الإثنين, 18 حزيران 2018
مجلة جهينة > لقاءات > الكاتب والناقد سعد القاسم: صورة الجندي العربي السوري هي الأكثر تأثيراً في الواقع
الكاتب والناقد سعد القاسم: صورة الجندي العربي السوري هي الأكثر تأثيراً في الواقع
جهينة - أحمد علي هلال:

تتعدّدُ مراياه كباحثٍ وناقدٍ ومهتمٍ بالفن التشكيلي ومتابعٍ حصيفٍ، وفي ذلك التعدّد ما يعني سعةً معرفيةً أكثر انفتاحاً على التجارب وعمقها الإنساني، فهو المثقفُ المسكونُ بأسئلة المعرفة ومنها السؤال الأهم حول امتلاك الفن التشكيلي العربي هويةً ثقافيةً واضحةً، وكأكاديمي ومبدع ظلّت مساهماته في فكر التشكيل والتأصيل لحركةٍ ثقافيةٍ تشكيليةٍ تجهرُ بجهودها النوعية والمعنى الثقافي الشامل.. إنه الباحث والناقد سعد القاسم الذي كان لـ«جهينة» الحوار التالي معه:
إرهاصات التأصيل للتشكيل السوري المعاصر
كيف نستطيع رسم المشهد التشكيلي في ظل المتغيرات وثمة من يقول بـ«أفول» التشكيل؟
قد تكون السِّمة المميزة للفن التشكيلي المعاصر في سورية هي تعدّدُ اتجاهاته وغِناه بالتجارب المهمة رغم عمره القصير نسبياً، فنقاد الفن ومؤرّخوه يعتبرون مطلع القرن العشرين تاريخ بداية الفن التشكيلي السوري بمفاهيمه الحديثة، وبخلاف شمال إفريقيا فإن مرحلة الانتداب الفرنسي تمثّل أول احتكاك لسورية بالغرب بعد حروب الفرنجة، وبعد أن بدأ الغرب نهضته، وكان لهذا الاحتكاك أثره في الفن التشكيلي في سورية بفعل سفر عدد من الفنانين السوريين إلى أوروبا للدراسة والاطلاع، وكذلك قدوم عدد من الفنانين الفرنسيين إلى سورية سواء كمدرسين أو جنود ضمن جيش الانتداب، حيث أدت هذه الظروف وغيرها إلى تعرّف الفنانين السوريين إلى التجارب الفنية العالمية، واتسعت دائرة المهتمين بالمدرسة الانطباعية بشكل خاص مع استمرار نمو التيار التسجيلي، وشهدت المرحلة الأخيرة من الانتداب الفرنسي بداية تكوّن الجماعات الفنية التي مهّدت بذلك لقيام المعارض الفنية للجمهور، وبدأت مع الاستقلال المرحلة الأكثر أهميةً في تاريخ الفن التشكيلي السوري، فقد تعدّدت الجمعيات التي تهتم بالفن التشكيلي، وتجلّى أول مظهر من مظاهر رعاية الدولة للحركة التشكيلية بإقامة أول معرض سنوي دوري، واستمرت الانطباعية في ازدهارها خلال الخمسينيات، لكن ظهرت إلى جانبها اتجاهات جديدةٌ لم تكن أقلّ أهمية منها حينذاك، وفي مقدمتها الاتجاه الذي قاده الفنان الراحل أدهم إسماعيل للوصول إلى فن معاصر له هويته العربية الخاصة، والاتجاه (التجريدي) وأفضل من يمثله الفنان الراحل محمود حماد الذي سعى إلى صنع لوحة تجريدية معاصرة بأسلوبٍ خاصٍ باستخدام الحرف العربي باعتباره عنصراً تشكيلياً، والاتجاه (التعبيري) الذي ينطلق من البيئة المحلية، الأرض خاصةً، ولا يزال الفنان فاتح المدرّس أهم رموزه، إضافة إلى الاتجاهات الواقعية والزخرفية والحروفية التي مثّلت مجتمعةً البداية الثانية للتشكيل السوري‏ الحديث، والتي امتدت حتى (اليوم) عبر الأجيال التالية، حيث تبددت المدارس والاتجاهات الفنية، وبات كل فنان تقريباً يملكُ اتجاهه الخاص. أما الحديث عن «أفول» التشكيل فالأمر يتطلب بحثاً ونقاشاً أوسع بكثير مما يتيحه لقاء صحفي، خاصة أنه يتفرعُ عنه كثيرٌ من الأسئلة عمّا إذا كان السؤال يقصدُ بلدنا أم العالم، أو كان مرتبطاً بآثار وتداعيات الحرب على سورية، أو بأفول أنواعٍ كالأنواع التقليدية من الفنون التشكيلية كاللوحة المحمولة والمنحوتة والمحفور، أو بأفول اتجاهاتٍ.
بين النقد والجمهور.. أية علاقة؟
ككاتب وناقد وباحث هل ثمة أزمة في نقدنا التشكيلي بمعنى غياب النصوص أو ندرتها، وهل هي ظاهرة فحسب أم إرهاصات لعودة الحياة التشكيلية كرافدٍ ثقافي ومعرفي؟
يُحمّل النقد عادةً، أو الكتابات النقدية على وجه الدقة، مسؤولية اختلال العلاقة مع الجمهور، وإن كنتُ لا أنفي، ولم أنفِ فيما سبق، دور بعض الكتابات التي قُدمت على أنها كتابات نقدية في ذلك، فإن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته مسؤولية المتلقي أيضاً، وهنا يمكن إدراج بعض الملاحظات المهمّة في هذا الإطار:
الملاحظة الأولى: تتعلق بتراجع القراءة، ومهما كانت المبررات التي تساقُ لتبرير هذا التراجع فإنها تؤكد تلك الحقيقة ولا تنفيها.
الملاحظة الثانية: تتعلق بالمستوى الثقافي، وخاصة الثقافة الفنية التي يفتقر إليها معظم الناس عندنا، ومنهم من الوسط التشكيلي ذاته، ومن دون البحث الآن في أسباب هذا الفقر الثقافي فلابدّ من التأكيد على أن ضعف الثقافة الفنية حيناً، وغيابها في أحيان كثيرة، يُفقدُ العلاقة بين الجمهور والنقد أهم ارتكازاته، ويفتحُ المجال واسعاً أمام إعلان آراء غير موضوعية وإطلاق أحكام متسرعة، وفي الوقت ذاته انتشار تلك الآراء والأحكام وتقبّلها من الجمهور، بل حتى تبنّيها ومن ثم المجاهرة بها والدفاع عنها، وقد فرضتْ بعض الكتابات ذات الطابع الأدبي حول الفن التشكيلي على الجمهور وجهةَ نظرها الخاصة، وحرمتْه من تكوين رأيه المستقل، ولكن يجب الإشارة هنا إلى أن استعداد الجمهور أصلاً لذلك هو ما أتاح لتلك الكتابات القيام بالدور الذي قامت به.
الملاحظة الأخيرة: لا تنفصل كثيراً عن سابقتيها، وإن كانت تعودُ إلى ما أعتقد أنه جذر المشكلة، وأعني بذلك المناهج الدراسية في المراحل الدراسية كافة، ولا يعود الأمر هنا مقتصراً على النقد التشكيلي وحده وإنما يطولُ النقد بمفهومه الشامل الذي يكادُ يغيبُ كلياً عن مناهجنا الدراسية، التي تعتمدُ في الأغلب الأسلوب التلقيني وهو أسلوب يدفعُ الطالب باتجاه حفظ المعلومات وتخزينها في ذاكرته من دون القدرة في أحيان كثيرة على مناقشتها، وربما حتى استعادتها بشكل صحيح وبما يخدمُ الغايةَ التي من أجلها تستعادُ.‏ كما لا تخرجُ عن الإطار السابق بعض المواد النقدية التي دُرّست في مدارسنا، خاصة مواد النقد الأدبي، حيث يتعرفُ الطالب إلى نموذجٍ لنصٍ نقدي أكثر مما يتعرفُ إلى منهج أو مناهج في النقد، وهذا يعني في الواقع أن يقوم بتطبيق المثال الذي تعلّمه على كافة الحالات التي تواجهه مهما اختلفت وتباينت بدلَ أن يتعلم منهجاً في النقد والتحليل يساعده على التعامل العقلاني الواعي مع كل نصٍ يقابله، ويكسبه قدرةً صحيحةً على تقويمه، إذ إن الحالة السابقة رسّخت في أذهان الطلاب، وعلى مدى أجيال في أذهان الجمهور بأكمله، مسلّمات غير قابلة للنقاش بدءاً من الحديث عن أمير الشعراء، مروراً بتصنيف الشعراء في الأرض المحتلة على أساس اتجاهات وطنية وإنسانية وقومية، وانتهاءً بالكثير من المسلّمات حول الشعر والأدب والتاريخ والفنون وسواها، وهي في جميعها لا تنفصلُ عن جوانب كثيرة في حياتنا، وتؤسّس لنهجٍ في التفكير قائمٍ على التلقي أكثر من استخلاص النتائج.‏
لقد أدّت المقدمات السابقة جميعاً إلى حالتين فيما يتعلقُ بالكتابات النقدية: أولاهما استسلام النقاد إلى حقيقة ضعف المتابعة لما يكتبونه وبالتالي عزوفُ بعضهم عن الكتابة أو بذْلَ جهدٍ أقلّ لها. وثانيتهما استسهال كثيرين للكتابة فيما لا يتقنون ويعرفون اعتماداً على غياب الثقافة لدى المتلقين، وضعف تقاليد القراءة، واستعداد الجمهور لتقبّل ما يكتبونه للسببين السابقين، والاعتياد أصلاً على عدم مناقشة ما يكتب إلا في النادر.‏ أضف إلى ذلك أن المادة النقدية عندنا ما زالت تعاملُ -حتى الآن- كنصٍ غير قابل للنقاش بفضل أسلوب توجهها إلى الجمهور المماثل أو المشابه للأسلوب التدريسي، ويمكن القول إن نقد النقد هو الأكثر غياباً عن حياتنا الثقافية، علماً أنه الوسيلة المهمّة التي تحول بين الكتابات النقدية وبين الاستسهال والسطحية وعدم الدقة، ولهذا تكثرُ لدينا الكتابات النقدية التي تناقشُ أعمالاً إبداعية لم يتعرف إليها الجمهور، وقد لا يتعرفُ إليها أبداً.‏ هذا من ناحية ومن ناحيةٍ ثانيةٍ ولكل ما سبق نقول: لايزال مفهوم النقد لدى كثيرين مفهوماً مشوشاً يكادُ يلامسُ الحديث عن التهجّم والتجريح، فما إن يحصل حوارٌ بين نقاد أو فنانين حتى يثير حماسة قطاعات واسعة من الوسط الثقافي ولو كانت تجهلُ كل شيء عن المسألة موضوع الحوار – ولا أقولُ الخلاف – وتجد من يدلي بدلوه في الحوار كأنه معركةٌ فينحاز إلى هذا الجانب أو ذاك، وبالنتيجة يفقدُ الحوارُ الكثير من معانيه أو أهميته، ويبقى طاغياً عليه شكل الخلاف الشخصي لا أكثر.. والخلاصة أن ضعف المتابعة والقراءة وعدم الاهتمام بتكوين رأي شخصي عوامل أساسية تساهم جميعاً في إيجاد علاقة غير صحيحة بين النقد والجمهور بل بين الإبداع والجمهور أصلاً، وأن وضعاً صحيحاً للنقد بكل اتجاهاته يتطلبُ ثقافةً حقيقيةً ومنهجيةً لدى الناقد والمتلقي على حد سواء ومتابعةً واعيةً للنشاط الإبداعي والثقافي، فمن دون هذه الشروط يصعبُ افتراض وجود علاقة صحيحة بين الجمهور والنقد وأيضاً بين الجمهور والأعمال الإبداعية.‏
اختصاص الاختصاص!
هل من حاجةٍ للتخصّص (اليوم) في ظل اختلاط المعايير، أم إن الذائقة الجمالية هي من تقرّر في نهاية الأمر؟
في تقديم العدد الأول من مجلة (الحياة التشكيلية) أواخر عام 1980، كتبت السيدة الدكتورة نجاح العطار: «لقد أردنا مجلات مختصةً بتمام المعنى لإيماننا بأن الأخذ من كل شيء بطرفٍ أمرٌ فاتَ أوانه، فهو موقفٌ سطحي، وهو تشتيتٌ للجهد، وعائقٌ في طريق التطور، فالعصرُ الآن يتطلبُ الاختصاص، بل هو يتطلبُ، في السعي إلى الإحاطة، اختصاصَ الاختصاص كي يكونَ الإلمامُ بالموضوع متصفاً بالعمق، بالشمول، بالمعرفة التفصيلية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، نظرياً وتطبيقياً، ونتخلّصُ مرةً وإلى الأبد من الذاتية، ونأخذُ بالموضوعية، ونكفُّ عن التخمين والتقدير والمزاجية، ونبدأ بالأصول، بالمفاهيم، بالقواعد، في إطارٍ من الحقيقة العلمية التي هي سيدة الحقائق». وأرى أن هذا الرأي العميق يمثلُ الجواب عن هذا السؤال للأسباب التي أوردها، وتزدادُ رسوخاً، والتي تفصلُ بين الذائقة الفنية العارفة والمقارنة وبين المزاج الشخصي.
الاستقلال عن المال المموِّل
عملتَ في لجنة رقابة الأعمال الدرامية في التلفزيون العربي السوري عام 2003، كيف ترى إلى المشهد الدرامي (اليوم) وثمة من يقول إن الدراما السورية ليست بخير، علماً أن ثمة تباينات في الآراء النقدية؟
واكبتْ الدراما التلفزيونية الرائدة مع انطلاقتها مطلع الستينيات الأفكار التي روّجت لها دولة الوحدة وخاصةً فكرة التحرر الوطني من النفوذ الأجنبي، ولم تشهد مرحلة الانفصال بعد سنة وبضعة أشهر عملاً درامياً يترجمُ فكرها، إما لقصر زمنها أو لأن الانفصال لم يجرؤ على المجاهرة علناً بعدائه للنضال الوطني والقومي والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية وسواها من الأفكار التي راجت زمن الوحدة، وكرّست بعد سقوط حكم الانفصال في آذار 1963 لتترجم في الدراما التلفزيونية بعددٍ من الأعمال، لكنّ التحوّل الأوضح في الدراما السورية بدأ منذ عام 1968، حيث أصبح توجهها الفكري أكثر وضوحاً، إما لجهة ترويج فكر الكفاح من أجل التحرر الوطني والكفاح ضد الاستغلال الاجتماعي، أو لجهة تأكيد العلاقة بينهما ضمن إطار قومي لجأ في بعض الحالات إلى التاريخ العربي ليقدّم أعمالاً على درجة عالية من الأهمية برؤية متطورة معاصرة، وكانت الشركات الخاصة قد بدأت منذ مطلع التسعينيات بإنتاج أعمال كبيرة نسجت أكثرها على منوال إنتاج التلفزيون السوري، فحافظت بشكلٍ ما على الخطاب الفكري ذاته، وظهرت أعمالٌ كثيرةٌ أنتجتها شركات خاصة وقدّمت دراما متطورة شكلاً ومضموناً سواء في تناولها بعض الموضوعات التاريخية أو أعمالاً أدبية كبيرة أو في تطرقها الواعي والجريء لموضوعات اجتماعية معاصرة.. إلا أنه في وقتٍ لاحقٍ واستجابةً لمتطلبات سوق الفضائيات العربية ورغبات أصحاب المال، بدأت بالظهور أعمالٌ تسلطُ الضوء على حالات اجتماعية (وتروّج لها في أحيان كثيرة) كانت الدراما السورية ترفضها في السابق كالخيانة وتسفيه دور المرأة، وتمجيد القوة الباغية، وتعاطي المخدرات، وقُدمت هذه الأعمال من حيث يدري صنّاعها أو لا يدرون صورةً مشوهةً عن المجتمع السوري وعن المرأة السورية بشكل خاص بحيث بدت هذه الصورة كأنها صورة عامة للمجتمع السوري، وللأسف الشديد فإن الأزمة الحالية لم تغيّر في توجّه كثير من المنتجين، بل إن الإسفاف صار ظاهرةً تلفتُ الانتباه في إنتاج العديد منهم، وأرى أنه كي تكون الدراما التلفزيونية السورية بخير يجب أن تحافظ على أسباب نجاحها وعلى استقلالها عن تأثير المال المموِّل.
بورتريه تلفزيوني
تسهم ببرنامج (ملونون) على قناة (سورية دراما) هل يعوّض هذا البرنامج غياباً مفترضاً للفقرة التشكيلية في إعلامنا المرئي، ماذا عن هذا البرنامج/ المشروع بوصفه توثيقاً للحركة التشكيلية في سورية وتياراتها الفنية والإبداعية؟
اختلف دور الإعلام إثر ازدياد أثر التلفزيون في حياتنا، فقد أدت الصحافة المكتوبة في البداية دوراً مهماً في التعريف بالفن التشكيلي ونقده، أما التلفزيون فقد كان دوره - لأسباب كثيرة - متواضعاً للغاية في مجال نشر الثقافة الفنية وصنع الذوق الفني، رغم أنه منذ بدايات انطلاقته قدّم جهوداً كبيرة للتعريف بالفن التشكيلي، والفنانين السوريين الطليعيين أمثال فاتح المدرّس ولؤي كيالي وغيرهما من خلال البرامج التي كان يعدّها ويقدّمها الإعلامي والفنان التشكيلي مروان شاهين، كما أنه عُرضت في أوقات لاحقة برامج مهمة عن الفن التشكيلي كالبرامج التي كان يعدّها الناقد صلاح الدين محمد، وبرنامج (الفن والإنسان) الذي كان يعدّه الفنان التشكيلي علي سليمان، والبرامج التي مازال يعدّها النحّات والناقد غازي عانا، وفي مقدمتها برنامج (رواق الفنون)، لكنّ هذه البرامج في واقع الحال تتجه إلى الشريحة ذاتها من المهتمين، ليس بسبب علّة فيها وإنما نتيجة عدم اهتمام الشريحة الأكبر من جمهورنا بالفن التشكيلي أصلاً.‏ وبالنسبة لبرنامج (ملونون) لا يختلفُ عن الحالة السابقة رغم أنه يتجه إلى جمهور أوسع، فهو ليس برنامجاً نقدياً وإنما (بورتريه تلفزيوني) يسعى إلى التعريف بالفنان ليس من خلال تجربته الإبداعية، بل من سيرته الحياتية التي تسلطُ الضوء على جوانب كان لها تأثيرٌ في تلك التجربة، وأنجزنا حتى الآن نحو خمسين حلقة، ولا يزال في مخططنا الإحاطة بكل ما يمكن من الأسماء ذات الحضور المهم في الحياة التشكيلية السورية.
جمهور الفن التشكيلي مازال نخبوياً
للفن التشكيلي حضورٌ راسخٌ في حياتنا الثقافية وأنتم ساهمتم بذلك عبر أبحاث ومحاضرات عديدة، هل من حساسية تشكيلية عند أجيال المبدعين الجدد، خاصةً أن دار الأوبرا شهدت مؤخراً تظاهرةً لعدد من المخضرمين والشباب؟
أوافقك القول إن للفن التشكيلي حضوراً راسخاً في حياتنا الثقافية، ولكن ليس في حياتنا الاجتماعية، والتباين بينهما واسعٌ للغاية، وقد تعود بعض أسباب هذا التباين إلى واقع الحركة التشكيلية عندنا منذ القرن الماضي، فقد بدت هذه الحركة وخاصةً في العقد الأخير منه كأنها تتقدّمُ معظمَ الأنشطة الثقافية والإبداعية، ولكن رغم كل مظاهر الحيوية فإن الفن التشكيلي لم يحتل موقعاً فاعلاً في حياتنا الاجتماعية، أو يصبح (سلعةً ثقافيةً) مطلوبةً من الجمهور الواسع – إن صح التعبير – فجمهوره لا يزال حتى الآن جمهور نخبة، وهذا الأمر يؤثر سلباً في أجيال المبدعين الشباب، ولا تبدّلُ من هذه الحقيقة وفرةُ المعارض، فبعض أماكن العرض لا تحقق الشروط اللازمة، كما أن الكثير من المعارض تفتقدُ الرابط بين المشاركين فيها.
هل أنتم مع ضرورة رفد النقاد التشكيليين على سبيل المثال بما يصدرُ من كتب في هذا الاتجاه، وهل هي ضرورة معرفية، ثمة مثالٌ من مقدمتكم النقدية لكتاب في (الكلام عليكم) لفنان الكاريكاتير السوري العالمي رائد خليل؟
هو كذلك، ولذلك أرى ضرورة حضور الكتابات النقدية في هذه الكتب انطلاقاً من وجهة نظر تعتبر النقد وسيطاً بين العمل الإبداعي والمتلقي، وهذا يستوجب أن يمتلك (الناقد) معرفةً وخبرةً تفوق ما لدى المتلقي، وفي الآن ذاته يملكُ قدرةً على الوصول إليه.
المُنتَج الإبداعي في مراياه الإنسانية
في كتابك عن الفنان التشكيلي نزار صابور تجليات للأبعاد الإنسانية للفنان، فهل ذلك مغيّب في ثقافتنا أم غائب؟
ضمن تقديمي لكتاب (نزار صابور- الإنسان اللوحة) قلت: إنّي كنتُ شاهداً على كل مراحل تجربته كصديق ومهتم بالتشكيل السوري عموماً وبتجربة نزار ضمناً، وكنتُ أحرص دوماً على عزل مشاعري الشخصية عمّا أكتب، مكتفياً بما تتيحه لي الصداقة الشخصية من فرصة التعرف إلى التجربة عن قرب، وهذا ما حرصتُ عليه في كتاب (نذير نبعة.. الإنسان والفنان المعلّم) وفي (مذكرات عفيف البهنسي).. ربما لا تكون للأبعاد الإنسانية أهميةٌ في تقويم المُنتَج الإبداعي والثقافي، لكنني أرى أنه لا غنى عن هذه الأبعاد حين يكون الحديثُ عن صاحب هذا المُنتَج وغيابه أو تغييبه في ثقافتنا أمراً غير مبرر، وإن كان يملك أسباباً مختلفةً أهونها عدم معرفة تلك الأبعاد.
جدلية الحداثة والتأصيل
في سياق التجديد والتحديث في الفن السوري المعاصر، هل يمكن الحديثُ عن تيارات وأسماء لا تزال مغفلةً، ولماذا وأين أصبحت الحداثة في فننا التشكيلي مقابل التأصيل في وجوه مسارات الثقافة الوطنية السورية؟
لا أعتقد أن هناك تيارات أو أسماء مغفلةً في الفن السوري المعاصر مع وفرة المنابر الإعلامية والفنية التي تمنح فرصاً واسعةً للتواصل مع المتلقي. أما بالنسبة للحداثة فهي تظهرُ في قسم كبير من التجارب التشكيلية السورية، كما أنها ليست نقيضاً للتأصيل، وإنما على العكس هي من يحمي التأصيل من الجمود و(الاستنساخ) والتكرار.

أيّ لوحة أكثر تأثيراً من الصورة الواقعية للجندي العربي السوري
هل تؤسّسُ الحرب على سورية مفهوماً جديداً لدى الفنان كما هو لدى الأدباء والمبدعين، بمعنى هل نحن بحاجة للتوثيق لاسيما للحكايات السورية، وما حدود الاستلهام هنا، وهل نحن بصدد (غورنيكا) سورية؟
لو كان لدينا فنان بعبقرية (بيكاسو) وظروف كالتي أحاطت به لصار لدينا (غورنيكا)، وأقصدُ هنا الظروف التاريخية والسياسية والثقافية التي أتاحت لهذه اللوحة الرائعة بأن تصبح أيقونةً عالميةً ضد الحرب، فما تعرّضت له (غورنيكا) يكاد لا يذكر أمام ما تعرّضت له مئات الأماكن في سورية من إجرام قوى أكثر رجعيةً من (فرانكو) وحلفائه الغربيين، لكن الزمن اختلف والهيمنة الاستعمارية على الرأي العام بلغت حداً لم يعد ممكناً معه لصرخةٍ ضد الظلم والإجرام أن تُسمع.. (غورنيكا) لم توثّق الحدث، وإنما قدّمت رؤيةً إبداعيةً عنه، (جوزيف أميل مولر) قال عنها: «كانت هذه اللوحة أقوى آثار بيكاسو على الإطلاق وأكثرها إثارةً للعواطف، وهي وحدها تكفي لتبرير أسلوب الرسم الحديث، كما تكفي للبرهان على أن هذا الأسلوب يستطيع أن ينأى كثيراً عن المعقول من دون أن يفقد قوته المعبرة». ولو أن بيكاسو وثّق الجريمة بأسلوب واقعي لضاعت (غورنيكا) في غياهب النسيان، وأعني اللوحة والبلدة والجريمة، والأمر ينطبقُ أكثر على زماننا، ذلك أن قوة التعبير التي تملكها الصورة الفوتوغرافية لا تصلُ إليها (نسختها اليدوية)، فأيّ لوحة يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من الصورة الواقعية لذلك الجندي السوري الجريح الأسير وهو يتحدّى الإرهابيين القتلة دون خوفٍ من فوهة البندقية بين عينيه؟ أو من تلك التي تسجلُ التقاء المقاتلين في لحظة فكّ الحصار عن سجن حلب ومطار (كويرس) وحامية دير الزور؟ أو تلك الأحدث لدموع التأثر الحارّة لمراسل التلفزيون السوري لحظة تحرّر نساء وأطفال خطفوا من بيوت كانت آمنة؟‏. ولذلك لا أستطيعُ التنبؤ كيف ستلهمُ الحرب الفنانين السوريين، لكن أستطيع القول إن الكثير مما أنتج بتأثير الحرب لم يستطع الخروج من دائرة الشائع شكلاً وفكرةً.

- سعد القاسم باحث وكاتب وناقد.
- حاصل على إجازة في الفنون الجميلة 1981 ودبلوم دراسات عليا 1987 من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.
- من أنشطته الإعلامية والمهنية:
- محرر في صحيفة الثورة منذ عام 1981.
- مدير تحرير مجلة (التشكيل السوري) الصادرة عن نقابة الفنون الجميلة في سورية 1993-1995.
- عضو هيئة تحرير مجلة (الحياة التشكيلية) الفصلية الصادرة عن وزارة الثقافة من 1999- 2003.
- مُعدّ الفقرة التشكيلية في برنامج (المجلة الثقافية) في التلفزيون السوري 1995-2003.
- شارك في عدد من الكتب منها: (مسيرة إنجازات، الإعلام السوري وحرب الخليج، دمشق الشام، فاتح المدرّس، نساء سورية).
- معاون مدير الإنتاج التلفزيوني في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وقارئ للنصوص في المديرية 2009.
- مدير لقناة (سورية دراما) 2010-2014.
- مُعدّ برنامج تلفزيوني أسبوعي على قناة (سورية دراما).
- عضو في مجلس إدارة نقابة الفنون الجميلة ومجلس اتحاد الصحفيين، وشارك في عدد من المعارض، وصمّم شعار مكتبة الأسد، وأشرف على تصميم شعارات الفضائية السورية والقناة الأولى وقناة سورية دراما.
- له عدد كبير من الدراسات والمقالات والمحاضرات عن الفن التشكيلي.
- مدرّس مادة (تاريخ الفن) في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 2000 والمعهد العالي للموسيقا.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: