الخميس, 18 تموز 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > تشكيل > ناظم الجعفري.. فنّان العُزلة والتمرّد والغُموض
ناظم الجعفري.. فنّان العُزلة والتمرّد والغُموض
د. محمود شاهين

يُعدّ الفنان التشكيلي السوري ناظم الجعفري من المؤسّسين لحركة الفن التشكيلي السوري المعاصر، فقد اتخذ من الفن عالَماً حميماً، ومدَّ به ومن خلاله الجسور إلى حياةٍ خاصةٍ عاشها بعزلةٍ طويلةٍ مثيرةٍ للجدل، خرجَ منها إلى الناس بمعرض صغير أقامه في متحف دمشق الوطني خلال نيسان عام 2005 استمر أياماً معدودةً، دخل بعدها في عزلةٍ جديدةٍ قيل يومها إنه غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإنه باع كامل نتاجه الفني الذي تجاوز سبعة آلاف لوحة ورسمة لأحد مسوّقي الفن التشكيلي في بيروت، وكان قبل إقدامه على ذلك عرَضَ على وزير الثقافة السوري الأسبق الدكتور محمود السيد التبرّع بهذا النتاج الضخم للدولة إذا أخذ طريقه إلى متحف خاص يحمل اسمه.
مسيرة ملتبسة
تحيط بحياة الفنان ناظم الجعفري، التي عاشها بعزلة اختياريّة وغموض مثير، جملةٌ من الأسرار ظلّت حتى (اليوم) دون توضيح لملابساتها والأسباب التي كانت وراءها، ومن ثم عودته مرةً أخرى إلى حالة جديدة من العزلة والغموض والأسرار انتهت برحيله في التاسع من تموز عام 2015، أما مصير أعماله الفنيّة فلا يزال غير واضح تماماً حتى الآن، وثمّة من يقول إنها انتهت إلى مستودعات متسوّق فن لبناني قام بشرائها قبيل رحيل صاحبها بقليل.
وُلدَ الفنان الجعفري في دمشق عام 1918، وسافر على حسابه الخاص إلى القاهرة عام 1943 لدراسة فن التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة التي أنهاها عام 1947 على أيدي روّاد هذا الفن في مصر أمثال أحمد صبري ويوسف كامل، ومن ثم عملَ في تدريس مادة التربية الفنيّة في ثانويات ومعاهد دمشق، وكان الفنان السوري الوحيد بين مجموعة الفنانين التشكيليين المصريين الذين أسسوا كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1960، وكانت يومها معهداً عالياً يتبع لوزارة التربية، حيث قام بتدريس مقرر التصوير الزيتي فيها حتى ما بعد ستينيات القرن الماضي، وانسحب بعدها من التدريس والعرض وممارسة النشاطات الفنيّة المختلفة، حتى جاء معرضه عام 2005 ضامّاً شريحةً متواضعةً من إنتاجه الغزير الذي -كما صرّح لنا- تجاوز خمسة آلاف لوحة، جلّها مكرّس لموضوعات دمشق القديمة: عمارةً وناساً وطبيعةً وعادات وتقاليد وحِرفاً وصناعات تقليديّة ومظاهر شعبيّة مختلفة، وجميعها قام بإنجازها في أرض الواقع، أي من دون الاتكاء أو الاستعانة بالصور والشرائح الضوئيّة، كما يفعل أغلبية الفنانين التشكيليين حالياً.
خارج التصنيف
لا يقرُّ الفنان الجعفري بالانتماء إلى أي اتجاه أو مدرسة فنيّة، ولا يؤمن بالتجلّي الفني، مع ذلك تقدمه لوحاته فناناً كلاسيكياً واقعياً انطباعياً، ولوحته بشكل عام ثرّةُ الألوان، متوافقةٌ ومنسجمةٌ رسماً ولوناً ومضموناً، وهو متمكن من النسب الواقعيّة السليمة والصحيحة في الطبيعة والعمارة والإنسان، وتتفرد في هذا السياق لوحاته الوجهيّة (البورتريه) التي يضمّنها حالةً تعبيريّةً عميقةً، وقدرةً لافتةً على التقاط الملامح والشبه، والتعامل مع العجينة اللونيّة، حيث يبني معمار لوحته بلمسةٍ لونيّةٍ رهيفةٍ وشفيفةٍ وفائقة الانسجام، فهي مرصوفة في مكانها الصحيح وبالدرجة والإيقاع السليمين، ما ينمّ عن الموهبة الأصيلة والحقيقيّة التي يمتلكها الفنان ناظم الجعفري، والخبرة الكبيرة والعميقة التي أوت إلى أنامله، وسكنت ريشته بفعل الدراسة الأكاديميّة والانكباب المجتهد والمتواصل على ممارسة الفن الذي أصبح جزءاً من حياته اليوميّة، بل أضحى مظهراً أساسياً من مظاهرها، فقد كان يمارسه في كل وقت وكل مكان إذا ما ألحّت عليه الحالة الإبداعيّة، وتوفرت ظروف اجتراحها.
توثيق دمشق
تملّكت الفنان الجعفري قناعةٌ بأنه لا يوجد فنان في العالم قام بالتوثيق لمدينةٍ من المدن كما فعل هو مع دمشق التي سجّل معالمها التاريخيّة والأثريّة (بعضها زالَ ودخلَ في الغياب) في آلاف الدراسات واللوحات التي نفّذها بوسائط مختلفة منها: الأحبار والأحبار السائلة، الألوان الزيتيّة التي يراها أكثر ديمومةً وثباتاً من باقي التقانات اللونيّة المستخدمة في الرسم والتصوير، حيث إن هاجس التوثيق للمدن ومعالمها البارزة بالفن ومن خلاله رافَقَه في مدن زارها ومكَثَ فيها ردحاً من الزمن في كل من إيطاليا والبرازيل والولايات المتحدة، وهو لا يقوم بعملية رصد وتوثيق تسجيليّة جامدة لمعالم المدن التي يرسمها، وإنما يتعاطى معها بكثير من التوهّج والصدق والعمق الذي يتجاوز النزعة التوثيقيّة التسجيليّة إلى روح المكان، فهو يتعمّد تضمين لوحته رؤيته وموقفه مما يرسمه معجوناً بالأحاسيس التي تتملكه لحظة قيامه باجتراح فعل الفن في أرض الواقع، سواء في ذلك المشاعر التي يُولّدها معمار المكان، أو حركة الناس وأصواتهم، أو حالة الطقس أثناء الرسم.. بمعنى أنه ينفعلُ ويتفاعلُ مع الموضوع وما يحيطُ به من مؤثرات أثناء رسمه له، وينقلُ ما يتولّد عن هذه الحالة الشعوريّة إلى الخطوط والألوان وزاوية الرؤية والتكوين.
خارج التصنيفات
لا يعترفُ الفنان الجعفري بالمدارس والاتجاهات الفنيّة، ولا يصنّفُ نفسه في أيٍّ منها، ولا يقصرُ لوحته على موضوع واحد، بل يتركُ الموضوعَ يفرضُ نفسه عليه، لذلك عالجَ في أعماله الإنسان والوجه والطبيعة والطبيعة الصامتة والعمارة القديمة وغيرها من الموضوعات السائدة في فن الرسم والتصوير، واستخدم في إنجاز أعماله أغلبية تقانات الرسم والتصوير، لكنه حصَرَ أغلبها بتقنية الألوان الزيتيّة المتميزة بقدرتها على البقاء والاستمرار والصمود، خلافاً للتقانات الأخرى الأكثر تعرضاً للعطب.. واللافت أنه رغم غزارة إنتاجه فإنه لم يبعه أو يهده، ما جعل الأعمال الفنيّة التي تراكمت لديه تكفي لتغطية ثلاثة متاحف دفعةً واحدةً.
صفات ناظم الجعفري كما يحدّدها
يتحدث أغلبية زملاء الفنان الجعفري والقريبين منه عن شخصيته الملتبسة المثيرة للجدل والغامضة، فهو، كما يقولون، مصابٌ بداء العظمة والتفرّد والتفوّق، وأنه نسيجُ وحده في التشكيل السوري والعربي وحتى العالمي، وقد لمستُ شخصياً هذه النزعة لديه في حوار مطول معه بعد خروجه من عزلته التي دامت نصف قرن من الزمن، فقد أكد لي أن أهم ما يميزه هو صدقه وإخلاصه لفنه، ودقته في الرسم والتوثيق، وغوصه بعيداً فيما يرسمه للوصول إلى الجوهر الحقيقي له، وأن الجمَال بالنسبة له واحد موجود في الإنسان والطبيعة والعمارة والأشياء كافة، وهو بهذه الخاصيّة يلتقي مع الفنان الإيطالي الشهير (ليوناردو دافنشي) الذي أمضى أربع سنوات حتى أنجز لوحته المعروفة (الجوكندا) أو (الموناليزا) بشكلها النهائي، وكان شديد التوحّد معها إلى درجة أدخل إليها علم النفس وجملةً من الأسرار التي لا تزال عصيّةً عن الحل حتى وقتنا الحالي.. هذه الخصيصة (الدافنشيّة) قام الفنان الجعفري -كما يقول- بتمثلها وتحقيقها في آلاف اللوحات الوجهيّة (البورتريهات) التي نفّذها، لأنه كان يتوحد ويتماهى في موضوعه المتناول إلى أبعد حدٍّ ممكن، بحيث يتداخل كراسمٍ بالمرسوم، وما يعزز ذلك قيامه بإنجاز لوحاته مباشرةً في أرض الواقع، وأمام النموذج (الموديل)، الأمر الذي يخلق حالةً من التفاعل بينه وبين موضوعه.
ويؤكد الجعفري أن الفنان الحقيقي قادرٌ على استشراف المستقبل، فهو شخصياً استشرف حدَثَ قيام الوحدة بين مصر وسوريّة في لوحة زيتيّة قياسها 3000×200 سم أنجزها عام 1956، أي قبل قيام هذه الوحدة بسنتين، إذ إنه لا يؤمن بالمزاج أو التجلّي أو استحضار طقوس معينة لممارسة فعل الإبداع كما يفعل الآخرون، ويقوم بتوقيع لوحته مرفقاً بتاريخ الشهر والسنة لتكون مرجعاً موثقاً للأجيال وللحالة التي رصدها فيها.
المضمون وليس الشكل
يسعى الفنان الجعفري إلى رصد الجمَال الحقيقي البعيد عن القشور والتزاويق الفارغة ونقله إلى لوحته، فما يهمّه هو المضمون وليس الشكل في الإنسان، ولا يحسبُ حساباً لما تحتاجه اللوحة من وقت وجهد ومال لإنجازها، وإنما يمنحها كل ما يلزمها بعيداً عن أي نوع من التساهل أو الاستسهال، لأنه في النهاية هو من ينجز العمل الفني وهو من يشتريه، أي إن المضاربة تنتفي في هذه المعادلة، الأمر الذي يجعله يتفرغ كلياً لإخراجه بأبهى وأعمق صورة وبمواصفات فنيّة وتعبيريّة عالية.. حيث إن اللوحة عنده تبدأ بالخط (الرسم) وتنتهي باللون، والرسم أساسي فيها، وهو لا يؤمن بعزل مفهوم (الرسام) عن مفهوم (الملوّن) في شخصية الفنان التشكيلي، لأن الفنان فنان عليه أن يمتلك الناصيتين معاً، والتأكيد دائماً على المعالم والمعاني والشكل والمضمون، وهو شخصياً موجودٌ في كل لوحة أنجزها ووقّع اسمه عليها، وقد اهتدى إلى الحب والقيم الإنسانيّة الرفيعة من خلال الفن، وربما يكمن تمايزه وتفرده في هذه الخصيصة، الأمر الذي جعل من فنه حاضناً لقيمٍ متداخلةٍ، بينها الفني التعبيري والتسجيلي التوثيقي، وفي هذه المقوّمات والخصائص تحديداً تكمن أهمية الفن ووظيفته الرئيسة.

الفنان الرائد
يُصنّف الفنان الجعفري ضمن جيل الرواد الأوائل في التشكيل السوري المعاصر، إذ وهَبَ حياته للفن، وعاشه بطريقته الخاصة التي اتسمت بالعزلة والحدّة والتمرّد والتواري عن الضوء الاجتماعي والإعلامي، فهو يحمل حساسيةً ومزاجيةً عاليةً أشعرتني وأنا أحاوره في رحاب معرضه الذي أقامه عام 2005 بأنني أسيرُ في حقل ألغام!.
من جانب آخر يعدّ الفنان الجعفري من أغزر الفنانين التشكيليين السوريين إنتاجاً وإخلاصاً لهذا الإنتاج، فقد عَزِفَ عن بيع لوحاته أو إهدائها، ورفضَ طلبات تنفيذ لوحات خاصة للراغبين، كما رفضَ بيع أو إهداء اللوحات الشخصية التي كان قد نفّذها لشخصيات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة معروفة في المجتمع السوري، أضف إلى ذلك أن حياته اتسمت بالنفور والانعزال والعَنَد والعشق المُدنف للفن ولدمشق التي قام بمسح أبرز وأهم معالمها الحضاريّة والإنسانيّة بلوحةٍ نقيةٍ وجميلةٍ نفّذها على أرض الواقع.. أي إنه لم يمهّد لها بالدراسات السريعة (الاسكتشات)، وإنما قام بتنفيذها مباشرةً بالخطوط والألوان وهو في أرض الواقع.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: