الخميس, 18 تموز 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > تشكيل > التصميم الداخلي للمطاعم.. بين الفنون المكانية والزمانية.. (إشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون)
التصميم الداخلي للمطاعم.. بين الفنون المكانية والزمانية.. (إشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون)
د. حسام دبس وزيت

إن لغة الفن التي مثلت أداة التعبير الأولى للإنسان منذ نشأته وحتى الآن، والتي تطورت بتطور هذا الإنسان وأيضاً تطور نتاجه المعرفي، لابد أنها مثلت في الوقت ذاته أداة اختبار لحواس هذا الإنسان حول ما يُحيط به من موجودات، أي إنها جسّدت عملياً لغة تواصل واتصال مع العالم الذي يعيشُ فيه، وهذا التواصل والاتصال أفردا لنا بالضرورة أنواعاً من الفنون التي تمايزت في حضورها بين الزمان والمكان، وبين الشكل والمضمون، ففنون التصوير والنحت والتصميم استمدت قيمها من البُعد المكاني للصورة والشكل الذي تتضمنه، في حين أن فنون المسرح والسينما أخذت قيمها من البُعد الزماني الذي يتجسد في تغيّر الصورة أو الشكل عبر الزمن، وبالتالي فإن الفنون المكانية ارتبطت كثيراً بالشكل ومحدداته البصرية، بينما أكدت الفنون الزمانية على المضمون كحجر أساس في منظومتها اللغوية، وفيما نُسبت الفنون التشكيلية إلى الأولى، نُسبت الفنون التعبيرية إلى الثانية، وهذا لا ينفي الحضور المشترك للقيم الزمانية والمكانية، أي تلازُم الشكل والمضمون في أنواع من تلك الفنون، وهو ما سيكون موضوعنا في عرض محتوى هذه العلاقة في التصميم والعمارة الداخلية عامةً، وفي الفراغات الداخلية للمطاعم خاصةً.
قيمٌ مضافةٌ
إن عملية التصميم ومحدداتها الوظيفية والجمَالية في الفراغات الداخلية تحتوي على عدد من الخيارات التي تتجاوز في أبعادها البنيوية محدّدي الوظيفة والجمَال ولا تنفصل عنهما في الوقت ذاته، ونقصد بهذه الخيارات مجموع القيم المضافة من ناحية المضمون لا الشكل، والمُؤدّية دورها على صعيد ترجمة القيم الفلسفية والفكرية التي تتناول آليات التعبير عن ذلك المضمون، وبالتالي تضفي بُعداً زمانياً جديداً على القيم التي يطرحها التصميم بدايةً.
كما تترجمُ الفراغات التجارية عموماً، أكثر من غيرها، ذلك التحدّي بين الشكل والمضمون، بين المكان والزمان، حيث استطاع المعمار أو المصمم الداخلي، على حدٍّ سواء، أن ينتقل بنا إلى أجواء داخلية أقرب منها إلى عالم القصص والروايات أو المسرح والسينما، أو ينقلنا في المكان والزمان إلى عالم جديد كلياً، أو يعود بذاكرتنا الحسّية إلى ماضٍ ليس ببعيد، وكل ذلك من خلال وحدة الشكل والمضمون وفي إطار صياغة الفكرة التي بإمكانها أن ترسم ذلك المشهد البصري في صورة تعبيرية جديدة كلياً.
فكرة
تشكل فكرة التصميم القاعدة الأم وحجر الأساس في رسم المشهد البصري للمكان، وتنطوي بالضرورة على بيان فلسفي يناقشُ كافة الجوانب المرتبطة بالتصميم والتي تشتمل على الوظيفة والشكل، وتشمل في الوقت ذاته آليات ترجمة المكوّن البصري والانطباع الحسّي عند مستخدم الفراغ، وبما يضمنُ الوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الفكرة، ابتداء بالمضمون وانتهاء بالشكل. وإذا ربطنا الفكرة مسبقاً بالمضمون كمحتوى أو بيان فلسفي يفسرُ الشكل أو التكوين العام من خطوط ومساحات وألوان وإضاءة وغيرها، فلا بد لنا أن نعرّف بها، ونقف على ما يمكن أن تؤديه في السياق ذاته، إذ يمكن للفكرة أن تتحكم بكل مفردة تصميمية على حدةٍ وبالتكوين الذي يؤلّف بينها جميعاً. ولسنا هنا بالطبع بصدد نشر قواعد أكاديمية تخصُّ التصميم بقدر ما نريد عملياً أن نسلّط الضوء على حضور تلك المفردات، من خلال الفكرة، في محور العلاقة بين الشكل والمضمون، حيث إن هذه المفردات أو العناصر، والطريقة التي يتم التلاعب بها من قبل المصمم بهدف ترجمة المضمون من جهة والدفع بمجمل القيم الزمانية إلى أبعد الحدود من جهة ثانية، تبرزُ بدورها كمحددات مستقلة حيناً ومدمجة حيناً آخر، وسواء تعلّق الأمر بالجانب التشكيلي أو الجانب التعبيري، فلأنواع الخطوط والمساحات والضوء واللون محدداتها الخاصة؛ البصرية والرمزية والتعبيرية.. وغيرها، والتي تتباين في قدرتها على الجذب البصري أو في إضافة رمز أو دلالة بذاتها أو في دقة التعبير عن معنى محدّد، كما أنها تقوم، حسب التكوينات التي يصغها المصمم، بإعادة إنتاج تلك المحددات في صورٍ ونماذجَ جديدةٍ.
جمَال
في إطار الحديث عن محتوى العلاقة بين الفنون المكانية والزمانية، أي بين الشكل والمضمون، وحضور كل منهما في التصميم الداخلي، لابد لنا أن نعرج على إشكالية مهمة على صعيد تلك العلاقة في مفهوم الجمَال، والتباين بين جمَال الشكل وجمَال المضمون، أي بين جمَال الشكل وجمَال التعبير، وحيث إن موضوعات الجمَال ارتبطت قديماً وحديثاً بالاتجاهات والمدارس الفنية، التي استندت في معظمها إلى الجانب الفلسفي المرتبط بتحديد ماهية الجمَال، فهل الجمَال ينبعُ من جمَال المفردات والعناصر وطريقة تناولها من المصمم أو الفنان على صعيد التكوين العام المجرد، أم إنه نابعٌ من قدرة هذه العناصر والمفردات على التعبير عن مضمون محدّد وقدرتها على إثارة المشاعر التي ترتبط بذلك المضمون، متصلةً كانت أم منفصلةً؟. هذا في الوقت الذي تباينت فيه النظريات الفلسفية التي تناولت كلا الجانبين، ويتضحُ ذلك جلياً في التباين الذي فرضته أنواع الفنون، كما ذكرنا بدايةً، بين الفنون المكانية التي ارتكزت في المقام الأول على جمَال الشكل، وبين الفنون الزمانية التي وجدت في التعبير ضالتها المنشودة.
تجربة حسِّية
إذا أردنا أن نعود أدراجنا إلى نموذجنا الأساس الذي تم اختياره لبيان تلك العلاقة، أي في الفراغات الداخلية للمطاعم، فيمكننا أن نرصد خصوصيةً ما لهذا النوع من الفراغات، فهي تشكل، إلى جانب كونها مكاناً لتناول الوجبات الخفيفة أو الدسمة، مكاناً أيضاً للتواصل الاجتماعي واللقاءات وإقامة الدعوات والحفلات والمناسبات، أو تُعدُّ مكاناً لإدارة الأعمال وإتمامها من نقاشات ومداولات وصفقات تجارية وغيرها، وهي تطبعُ الذاكرة بصورٍ من تجارب حسّية متنوعة مرتبطة بثقافة المكان الموجودة فيه، سواء على صعيد الشكل أو المضمون الذي يصبغ أو يلوّن تلك التجربة، ويزكي رائحتها. ونرصد في هذا الصدد عدداً من تلك الفراغات حول العالم، التي ترجمت بشكل أو آخر مضموناً فكرياً مميزاً طبعَ المكان بعلامات فارقة جعلته مقصداً لزوّار مدينة أو بلدة ما، وتباينت تلك الفراغات حسب الطبيعة الجغرافية أو الاجتماعية أو التقنية لثقافة المكان الذي وُجدت فيه، أو ترجمت مضموناً فكرياً متفرداً بذاته، كما ارتبط عدد منها بأماكن السياحة والاصطياف من فنادق ومنتجعات وأماكن الاستجمام.. كما نلاحظ في الوقت ذاته تمايز تلك الفراغات من ناحية ذلك المضمون الذي دفعَ به المصمم إلى حدود أقرب منها إلى الخيال والتحدّي، وخاصة في مجال ترجمة ذلك المضمون في مكوّنات معمارية تتجاوز المعايير التصميمية التي عرفناها في عمارتنا، بل مثّلت كل منها تحدّياً تصميمياً خالصاً، سواء من الناحية الإنشائية أو ناحية المواد والتقانات الجديدة وغيرها، في مسعى للتفرّد وتجاوز الحدود من أجل الدفع بالقيم التعبيرية «الزمانية» إلى أعلى مستوى لها وتحقيق أعلى درجات الإثارة والاستجابة الحسّية لدى المستخدم.
طابع
نرصدُ هنا عدداً من الفراغات الداخلية للمطاعم التي أخذت طابعاً أو مضموناً خاصاً بها، والتي عملَ فيها المصمم على إضفاء لمسةٍ تشكيليةٍ ذات صبغةٍ خاصةٍ أو موضوعٍ محدّدٍ، بحيث يشكل هذا الموضوع عنواناً لكل المفردات البصرية وتكويناتها في المشهد العام لتلك الفراغات، كما نلمسُ حضور فن التجهيز في الفراغ «الفن التركيبي» في عدد من تلك الفراغات، إذ من المهم أن نشير إلى تلازُم الجانب الموضوعي، أي المضمون، جنباً إلى جنب مع الجانب البصري، ونؤكد في هذا المجال على دور الفن التركيبي الذي حملَ هو الآخر ذلك البُعد الزماني في ترجمته للغة تعبير جديدة كلياً على صعيد الشكل الفني الذي يتم تنفيذه أو تجهيزه في الفراغ.
وسائط متعددة
في حضورٍ جديدٍ نسبياً تؤدي التقانات الحديثة دوراً لا يُستهان به على صعيد تضمين عناصر ومفردات جديدة في الفراغات الداخلية للمطاعم، وما تمثله وسائط الصوت والصورة «الملتيميديا» من محتوى رقمي يمكنه إعادة رسم المشهد والفضاء البصري العام بشكل يتماهى مع مثيله على خشبة المسرح، حيث تؤدي تلك الوسائط دورها إلى جانب المفردات والعناصر المعمارية، وبالتالي يصبح هذا الفضاء الداخلي أقرب منه إلى الفضاء المسرحي، فهذه الوسائط تلغي بشكل أو آخر الحدود بين الواقع والخيال، بحيث تُلغى الأبعاد الحقيقية «المكانية» لتحلّ محلها الأبعاد المزيفة « الزمانية».
ذاكرة
في موضوع لا يقلُّ أهميةً، لابد أن نضع في الحسبان تلك اللوحة أو الصورة الباقية في ذاكرتنا، والتي يمثّل الفراغ المعماري أرضيتها، وتتشكل عناصرها الملونة من الأحداث والمواقف التي اختبرناها في ذلك المكان، وهو ما يدفعنا للحديث عن جانب آخر من القيم الزمانية التي يسعى الكثير من المصممين إلى ترجمتها، وخاصةً في منطقتنا العربية نظراً لخصوصيتها التاريخية، حيث يعيد المصمم إنتاج فراغات داخلية لمطاعم مستوحاة من فترات زمنية ارتبطت بمحددات ثقافة وتراث البلد الموجودة فيه، وما مطاعم دمشق الياسمين وغيرها من المطاعم في العالم، المملوءة بمفردات وتزيينات زخرفية مستوحاةٍ من البيت الدمشقي، إلا أحد الأمثلة على حضور الغائب في الحاضر، وأيضاً حضور الأب في الابن، ما يدفع بالضرورة بقيم الارتباط العاطفي مع الجغرافيا والمكان إلى أبعد حدود.
أخيراً.. نعيد التأكيد على أن موضوعات الفن والتصميم لابد لها أن تتأثر بالتطور المعرفي الذي يطول حياة الإنسان في المجالات كافة، وتخضع لمجموعة من التحوّلات التي تتناول، فيما تتناول، مقوّمات ومحدّدات تلك الموضوعات، وتطرح في الوقت ذاته صياغةً جديدةً كلياً لمفهوم الفراغ الداخلي وكل ما يرتبط بوظائف ومواد وتقانات وأساليب التصميم، مع تمايز دور كل من الفنان والمعمار والمصمم. ولكن السؤال المطروح هنا هو ما مدى ملاءمة هذا المحتوى المعرفي الجديد مع محددات الثقافة المحلية؟ وهل يمكن لتلك المحددات أن تصمد في مواجهة هذا التطور، وأن تستطيع التكيف والتواؤم مع عباءةٍ جديدةٍ كلياً تحمل في الوقت ذاته مضموناً فكرياً يتصل بثقافة المكان الموجودة فيه وبعيداً عن دعوات التأصيل التي ربما غابت عنها الموضوعية في استقراء المستقبل؟!.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: