الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > زوايا > أفراح صغيرة وكبيرة
أفراح صغيرة وكبيرة
أشعرُ بالفخر بما جنيتُه من علمٍ في مدارس دمشق وجامعتها لأسبابٍ مختلفةٍ أولها: التعليم باللّسان العربي، هذا اللسان الذي صار (اليوم) عبئاً على كثيرٍ من أصحابه، فباتوا لا يعرفون حتى كيف يتكلّمون، ناهيك عن أن يتعلموا به، وثانيها: مجّانية التعليم، فلا يقف فقيرٌ طموحٌ أمام إحدى الكلّيات يتطلّع إليها بحسرةٍ، ويبقى مكسور الخاطر بقية حياته لأنه لم يستطع دخولها، أما ثالث الأسباب فهو عراقة الجامعة التي تأسّست قبل نحو قرن على أيدي مناضلين شرفاء لتعيدَ مجد القرون الغابرة.
ومع كل فرحي بالتخرّج هنا وهناك، فإنني لا أذكرُ له مَعلَماً واضحاً، إذ كان يمرُّ من غير صخبٍ، ولهذا كانت لحظات النشوة بالنصر المدرسي معدودةً.. كانت أولاها يوم سمعتُ اسمي في أثير إذاعة دمشق عام 1974 بين أوائل الشهادة الإعدادية في مدينة دمشق مما لم أفكّر فيه في حياتي. حقاً إنني وبعض الزملاء تفوّقنا في المدرسة المسترخية في أحضان غوطة دمشق، غير أنّ أحداً لم ينبهْنا إلى إمكانية أن ننافس أقوى مدارس العاصمة، إذ حدَثَ الأمر خلسةً من دون أدنى ضجيج، ولو أن أستاذاً علّمنا الكيمياء أعلن ثقته بقدرتنا، وخِلْنا أنه يمزحُ أو يبالغُ. وبعد الإعدادية دخلتُ في دُّوام التحدّي: هل أستطيع متابعة دراستي في ثانويةٍ عريقةٍ مثل ابن خلدون؟ الحقّ إنني دخلتُ إليها بما يشبه المعجزة، فحينما ذهبتُ للتسجيل رأيتُ زحمةً مريبةً، وأُخبِرتُ في (اليوم الأول) بأن المقاعد انتهت! وحينذاك احتفت ثانوية ابن خلدون (ومديرها تيسير الرفاعي) بطلابها كما يجب أن يكون الاحتفاء، حيث كانت مدرسةً متقدمةً بكل المعاني: عراقةٌ وضخامةٌ وأساتذةٌ من أرقى مستوىً، ومتابعةٌ دقيقةٌ لكل طالب واهتمامٌ غير محدود بالمتفوقين، والأهم أنه من غير تمييز، كما كانت المدرسة تقيم حفلات تخرّجٍ مهيبةً في الصفوف الانتقالية، لكنّ تخرّج طلاب الشهادة الثانوية، المرحلة الأهم، كان يمرّ بهدوء، إذ تُعقدُ الامتحانات النهائية خارج المدرسة، وتُصحّحُ على مستوى القطر كله، فتتأخر نتائجها في الصيف، وكلُّ طالب منشغلٌ في الكلية التي سيدخل إليها.
وكان أيضاً تخرّجي في كلية الطب عام 1984 صامتاً في مرحلة قاسية عصفت بسورية، إذ كنتُ قلقاً جداً من احتمال ألا أستطيع الدخول إلى فرع الاختصاص الذي أحبّه (الأطفال)، حتى إذا ما صرتُ فيه نسيتُ نهاري من ليلي حتى تخرّجي في أوائل 1988، وأيضاً من دون طبلٍ أو زمر، اللهم سوى طبل القلب الخائف على الآتي.. كنتُ كثير القلق مثل زملائي الذكور الأحدَ عشرَ ممّن تفرّقوا في بقاع القطر أو العالم بحثاً عن عملٍ يبنون فيه أنفسهم أو ابتغاء مزيدٍ من التحصيل أو التلميع الدراسي، وكذلك فعلت الإناث الإحدى عشرة اللاتي كنّ معنا.. لقد كانت تلك المرحلةُ قلقةً بالفعل، خاصةً أن أغلبنا لم يستطع الباءةَ، ولم يكن بإمكانه أن يفتحَ عيادةً على قدر طموحه.
إذاً، هكذا ألقتنا الحياةُ في بحرها اللجّي، ونحن حائرون لا نعرف أين هو شاطئ الأمان.. حقاً لقد كنا معتزّين بتربيتنا وعِلمنا، لكننا لم نكن على ثقةٍ بأننا سوف نجدّف بحريةٍ بعد سنةٍ على أكثر تقدير، حيث إن واحداً من أهم أسباب ذلك هو قلة الاحتفاء البروتوكولي، ربما بسبب كثرة الطلاب وضخامة المسؤوليات، فغدا العنبُ أهمّ من السلّة، وهذا قبِلناه مع الميزات التي تحدّثت عنها في البداية، فأنا لا أتذكرُ يوماً تباسطَ فيه معنا عميد كلية أو وكيلها أو رئيس قسمٍ أو مَنْ دونهم، ناهيك عن أن يأكل أحدهم معنا على مائدةٍ واحدةٍ ولو مرّةً يتيمةً، فذات يوم رجَونا أحد رؤساء الأقسام المهمّة أن يأخذ صورةً تذكاريةً معنا، فرفض –رحمه الله- بحجّة أنه مشغول! كانت تلك سياسةً سائدةً يصعبُ كسرُ جليدها، ولكننا لم نعدَم الصداقات الحقّة مع عددٍ من أساتذتنا الكبار.
لقد خطَرَ كل هذا على بالي وأنا أشهدُ حفلات التخرّج المهيبة لأولادي في ذات جامعةٍ خاصةٍ، وقبل ذلك تخرّجهم في إحدى المدارس في الغربة، حيث تشعر بأن حفل التخرّج المدرسي أهم حتّى من الجامعي، لكنّ فرحي الحقيقي كان وما زال مختلفاً جداً، حيث إنني أقدّر أن يأخذ أي ولدٍ علاماتٍ عاليةً، فأعدّ ذلك أمراً طبيعياً لا يليقُ تجاوزه، ولهذا فرحي مختلف.. فالمقالات الأولى التي نُشرت لي كانت أروع فرحٍ مما أحسّ به مع كل مقالٍ يُنشر حتى بعد عقود. وهكذا يفرحني فرحاً جمّاً أن ينال أحد أولادي شهادةَ أجملِ موضوع تعبير في الصف أو شهادةً في أي مجال إبداعي، فقد فرحتُ لأول وظيفة نلتُها، وفرحتُ أيضاً يوم قُبِلت استقالتي بعد عشر سنوات، وكذلك فرحتُ يوم قرّتْ عيني برؤيةِ مَنْ ستكون زوجتي، ويوم وُلد الأولاد واحداً بعد آخر سليمي الخلْقة.. أفرحُ لأشياء بسيطة مثل رغيف الخبز الساخن وزرّ الورد المتفتّح المندّى في الصباح وتغريد عصفورٍ أو مناغاة رضيعٍ، أفرحُ للصديق الصدوق الذي لا يداهنُ ولا ينافقُ، كما أفرحُ للوفاء وللقاء أساتذتنا الكبار ممن ضربوا مثلاً في التفاني، فقد فرحتُ لتخرّج ثلاثة من أولادي في احتفالات بروتوكولية مهيبة يلتصقُ الخرّيج فيها باللحظة الفارقة الكبرى، والتي تمتدّ والعمر، وهو يصافح أكبر شخصٍ مؤسّسٍ في جامعته، ويتسلّم شهادة تخرّجه منه، كما فرحتُ حينما شعرتُ بأن هناك مَنْ فرِحَ فرحاً حقيقياً لفرحنا، وحزنتُ بالمقابل، مع قلّة مناسبات الفرح، على كثيرين أبَوا أن يفتحوا الأبواب له ولو بكلمةٍ حسنةٍ مع أنه دخل إليهم من النوافذ. والحقيقة أنه لا معنى للفرح إن تعاظمت المنغّصات الشخصية والعامة.
ومع ذلك، لا يظننّ أحدٌ أنّ كلَّ كامد اللون فحمٌ، وأنّ كلّ ما يلمعُ ذهْبٌ.. إذ يبقى العنب أهم من السلّة، وتبقى الفرحة الكبرى بخلاص وطننا العزيز من أكبر كارثةٍ سوداء على مرّ التاريخ.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: