الثلاثاء, 19 تشرين الثاني 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > إصدارات > موسيقا الحواس لـ. مجيب السوسي
موسيقا الحواس لـ. مجيب السوسي
الشِّعر دائماً.. الشِّعر أبداً مغامرة التخوم والأقاصي بوصفه تمريناً على الأبدية وعلى ما يصطفيه الشاعر من مرئيات يشعلُ لها قناديل حواسه، ويستقطِرُ لها منارات حدْسه، هكذا هي أفعال الشِّعر في الأزمنة المختلفة لا سيما وهي تمتحُ من الحواس كل متخيّلها النضر لكي تشتق رؤيتها، رؤية شاعر يذهب إلى حساسية الحداثة الشعرية ومآلاتها في صيرورة هواجسه الشعرية المُندغمة في متون الشِّعر ومحكياته، والذاهبة أيضاً إلى تعبيرات الرؤيا بوصفها مجدداً موقفاً من الذات والآخر والعالم، موقفاً يشي بحوارية الأجزاء والكليات، وما بينهما «من رقرقة الأحلام الملحية» حسب تعبير الروائي الراحل ادوارد خراط - صاحب هذا العنوان.
لكنّ فِعْلَ الشِّعر، بلغة مجيب السوسي، هو المتطيّر إلى الحياة وأفعالها، وإلى انتخاب لحظة ستعبرُ في متون محكيات الشِّعر لنقف على زمنها الآخر، هو الزمن الحواري للشِّعر ذاته، فمن (برقية من محمود درويش إلى شعراء العرب على أطلال المجاز)، يقول الشاعر مجيب السوسي: «إنّي رأيت حمامةً في الحلم/ تحملُ لي رسائل من/ لزوميات منبركم/ وظلَّ الصوت يخفت/ ثم.. باغتني الحَمَام... يا أيها الشعراء/ عندي للحرائق رتمُها/ لو مرَّ تالِدكُم على سجادة الآهات/ لانكشف النضار.. تعالوا كي نقيس الضوء بالشهداء/ أكبر بهرجات المزهريات المضاءة/ بالمصابيح التي تلجون بها/ أصغر من حقيبة طفلة/ صعدت إلى السموات».
ولا ينسى الشاعر أن يتنكّب وصاياه مموسقةً بُنيةً وإيقاعاً كي يضيف للرؤيا استحقاقات الحَدَث الشعري، «الحُب –يا ولدي- رياحٌ من جهنم/ جاء يلبس فضة القمصان/ يذبحُ في الصباح قبائل العشاق/ يدخلُ تحت جلدك طاغياً/ ويبيتُ بين الغيم فوق الورد/ ممتصاً جناه.. يا أيها الولد الذي علّمته الأسماء/ ثم غَوَته سنبلةٌ تذوّقها/ تخيّل أنه سيصعد في مراراتها/ فأغضبَنا.. لهذا رأينا أن يخرّ إلى ثراه». ففي كيمياء الكلمات ثمّة ما يقيم عقداً مع الجمَال، العابر للجمَال، تلك هي أغراض الشِّعر، لكنها الأكثر انفتاحاً دلالياً على استحقاق لحظته بعيداً عن ثيمة الموت، وهي المتماهية مع الشغف بالحياة: «هل ما وراء الأرض أنثى/ لا تكررُ بوحها/ ويطلُ من إشراقها/ شغفُ النهار؟.. هل في مسامات الينابيع/ التي انتبذت قصَي الطُهر أفراح البراري؟/ هل في عيونكِ -أنتِ- أسلحةٌ مناورةٌ/ تميلُ عليَّ أجنحةً/ وتخطفُ شهقتي حيناً/ وتسكنُ في زفيري مرةً أخرى/ وتلعبُ بانبهاري؟».
كما الأناشيد الطليقة المُبرَأة من الخذلان ومن تمائم المِلح ومن جوع الأزمنة، يمضي الشاعر طليقاً إلى مراياه ليقطّر لغته ويخلقَ لها أجنحةً من خيالاتٍ وثيرةٍ تَشي باللا مفكّر فيه، وتمنحُ المحلوم به سعةً من تواتر الحواس في مرايا مشهديات شعرية/ سردية يستقيمُ لها نبض القصيدة ومكوناتها الشعرية الحسّية الإدراكية، حتى نصل إلى بلاغة الحالة، بلاغة داخل النص وخارجه، أي في تلقيه الخَصب، أي بامتياز صوره –بؤره المُشعة- وهي تؤثّثُ للذاكرة، ذاكرة اليومي والعابر، ذاكرة التفاصيل، وفي شعريتها الأعلى المسكونة بقلق الشاعر النبيل نستَبِرُ تلك الأزمنة المُتماهية بنزعات إشراقية تضرجت في مُتون القصائد، وجدوى الكلام حينما يصبح في مرايا اللغة شهْدَ معنى يحيل لمعنى: «وفي مقلتيك/ تداعى الهواء المنمّق بالشِّعر/ أفلتَ منك ومنّي الكلام/ وأغضى حياءً/ كذَبْنا عليه ولم تنتبه وردةٌ في الحديقة/ أنّا عبَرْنا اللغات/ دخَلْنا بنصف هواجسنا/ في ربيع الحديث/ وكان الصدى حالةً تتربص أدغالنا.. حقول الحواس/ بدت في أقاصي الذهول مشتتةً/ أجفلت ثم أغفت بغيبوبةٍ/ صادها المشتهى».
هي «مناددات» الذات الشاعرة مَنْ تتقرّى نارها المطفأة، وتشعلُ حدسها الشّعري باسْتِعار عاطفةٍ وجنون غوايةٍ، هي غواية القصيدة التي (لا بيوتَ لها.. فهي خلف السموات حيناً وفي لحظة.. تحت تحت التراب).. هي شعريةُ حداثةٍ طازجةٍ تستمطرُ من سحائِب المعنى غيثَ الكلام، وتجهرُ بهوية شاعرٍ حسّاسٍ فائق الجمَال.

*موسيقا الحواس
*منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
*دمشق - 2018
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: