الخميس, 17 كانون الثاني 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > تشكيل > النحّات سمير رحمة: تقشّف شكلي مدروس أنيق ومعبّر
النحّات سمير رحمة: تقشّف شكلي مدروس أنيق ومعبّر
د. محمود شاهين

سمير رحمة نحّاتٌ سوري مجتهد، يعمل بكثير من الصمت والتواضع والأخلاق الرفيعة، يمتلكُ موهبةً فنيّةً حقيقيّةً نمتْ وتبلورتْ ونضجتْ وأثمرتْ بالدراسة الأكاديميّة الدنيا والعالية، وبالخبرة القادمة من التجربة العمليّة، فهذا الفنان المولود في يبرود عام 1969 حصل على درجة الإجازة بالفنون الجميلة (اختصاص نحت) من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1991، التي عملَ فيها معيداً ثم أوفد إلى القاهرة لمتابعة تخصصه العالي في مجال الخزف الفني، فحصل على الماجستير والدكتوراه من كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان بالقاهرة، وعاد لُيدرّس مادة النحت والخزف الفني في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وهو يترأس هذا القسم حالياً، وفي الوقت نفسه يديرُ محترفاً إبداعياً وتعليمياً خاصة به في مدينة جرمانا.. كما شارك رحمة في العديد من ملتقيات النحت، وقام بتنفيذ أعمال نصبيّة متعددة، وفي الوقت ذاته تنداحُ من بين أنامله أعمالٌ حجريّةٌ متميزةٌ تحملُ بأمانة شخصيته النحتيّة المتميزة القائمة على معالجة مختزلة، هندسيّة، أنيقة ومعبرة في آنٍ معاً.
منصات راسخة
تنهضُ تجربة النحّات الدكتور سمير رحمة النحتيّة والخزفيّة الفنيّة على جملةٍ من المنصات الراسخة، العمليّة والفكريّة، فهو يحرصُ على إبراز علاقة المتعة الجماليّة بالغاية في أعماله الفنيّة من خلال مفهوم واضح للفائدة، وحدود المنفعة والغاية في العمل التعبيري، ثم من خلال الغاية الإيديولوجيّة والمتعة في العمل التطبيقي وصولاً إلى إقامة علاقة بين الغاية والمتعة.
ويُثير النحات رحمة في أعماله الفنيّة جملةً من المسائل الفكريّة والتطبيقيّة، كانت ولا تزال لصيقةً بفن الخزف منذ أن وجد في حياة الإنسان للمرة الأولى، ومازالت ترافقه حتى (اليوم)، فهو فنٌ تطبيقي حرفي في الأساس أوجده الإنسان لتلبية حاجة ماديّة استعماليّة بسيطة، هي مساعدته على تأمين متطلبات الحياة اليوميّة من مآكل ومشرب، ثم تطوّر لتتماهى فيه القيمة الاستعماليّة العمليّة والقيمة الفنيّة الجماليّة والتعبيريّة بعد أن تطوّر شكله، وأوت إليه التزيينات والزخارف، ثم أصبحت تُنتجُ من الخزف أعمالٌ فنيّةٌ تعبيريّةٌ خالصةٌ كالتماثيل والتشكيلات الفراغيّة التجريديّة الحاضنة لأبحاث وتجارب وابتكارات، تندرجُ ضمن مفهوم الفن الإبداعي الحاضن لأبحاث وتجارب الفنان الخاصة، التي يتناول فيها موضوعات حياتيّة واقعيّة، وأخرى متخيّلة تتسم بنزعة ابتكار تعبيريّة خالصة، وقد وُفق النحات رحمة في رسم الصورة المقبولة والمعقولة لهذه الإشكاليّة الفنيّة، سواء في أبحاثه النظريّة أو في تجاربه العمليّة البهيّة الحضور والتعبير في الفراغ.
وحدة أسلوبيّة
تتسمُ التجربة الفنية العمليّة (النحتيّة والخزفيّة) للفنان سمير رحمة بوحدة أسلوبيّة بيّنة تقومُ على التبسيط الهندسي والاختزال الشكلي والسطوح النظيفة الخاليّة من التفاصيل والتنميق والتزويق، وتتبدى هذه الوحدة في أعماله التطبيقيّة الاستخداميّة (أباريق الشاي، الدوارق) وفي أعماله النحتيّة التعبيريّة (التماثيل الفراغيّة)، وهذه ميزة تتفردُ بها تجربته الفنية التي استفادت من اطلاعاته العميقة على الاتجاهات الأوروبيّة الحديثة في فن الخزف، وبنتْ عليها ملامحها الخاصة، لكنّ الاستفادة الأكبر التي خرجت بها تجربة الفنان رحمة كانت من احتكاكه المباشر بالتجارب النحتيّة والخزفيّة المصريّة الحديثة المعاصرة، لاسيّما تجربة أستاذه النحّات المصري الكبير فاروق إبراهيم الذي يعتبر من أهم النحّاتين الذين اشتغلوا على فن الخزف والفخّار التعبيري، ليس في مصر فحسب، بل العالم.
تبسيط مُعبّر
لقد استفاد النحّات رحمة من تجربة الفنان إبراهيم، وأخضعها للرؤى والمفاهيم نفسها، إنما بشيء من الخصوصيّة التي بدأت تتوضحُ وتتكاملُ ملامحها، مميطة اللثام عن تجربة نحتيّة وخزفيّة فنيّة سوريّة، فيها الكثير من التفرّد، سواء لناحية بنيتها الشكليّة الهندسيّة المعماريّة الراسخة الناهضة بقوة في الفراغ، أو لناحية بنيتها التعبيريّة التي تؤديها معالجةٌ مختزلةٌ ومدروسة السطوح والكتلُ المُشكلّةُ لها من واجهاتها كافة، بحيث تؤكد رسوخها واستقرارها وتوازنها وقوة حضورها وحركتها في الفراغ، وفي الوقت نفسه لا تلغي واقعيتها ونسِبَها التشريحيّة الصحيحة والسليمة، رغم حالة التبسيط والاختزال والتجريد التي أخضعها لها، بل على العكس تتأكدُ وتبرزُ وتزدادُ تعبيراً، لأنها تخلّصت من الثرثرة الشكليّة المتمثلة بالتفاصيل الصغيرة، وأصبحت ملاذاً جاذباً لخيال المتلقي وحمّالة أوجه لجماليات الجسد الإنساني المتوارية في هذه الاختصارات والاختزالات الهندسيّة المدروسة في مآلاتها الشكليّة، وحركتها وطريقة تموضعها في الكتلة النحتيّة التي تتحولُ بين يديّ النحّات رحمة إلى حاضن أمين لموهبته من جهة، ولخبراته النحتيّة التي جمعها بالدراسة والعمل من جهة أخرى، فهو مواظبٌ على إنتاج المنحوتة بشقيها: الحجري والنصُبي منذ غادر محترفات قسم النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأثناء دراسته العالية في القاهرة وما بعدها، وما زال مواظباً على اجتراح هذا الفعل الإبداعي الصعب والعذب حتى الآن.
أطروحات نحتيّة وفكريّة
بمعنى آخر، يُشكّل التقشّف الشكلي الذي يعتمده النحّات رحمة في معالجته كتله النحتيّة نوعاً من المشاغلة الممتعة لبصر المتلقي وبصيرته وملاذاً خصباً لخياله وطقساً جمالياً مثيراً، تتوارى خلف حجبه الأطروحةُ النحتيّةُ والفكريّةُ للفنان الذي بقدر ما يوغلُ في التبسيط والاختزال والتجريد الهندسي للكتلة النحتيّة بقدر ما يخلقُ فضاءات بصريّة مفتوحة أمام المتلقي تستدرجُ بصره وبصيرته نحو غِوايات اللذة الجماليّة الكامنة في كواليس هذه اللغة المجسّدة في الفراغ: كتلة منطوقة، مُتصورة، ومتكاملة الشكل والمضمون، الأمر الذي يُوجدُ حالةً تفاعليّةً عاليةً بينها وبين المتلقي الذي لا مندوحة أمامه من تلقّفها بكثير من المتعة.
ملتقى الصين
مثّل النحّات سمير رحمة سوريّة في ملتقى النحت العربي الثالث في الصين، المقام في مقاطعة ستشوان (مدينة شينغدو) خلال الشهر العاشر من العام الماضي، ونفّذ خلاله عملين فنيين بأسلوبه الواقعي الهندسي المختزل، أطلق على الأول عنوان (ثنائي) عبّر من خلاله عن روح الحضارة الصينيّة الضاربة عميقاً في التاريخ الإنساني.. هذه الحضارة التي قرأ عنها ودرّسها لطلابه في كلية الفنون الجميلة، وقد وفّر له الملتقى الاحتكاك بها ومشاهدة آثارها في أرض الواقع، فهي حضارةٌ تستعيدُ حضورها العالمي بقوةٍ وثباتٍ في وقتنا الحالي رغم صلف الغرب الأوروبي والأمريكي ومحاصرتهم لها، وقد اتخذ النحّات رحمة من موضوع ثنائية الرجل والمرأة (وهو موضوع أثير وشائع في أغلب فنون الحضارات القديمة) وسيلته للتعبير عن خصوصيّة الحضارة الصينيّة عبر جملةٍ من الرموز والمفردات المرتبطة بها، كالشمس والغيمة والملامح الإنسانيّة، وفي الوقت نفسه عكَسَ من خلالها التبادل والتمازج الثقافي القديم-الجديد القائم بين سوريّة والصين، إذ بلغَ ارتفاع العمل 65 سم، وهو مؤلف من شخصين واقفين في وضعية العناق والمجابهة، بسّط سطوحهما، ونوّع في ملامسها، وقام بتطريز بعضها برموز وإشارات مأخوذة من الحضارتين: السوريّة والصينيّة.
أما العمل الثاني فقد أطلق عليه اسم (شخصيّة عربيّة) كرّسه لإبراز قيم وملامح الشخصيّة العربيّة بشكل عام، والسوريّة بشكل خاص، لاسيّما تجلياتها في الحركة، والرصانة، وطرز الثياب، وبلغ ارتفاع العمل 60 سم، وهو مؤلف من إنسان في وضعيّة الوقوف توحي طريقة معالجة بنيته النحتيّة بأنه يرتدي عباءة، وجاء لونه (البيج) ليوحي بلون الرمل والصحراء العربيّة، ومن أجل تحريك سطوحه الواسعة وإغناء وقعها في عين المتلقي قام النحّات رحمة بالتنويع بملامس هذه السطوح وتوضّعاتها في بنية الكتلة النحتيّة، حيث آلفَ ووالفَ بين الكتل المستقيمة الصارمة وبين الدائريّة الطريّة أو شبه الحلزونيّة، وهذا التنوع أغنى العمل، وأكد حضوره البهي والمعبّر في الفراغ.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: