الخميس, 20 أيلول 2018
مجلة جهينة > تشكيل > ليـلى نصيـر.. فنّانة التّجربة المستمرّة
ليـلى نصيـر.. فنّانة التّجربة المستمرّة
جهينة- بديع منير صنيج:

رغم العكازة الخشبية التي تستند إليها الفنانة «ليلى نصير» ابنة الثمانية والسبعين عاماً أثناء تجوالها في معرض «دمشق- الكويت» الذي شاركت فيه مؤخراً ضمن صالة تجليات، أو خلال افتتاح صالة الحكمية للفنون باللاذقية، إلا أن المتابع لتجربتها يعرف أن هذه الرائدة التشكيلية لا تمتثل للزمن وإنما فقط لتجاربها الشخصية، ولمعايشتها الحثيثة لمجريات الحياة، فمنذ طفولتها الأولى (مواليد اللاذقية 1941) وتنقلها المستمر بين القرى والمدن السورية بحكم عمل والدها، اختزنت في ذاكرتها البصرية آلاف المشاهد، التي ما فتئت تعيد تصويرها على موتيفات بقلم الرصاص تأسيساً للوحة جديدة أو عمل نحتي أو مونوبرينت، فهي تشتغل وفق رؤية فلسفية يمكن اختزالها بـ«عفوية العقل الواعي»، إذ إنها لا تركن إلى قِماش لوحتها الأبيض إلا بعد التأكد من تشبعها بالموضوع، وزخم الفكرة التي تريد تصويرها، وكأنها لاتريد أن تفقد الدّسم فيما تشتغل عليه، لذا نجد أن معظم أعمالها الفنية «تعتمد على الدراسة في البدء، أي على العقل، لتنتهي إلى العفوية المموهة دون شك بالعقل»، كما أعلنت مراراً، ولهذا لا يمكن تقديم أي قراءة للوحاتها من دون الخوض في تجربتها الإنسانية، وحساسيتها تجاه ما تطرحه، وتلمُّس نُضجها الفكري والفني، خاصةً وأنها لم تكن رائدة على صعيد الفن التشكيلي النسوي في سورية فحسب، بل رائدة في ثورتها على تقاليد مجتمعها أيضاً، وهو ما أفرز تعبيرية قوية في كل ما اشتغلت عليه، باختلاف المدارس والأساليب الفنية التي اتبعتها، سواء في لوحات الوجوه أو الأجساد البشرية أو غيرها من الموضوعات.
نشأت الفنانة «نصير» في كنف عائلة مثقفة، وتربّت على أدب شكسبير وبودلير ومارك توين وطه حسين وجبران خليل جبران، حتى إنها عاشت مع أسرتها حداداً لثلاثة أيام بعد وفاة برناردشو، لكن تبقى مُرافَقَتُها للفلاحات في الريف السوري، ومشاركتهن في قطف السلبين والحشائش لسدّ رمق أولادهن، ورؤيتها لهن ولأزواجهن يفترشون البازار في القرية، أو يذهبن إلى العين ليملأن الجرار أو بغرض التنزه، وفي أوقات أخرى مشاهدتها للأطفال يبكون بعد أن أكل الجراد الأخضر واليابس، من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرتها، والتي تستعيدها مراراً، ليس لنضوب في مواردها الفنية، ولاضعفاً في المخيلة، وإنما هي التزام بالحساسية العالية التي طبعت تلك التجارب في أعماق روحها، فتلك المُشاهدات تشحن طاقتها الروحية وتجعلها قادرة على توطين الحياة، بكامل ألقها وتناقضاتها، في لوحة.
عام 1960 سافرت ابنة العشرين إلى مصر لدراسة الفنون، وكان ذلك بحدّ ذاته تمرداً على المجتمع، وتجربة جديدة أتاحت لها الاطلاع على التشكيل المصري القديم، بعد أن كانت متشبِّعة من الفن السوري قديمه وحديثه، وهو ما تركَ أثره واضحاً في مجمل أعمالها، عبر التلخيص في الخط الذي يوحي بفراغ خارجي، أو ما تحب أن تُسمِّيه «خطوطاً نحتية»، والتي على الرغم من بساطتها فإنها تمتلك قدرة تعبيرية فائقة، الأمر الذي جعلها تركع على الأرض باكية أمام لوحة «النائحات المصريات»، كأنها وجدت ضالّتها الإبداعية، إذ استمر انعكاس الفنَّين السوري والمصري القديمين في كل أعمالها، عبر التركيز على البنية الأساسية للوحة بخطوطها القوية، والاقتصاد اللوني إلى الحدّ الأدنى، وتكثيف التعبير في الوجوه، ورغم رغبتها العارمة في التخصّص بالنحت إلا أن أساتذتها المصريين نصحوها بالرسم، لما لمسوه عندها من قوة في التشكيل بقلم الرصاص واستخدام مميز للخط واللون، لكن إصرارها جعلها تشتغل على العديد من المنحوتات إلى أن كسرت عظم ترقوتها وأصابها ديسك في الرقبة منعها من ممارسة شغفها بالنحت، خاصةً وأنها تعتبر إهانةً لهذا الفن ما لم يتم التعامل فيه مع الكتل الرخامية والصخرية، لكنها كتعويض فني عن ذلك، زادت من عمق خطوطها ومتانة بنائها التشكيلي ضمن لوحاتها، مُتنقِّلةً من الواقعية إلى الواقعية الحديثة والسريالية والتعبيرية ثم أضافت إليها بعض التكوينات التجريدية، وحافظت مع كل تلك المدارس الفنية على قوة التعبير، ومن ذلك مشروع تخرجها المُنفّذ بالسكين عن البلهاء والمعوقين عقلياً الذين جمعتهم معها تجربة حياتية في أحد المراكز في ركن الدين بدمشق.
استمدت قوة تعبيريتها أيضاً من التقاطاتها المُستمرة للعُمّال والمشردين والمقهورين كباراً وصغاراً، فجاءت لوحاتها عنهم متوهّجة بتعبيرية نارية أشبه بطبعها، وبلون شعرها الأحمر، إذ كانت ومازالت ترفض الركون إلى السَّهل المُتاح، في مقابل خوض غمار تجارب جديدة، واقتحام مساحات غريبة، كزيارتها للجنوب اللبناني وتقصِّيها للدمار والموت والأحلام، والتّصدّي لرسم مذبحة «صبرا وشاتيلا»، والحرب في فيتنام، وقضايا إنسانية أخرى كالتمييز العنصري، العميان، المعوقين،.. ولعلّ أكثر ما يميزها هو الاشتغال على الوجوه الصارخة من الداخل ما شكّل أبرز سماتها الفنية إلى جانب اختزالها في الخطوط وتوشيح أعمالها بالتجريد، كأسلوبية جديدة تقودها إلى شيء من الحداثة، وهو ما تراه «نصير» في حوارنا معها تطوراً ضرورياً في مسيرتها الفنية، أوصلها إلى تعبيرية صوفية، تمزج بين عفويتها في تلقّي تأثيرات الحياة، ورؤاها الخاصة التي جعلتها في كثير من الأحيان ترسم الأساطير بنظرة حديثة، يدفعها إلى ذلك هاجس الجمع والتوفيق بين قيمتين مهمتين وضروريتين، لكل عمل فني، يطمح لإثبات حضوره على الساحتين المحليّة والعالميّة هما: الأصالة والحداثة، أو التراث والمعاصرة، فهي إلى جانب تأثُّرها بموتيفات الفنون القديمة المصرية والسورية والمكسيكية معاً، والتزامها بروح الفن الأكاديمية، سعت لإيجاد صيغة خاصة لأعمالها، سواء على صعيد التكوين أو الخط أو التلوين، متأثرةً بذلك بالفنان «محمود مختار» الذي كانت له بصمة عميقة في اتجاهاتها الفنية، ولاسيما أنها تعتبره «صلة الوصل بين الفن القديم والفن الحديث».
تأثرت الفنانة «نصير» أيضاً بفان كوخ وقبله بمودلياني ومايكل آنغلو وبوتنثللي، لكن أكثر ما يقود إلى خصوصيتها، هو نزعتها التعبيرية كاتجاه فني وصياغة بصريّة، إلى جانب تركيزها معظم الأحيان على الإنسان كموضوع ملحمي تحوّل عندها في الآونة الأخيرة إلى هاجس حقيقي تنقله إلى المتن الأبيض، مُركّزة على الأطفال المشردين ممن يجوبون الشوارع طوال النهار فيعيشون جحيماً يومياً يفيض بالفقر والعوز والألم والخوف، انقيادها ذلك يعود -حسب قولها- إلى أن «إنسان اليوم في كل مكان من العالم مُساق إلى الذبح بفعل قصور الفكر والتفكير، وهو ما دفعني إلى رفض هذا الإنسان المعاصر، عبر تصويره ضمن مشروع بصري يظهر الإنسان بجسد آدمي ورأس حيوان»، رفضٌ بإمكانك تلمُّس معالمه في رجفة الخط وتحوير التكوين البشري وحركة الريشة، والخيارات الغرائبية لبشرٍ انتزعتهم «نصير» من كهوفنا المُعاصرة، وأعادت تدويرهم تشكيلياً، بغية الانتصار للإنسان، ولو عبر لوحة، فهي منذ بداية بزوغ موهبتها في الرّسم ظلّت، في جميع الأنساق البصرية التي اشتغلت عليها، ملتزمة التزاماً كاملاً بالإنسان الذي يعارك الحياة بقساوتها اليومية، ويعاني مرارة الظروف من حوله، من دون أن يعني ذلك أنها لم تلتفت إلى النبتة والزهرة والشجرة والصبّار وأكواخ الصيادين والمحار وغيرها من المفردات البصرية، التي ظلت تتبرعم في أعماقها، لكنها تعترف بأنها لم تعش الطبيعة بمعيارها الواسع، وأنها كانت بحاجة إلى معايشة حالات متنوعة منها كي يتكامل في داخلها مفهوم اللون والحركة والفراغ والضوء، لذا نجد أنها، باستثناء بعض الأعمال القليلة، كانت تركز على العنصر البشري وانعكاس الطبيعة من حوله عليه كبؤرة مركزية تتمحور حولها بقية عناصر الحياة.
ولعلّ من التجارب التي لعبت دوراً مهماً في تشكيل خصوصيتها، هي حرمانها من نعمة الأمومة، ما جعلها تتعامل مع اللوحة أو المنحوتة كمولود خاص بها، تعيش مراحل تشكُّله ومخاضات ولادته وحدها، وهذا أبرزَ، في كثير من الأحيان، ليونةً في خطوطها، رغم قسوة الموضوع الذي تتناوله، هذا التناقض أدّى إلى خصيصة أخرى تُضاف إلى سمات فنها وعفويته وصدقه، ولاسيما أعمالها الطباعية التي تميزت بها لفترات طويلة من عمر تجربتها الفنية، التي لم تركن إلى الثّبات، بل ظلّت على الدوام رهينة التجريب في مختلف الاتجاهات، سواء في المذاهب الفنية التي بدأتها بالواقعية الكلاسيكية ومنها إلى الواقعية الحديثة فالتعبيرية والتعبيرية التجريدية والسريالية، أو باستخدامها أقلام الرصاص والباستيل والألوان الزيتية والغواش والإكرليك وسواها، أو رسمها على القُماش والخشب، واستخدامها مواد مختلفة على سطح اللوحة الواحدة، لكنها رغم ذلك تعود (اليوم)للتركيز على الرصاص الذي انطلقت منه، معللةً ذلك بأنها تحب الخط وتعتمد عليه في تحديد الكتل، وفي عملية البناء البصري على خلاف غيرها ممن يهتمون باللمسة الفنية على نحو أساسي، لكن وحسب قولها «عملية البناء هذه لم تمنعني يوماً من التمرد في تصوير أفكاري على المساحة البيضاء إذ قمت بتكسير النسب مراراً وتكراراً».
bsnaij@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: