الأحد, 18 آب 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > وجوه الناس > ملحمة الفَقْد والضياع
ملحمة الفَقْد والضياع
تطرح رواية (النمس والأفاعي) للروائي عبد الكريم ناصيف جملة من القضايا السياسية والاجتماعية التي كانت تشغل إنسان ستينيات القرن الماضي، يتصدّرها قضية ضياع حلم الوحدة بين سورية ومصر والعراق، وتبيّن الرواية أنَّ ذلك الحلم كان سيصبح حقيقة لولا حماقة بعض رؤساء الأحزاب التي كانت تتصدر المشهد السياسي العربي في ذلك العقد. كما تطرح الرواية قضية الجحود والتنكر للمكان بكل مكوناته الطبيعية منها والبشرية، وأقدّر أننا بأمسّ الحاجة للبحث في هذه القضية بالذات علَّنا بذلك نتمكن من الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي تشغل بال كلَّ من يتابع الحرب الدائرة، ليس في سورية فحسب بل في دول ما يسمّى «الربيع العربي» منذ أكثر من سبع سنوات.
بداية يجب الإشارة إلى أنَّ الانتماء يعني بكل تأكيد علاقة الفرد الحميمة بالمكان بكل مكوناته (البيت، الحي، القرية، المدينة) طبعاً مع ساكنيه من الأهل، الأقارب، الجيران، وكذلك المكونات الطبيعية والخدمية إن وجدت وهو ما أطلق عليه باشلار (الطوبوفيليا).
وهنا يبرز سؤال يتعلق بغياب العلاقة الحميمة في بعض الأحيان بين الفرد والمكان، بمعنى آخر، من المسؤول عن قطع حبل الودّ بين الفرد والمكان الذي وُلد فيه وحبا على أرضه وقضى فيه طفولته ومراهقته وشطراً لا بأس به من شبابه على الأقل، وربما اكتهل فيه وشاخ؟.
أقدّر أنَّ الإجابة عن هذا السؤال ستكون متشعبة ومتعددة، ويمكن اختصارها بالقول: أنَّ لكل ناكرٍ وجاحدٍ أسباباً قد تكون منطقية وقد لا تكون. أما السؤال الثاني فيتعلق بإعادة وصل حبل الود بين المكان والفرد في لحظة ضعفٍ قد تكون مرضاً أو خيبةً. بمعنى آخر لماذا يُصاب البعض بداء الجحود في مرحلة قوته، ويستعيد الشوق والحنين إلى المكان بكل مكوناته في مرحلة ضعفه؟!.
ولد (نمر) بطل رواية (النمس والأفاعي) في قريةٍ يعاني سكانها من الفقر المدقع بسبب قلة الموارد، خرج منها بعد حصوله على الشهادة الثانوية ليلتحق بإحدى الكليات العسكرية وينتمي بعد ذلك إلى الحزب الناصري، ويتدرج في رتبه العسكرية ليجد نفسه أحد مرافقي جمال عبد الناصر في زمن الوحدة بين سورية ومصر، لتبدأ بعد ذلك رحلة التنكر لقريته التي وُلد فيها ولأهله وإخوته وأقرانه ولكل ما يمت لتلك القرية بأية صلة.
يتدرج (نمر) في تنكره للمكان حين يقرر التوقف عن زيارة القرية، حتى إذا علم بقدوم أمه وأبيه إلى العاصمة بحثاً عنه راح يتهرب منهما، وحين وجد نفسه في شقته أمام والديه أخرجهما من البيت وكأنهما عار ٌيجب التخلص منه قبل أن يفضح أمره، حيث يمنعهما من قضاء وقتٍ يكفي لإراحتهما من السفر الطويل فيقوم بإيصالهما إلى موقف الباصات مع بضع ليرات بالكاد تكفي لإيصالهما إلى القرية النائية، وذلك من دون أن تنفع شكوى الأب من ضيق الحال وعجزه عن تأمين حاجات أبنائه.
يتغرب (نمر) عن الوطن كما تغرب عن قريته لكن مكرهاً هذه المرة، وذلك حين يهرب من العاصمة خوفاً من إلقاء القبض عليه أسوة بغيره من الناصريين، وحين ينفتح العالم أمامه بماله ونسائه يدير ظهره لوطنه، ويتنكر له ظناً منه أنَّ أمثاله ولدوا للعالم وليس لوطنٍ يبدو على الخريطة نقطة صغيرة ليس إلا، ويغرق (نمر) في عالم المال والصفقات المشبوهة ويهدر رجولته على أسرة المتعة الرخيصة، ويصل به الأمر إلى حد المتاجرة بفحولته، ويسخر من نصيحة أصدقاء الأمس بضرورة فتح قناة اتصال مع الوطن الذي قد يحتاجه في يوم من الأيام، ويجيب: هه وبماذا يحتاج أمثالي إلى الوطن. يذكره رفاق الأمس بأهله ويخبرونه بأنهم يعانون العوز والفقر. فيرجوهم ألا يعودوا إلى الحديث عنهم أمامه مرةً أخرى لأنه نسيهم يوم خرج من القرية كما نسي الوطن يوم هرب منه.
لكن ذلك العالم الصغير الذي كان رابضاً بكل مكوناته في غياهب الذاكرة ينتفض فجأة من الأوراق القديمة كماردٍ، يحدث ذلك حين يعلم (نمر) أنَّه مصاب بمرضٍ لا أمل في شفائه، حينئذٍ فقط علم من كان يطرب للقب (النمس) أن لا أحد على الأرض أكبر من الوطن.
صار العالم الصغير حلماً بعيد المنال وأخبر (نمر) مدير أعماله بأنه يدفع من أجل تحقيقه كل ما يملك من نقود وعقارات، لكن ثمة قانوناً يحول دون السماح بدخوله إلى الوطن الصغير كي يدفن في مقبرة قريته النائية. فيجيب في سره: القانون حروف صارمة فلابد أن تجعلها النقود مرنة؟.
لم تنفع الملايين الكثيرة، وظلت حروف القانون صارمة في وجه من يهرب من أهله، ويدير ظهره لوطنه، حينئذٍ يدرك (نمر) أنه أخطأ في تنكره لأهله، وندم في لحظة لم يعد ينفع فيها الندم على تعاليه الذي جعله يرفض فتح قناة اتصال مع الوطن، لذلك يموت وحيداً في القلعة القديمة بعيداً عن الوطن الذي سخر من صغره حين كان قوياً، ودفن (نمر) في قبرٍ بارد من دون بكاء أم، ولا ترحّم أبٍ وإخوة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: