم الاسم ودلالته اليوم، وبالتالي فالأكراد كُرِدوا من أراضيهم الأصلية في إيران، أي أُبعدوا، لأسباب عدة… وقد بدأت كلمة “كردي” في القرن الماضي، وحتى اليوم، تأخذ تصريفات جديدة لأغراض سياسية واجتماعية تتماشى مع القضية الكردية مثل: كورداندين (Kurdandin) أي تكريد، وكورديتي(Kurdîtî)  أي الاشتغال بالشؤون الكردية، وكورد بيرڤيري  (Kurdperwerî)  أي الوطنية الكردية.  

وللإشارة، يعترف المؤرخ الكردي “محمد أمين زكي” بصعوبة إيجاد جذر تاريخي قديم للأكراد، قائلاً: “منابع التاريخ القديم للأكراد ما تزال تخيّم عليها حُجُبٌ كثيفةٌ من الظلام الدامس”…… وبالتالي فانفصال الأكراد في دولة خاصة بهم يواجه أولاً مشكلة الجذر التاريخي، وهو الجذر الذي اشتغل عليه الأميركي بوتشيلاتي، بعيداً عن القواعد المهنية النزيهة.    

  تفاصيل خطيرة وسط صمت سلطة الآثار الرسمية  

  بتاريخ 30-12-2014، وكنموذج على الارتباط السياسي المغرض لبعض مشاريع البعثات الأثرية الأجنبية في سوريا، والجزيرة السورية بشكل خاص، بما حدث ويحدث الآن على الأرض السورية، افتتحت جمعية “سوبارتو” الانفصالية في القامشلي، والتي تضم موظفين في المديرية العامة للآثار والمتاحف، معرضاً بعنوان (انبعاث الحياة في أوركيش- تل موزان)، الذي سمّته الجمعية باسمٍ كردي هو (Girê  moza)… وقد عُرضت في المعرض لوحات جدارية باللغتين الكردية والعربية، تسرد قصة “الحوريين” وتاريخهم والتنقيب في التل وأهم المكتشفات الأثرية فيه، وجاء في تقديم المعرض أنه “بسبب الدور الكبير الذي لعبه كل من جورجيو بوتشيلاتي وزوجته مارلين بوتشيلاتي في كشف هذه المدينة الدفينة وإعادة الروح إليها، فقد تم إهداء المعرض لهما…أما بوتشيلاتي فقد وجّه كلمة شكر لجمعية سوبارتو الانفصالية، و”كل من أسهموا في إنجاح المعرض”، واصفاً إياهم بـ”الأوصياء” على هذا الموقع”… 

 

وبتاريخ 23-25/3/2017 أقامت ذات الجمعية الانفصالية –أي “سوبارتو”- معرضاً أثرياً مشبوهاً آخر حول تنقيبات “تل شعير الأثري” في الحسكة، تحت رعاية أجنبية…هذا ولم يُشر في المعرض بأية إشارة إلى سوريّةِ موقع تل شعير، الذي اعتبره المشرفون تراثاً تابعاً لـ”الشعب الكردي” يحمل اسم “تربه سبي”…

   

  إضافة هامة إلى بيان السيد الجعفري  

لقد كان من الأنجع أن يُضاف إلى بيان السيد الجعفري لمجلس الأمن، ولو متأخراً جداً، أن سلسلة مشاريع الصهيوني الأميركي “ليون جيروم ليفي” في حقول الآثار، والتي كان آخرها في عام 2010، قد ارتبط العديد منها بالجزيرة السورية، بإشراف الأميركي “جورجيو بوتشيلاتي” عرّاب مشاريع الحسكة.  

 الخارجية السورية عام 2020، والمشروع الكردي الانفصالي  

قبل أدائه اليمين الدستورية بأسبوعين، كوزير للخارجية والمغتربين، سجّل الدكتور فيصل المقداد موقفاً صارماً ضد المشروع الكردي الانفصالي التقسيمي، المدعوم من قبل الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي وأهم الدول الغربية، ووصف الدكتور مقداد الانفصاليين الأكراد، في مداخلة له بتاريخ 11/11/2020، ضمن المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين السوريين، بالخونة، كما أدان بشدة ما ارتكبته قوات الاحتلال الأميركي ضد مدينة الرقة، وأثنى مطوّلاً في إحدى جلسات المؤتمر على محاضرة السيد محافظ الحسكة، والتي قدّم فيها العديد من المعطيات والأدلّة على خطورة ارتكابات الانفصالين في المحافظة، الأمر الذي يعد موقفاً ثابتاً وجوهرياً للجمهورية العربية السورية تجاه ما يجري في الجزيرة السورية، وذلك أمام المؤتمر الدولي المذكور، والذي تعدّ المسائل الديمغرافية والجيوتاريخية والسياسية والاقتصادية، أساسية فيه في ضوء إصرار الدولة السورية على عودة كل اللاجئين السوريين إلى البلاد…أما ما جرى ويجري في الجزيرة السورية على أيدي الانفصاليين الأكراد من مثقفين وآثاريين وعصابات مسلحة، فإنما يرتبط ارتباطاً كلياً بعمليات جزّ الرأس الديمغرافي والحضاري والاقتصادي السوري الأكثر غنىً، عن جسد الدولة السورية، الأمر الذي لا بد من تداركه قدر الإمكان، وأن يكون جزءاً هاماً من برنامج عمل وزير الخارجية الجديد، بما ينطوي عليه ذلك من مقاومة تلقائية لعقوبات “قيصر” الأميركية العدوانية، والتي رُبطت –منذ البدء بتطبيقها- بتصعيد الانفصاليين الأكراد ضد الشعب السوري وحصولهم على المزيد من الدعم اللوجستي والعسكري الأميركي، بما في ذلك تسليمهم كل مفاتيح آبار النفط في الجزيرة للاتجار به وتهريبه لصالح الأميركيين، ولصالح تمويل المشروع الانفصالي، وذلك فضلاً عن تحكُّم عصابات الانفصاليين بقمح الجزيرة وسائر ثرواتها الزراعية والباطنية، التي شكّلت خسارتها أزمة كبيرة للشعب السوري.  

ومن ناحية أخرى، فإن مقاومة المشروع الكردي الانفصالي، بما سبّبه من أزمات داخلية للسوريين، إنما تُدخل الطمأنينة إلى نفوسهم، وتشد من أزرهم، وتمنحهم القدرة على المزيد من الصبر في مواجهة “قيصر” وإدراك مراميه، كما أن وضع الانفصاليين في حالة حرب شاملة مع الدولة السورية ومكونات شعبها الأصلية، يجعلهم رهائن مشروعين في مواجهة الاحتلال الأميركي، بل والمخطط الأميركي الإسرائيلي في المنطقة برمّتها، ذلك أن الورقة الكردية الانفصالية، هي الورقة التي تراهن عليها الدائرة الأميركية الاسرائيلية المشتركة لتفتيت سوريا وتقسيمها، وتسليم العنصر الكردي الانفصالي –غير الأصيل في سوريا- زمام هذا البلد، أملاً في محو هويته الحضارية وإلحاقه بقائمة البلدان العربية التابعة للغرب والصهيونية.   

الدور المطلوب من “الآثار والمتاحف” السورية  

لم يصل المشروع الكردي الانفصالي إلى وضعه الراهن في سوريا، إلا عبر خطوات طويلة كانت أولاها وأهمها على الاطلاق، خطوة سبر بعض البعثات الأجنبية للواقع الأثري والتاريخي والديمغرافي في المناطق التي استأثر بها انفصاليو الأكراد في الجزيرة والشمال السوري، ثم الخوض عملياً في حقول الآثار السورية هناك وتغيير الواقع الذي كانت عليه منذ آلاف السنين لصالح المشروع الكردي، ولعل تلك الخطوة هي ما قاد جل العمليات السياسية والعسكرية اللاحقة، بما فيها التغيير الديموغرافي، لأنها المبرر الذي قدّمه الأميركيون والصهاينة للعالم لاستقدام الآلة العسكرية الغربية والتمويل الغربي إلى المناطق المذكورة، بحجة مساعدة من يزعمون أنه “شعب كردي له تاريخ وجذور وخصوصية في الأرض السورية”، ويجب أن ينفصل بدولة خاصة به، وما إلى ذلك من المبررات العرقية والاثنية الخرقاء، والتي أفرد لها علماء الآثار الغربيين العديد من الدراسات التي ربطت قسرياً بين ماضٍ سوري لا ينتمي إليه الأكراد الحاليون، وبين حاضرٍ كردي لا يمتّ إلى الماضي السوري بصلة…وكل ذلك بموافقة وصمت الجهة التي كان بإمكانها منع حدوث ما حدث منذ البداية، وهي المديرية العامة للآثار والمتاحف، والتي لم يتوقف تنبيهها إلى خطورة الموضوع عبر سنوات طويلة.  

ولعل تدارك الخطوة الغربية الأولى التي تحدثنا عنها، يشكّل أهم الخطوات في مقاومة المشروع الكردي الانفصالي، حيث مرّت سنوات طويلة ومسؤولون في الآثار والمتاحف يضللون القناصل السوريين في الغرب، وإدارة التعاون الدولي في الخارجية السورية، وغيرها من الإدارات، بخصوص تسهيل حصول أفراد بعثات غربية معينة على تأشيرات دخول وعمل في المواقع الأثرية السورية، بالرغم من وضوح غايات تلك البعثات للكثير من الباحثين، الذين لم تلق اعتراضاتهم آذاناً صاغية، بل عوقبوا من قبل الإدارات السابقة بأشد ما يمكن وصفه من ممارسات صرف نفوذ ضدهم، مثل الصرف التعسّفي من الخدمة والإحالة -افتراءً وإفراطاً في استغلال السلطة وتضليلاً للسلطات- إلى المحاكم ذات الأمد الطويل بموجب اتهامات مبتذلة وباطلة، كشف القضاء بطلانها وكيديتها، ولكن بعد أن نالت من وقت الباحثين المستهدفين وسمعتهم ومستقبلهم، دون أي إحساس بالمسؤولية من قبل المفترين أو من قبل من يلبي رغباتهم…  

المصدر JPnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى