الأحد, 20 أيار 2018
مجلة جهينة > ميديا > حضور العمل النحتي في التصميم الداخلي المعاصر.. تباينُ القيمة والمضمون بين موضوعات الفن والتصميم
حضور العمل النحتي في التصميم الداخلي المعاصر.. تباينُ القيمة والمضمون بين موضوعات الفن والتصميم

د. حسام دبس وزيت

إن تاريخ التصميم الداخلي، الذي يعود إلى أولى محاولات الإنسان في تنظيم وتزيين وزخرفة الفضاء الداخلي الذي يوجد فيه، يعيد إلى أذهاننا عدداً لا يستهان به من الصور والأمثلة على حضور العمل النحتي منذ القدِم في موضوعات العمارة والتصميم الداخلي، ومن خلال نماذج معمارية قديمة مثّلت العديد منها تحدي الإنسان القديم في محاكاة وإبداع أعمال نحتية آية في الروعة والجمال، وأيضاً من خلال استخدام خامات متعددة من الحجر والمعدن والخزف وغيرها الكثير، إضافة إلى توظيف مختلف تقنيات النحت المجسّم والنحت النافر والنحت الغائر وغيرها.
فن النحت
وفي حين تميزت الفنون عامة، وفن النحت خاصةً باعتباره وسيلة التعبير الأكثر حضوراً في تجسيد الصور المرئية للمعتقدات والأساطير والأحداث والأعلام وغيرها، والتي سايرت المحتوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان عبر التاريخ، فإننا نستطيع أن نلمس تباين مستوى ذلك الحضور في الحضارات والعصور المختلفة، وخاصةً مع تطور مفهوم الفن من خلال تيارات واتجاهات تناولت لغة ذلك الفن وأدوات التعبير فيه. وعلى صعيد العمارة والتصميم الداخليين يبرز فن النحت باعتباره المكوّن الأبرز في أنواع الفنون التي رافقت أساليب العمارة منذ العهد القديم في المعابد القديمة وانتقالاً إلى الحضارتين الإغريقية والرومانية والمصرية القديمة بطبيعة الحال، مروراً بالعصور الوسطى والفن القوطي، وعصر النهضة وما بعدها، حيث ظهر هذا المكوّن في هيئات وصور فنية متنوعة من أعمال النحت التي ظهرت كجزء لا يتجزأ من الفن والتصميم المعماري إلى الأعمال الفنية التي اتخذت جانباً تزينيياً أو زخرفياً مضافاً إلى البنية التشكيلية للفراغات والكتل المعمارية العامة، إضافة إلى مختلف عناصر الأثاث والإكسسوار.
فنٌ وتصميمٌ
نستطيع أن نشهد مع بدايات تيارات الحداثة في فنون التصميم عامةً، وفنون العمارة خاصةً، ظهور اتجاهات جديدة في الفن والتصميم كحركة الفنون والحرف والفن الجديد وغيرها، إلا أن المفصل الرئيس الذي رسم ذلك الحد بين القديم والجديد، بين فنون الزخرفة والتزيين بأساليبها اليدوية، وبين فنون التصميم الحديثة التي استفادت من التطورات التي أفردتها الثورة الصناعية وما بعدها، هو مدرسة (الباهاوس) الألمانية، التي أعادت صياغة العلاقة بين الفنون التطبيقية وبين الفنون الجميلة، أي بين الحرفة والفن، وقدّمت رؤيةً وفهماً جديدين لموضوعات الفن والتصميم مستفيدةً من التطبيقات الصناعية الجديدة، وظهرت بذلك أساليب جديدةٌ للتصميم المعماري نحتْ باتجاه الوظيفية والبساطة، واستغنت عملياً عن الأدوات التقليدية والطرق التي تناولت فيها العمارة موضوعات فنون التصوير والنحت والزخرفة، وهذا لا يعني أنها رفضت توظيف العمل الفني في إطار البنية التشكيلية والجمالية للعمارة، إلا أنها عملياً أعادت رسم العلاقة بين مختلف أنواع الفنون فيما بينها وأصبحت أكثر تمايزاً وبالأخص عند حضورها كمكوّن بصري في العمارة والتصميم الداخليين، وبالتالي أصبح العمل الفني قيمةً فنيةً مستقلةً بذاتها تفرضُ حضورها التشكيلي والجمالي على المشهد والصورة البصرية في الفراغ المعماري، بل أصبح على عاتق الفنان والمعمار والمصمم دراسة أبعاد العلاقة بين هذا العمل الفني كمكوّن مستقل وبين المحتوى التصميمي للفراغ، وتتضمن هذه الأبعاد بالضرورة البُعد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي للفراغ، إضافة بالطبع للجانبين الوظيفي والجمالي وفي سياق الهدف والرسالة المعرفية التي سيعرضها التصميم في الفراغ نهايةً.
نماذج متجددةُ
في مسارٍ متصلٍ نستطيع أن نشهد ذلك التطور الذي تناول اتجاهات وأساليب العمارة في العصر الحديث، وخصوصاً على المستوى التشكيلي للفن المعماري والذي تبلور في صور معمارية مختلفة اتخذت كل منها نسقاً شكلياً وإطاراً مفاهيمياً مستقلاً بذاته، ونذكرُ في هذا الصدد العمارة العضوية التي ومع تباين المضمون الفكري للعلاقة فيها بين العمارة والطبيعة، حددت فلسفة تلك العمارة منذ بدايتها مع المعماري الأمريكي فرانك لويد رايت، حيث حاول المواءمة بين العمارة والبيئة المحيطة بها من خلال عملية المزج المعماري- إن صح التعبير- بين المكون المعماري وبين المحيط، وذلك يشمل، حسب رايت، الموقع والأسلوب والشكل والمادة، ومن ثم ومع التطور الملحوظ الذي ظهر لاحقاً في فلسفة العمارة والتصميم العضوي تمّ التركيز بشكل رئيس على المشابهة التشكيلية بين الفراغ والكتلة المعماريين وبين الطبيعة، وبالتالي نحتْ هذه العمارة باتجاه استخدام الخطوط والأشكال اللينة المستوحاة على الأغلب من عناصر نباتية وحيوانية، أي الشكل العضوي بمكونه البصري. وفي نسق آخر نذكرُ العمارة التفكيكية التي تزعمها عدد من المعماريين العالميين من أمثال فرانك جيري وزها حديد التي بنت فلسفتها على إعادة بلورة الشكل المعماري من خلال إعادة ضبط ذلك الشكل بعدة مكونات متصلة أو منفصلة تتفقُ بصرياً حيناً وتختلفُ حيناً آخر، لكنها تشكلُ في المجمل وحدةً بصريةً عامةً من خلال وحدة الأسلوب في استخدام العناصر البصرية المختلفة من خط وكتلة ولون وخامة. ويمثل هذان النسقان نموذجاً معمارياً متجدداً ومعاصراً للعديد من المصممين والمعماريين في العالم، وما يهمنا هنا هو تلك المحاكاة الأسلوبية بين فن العمارة والتصميم وبين فن النحت، حيث أضحت النماذجُ المعماريةُ بمنزلة أعمال نحتية ونصُبية خالصة تحتل المحيط الطبيعي والعمراني، وتعيد في الوقت نفسه رسم الخريطة البصرية لذلك المحيط.
لغةٌ وفنٌ
برزت بعض الحركات الفنية الحديثة في مجال الفنون عامة، وفي مجال فن النحت خاصة كالتكعيبية والبنائية والسريالية والتجريدية وغيرها، حيث ارتبطت تلك الحركات، هي أيضاً، بتغير لغة الفن ومفهومه، وانتقالها من العمل التطبيقي في المحترف إلى عمل فني ذي أبعاد وفضاءات تشكيلية جديدة تتلوّن حسب المنحى أو الاتجاه أو الفلسفة أو الفكر، ومن هنا سايرَ العملُ النحتي ذلك التطور الحاصل في لغة التشكيل والتعبير المعماريين، واستطاع أن يُبقي على حضوره المميز في الفراغات المعمارية المعاصرة، وذلك في مشهدين منفصلين: اتسم المشهد الأول منهما بحضور العمل النحتي في عملية نحت الفراغ وتكوينه البصري إضافة إلى ما يحويه من عناصر أثاث وإكسسوار، بينما اتسم المشهد الثاني بحضور العمل النحتي كقيمة بذاتها، وإن سايرَ هذا العمل تشكيلياً أو موضوعياً في كثير من الأحيان الاتجاه التصميمي العام للفراغ الداخلي الذي يوجد فيه.
محاكاةٌ أسلوبية
إن محاكاة عملية التشكيل في الفراغ الداخلي بمثيلها في العمل النحتي تمثل التحدّي الأكبر لدى المعمار والمصمم الداخلي، وهي عملية تتجاوز ذلك الحضور التزييني الخجول الذي سايرَ موضوعات التصميم الداخلي قديماً، فدراسة الكتلة والفراغ بين السالب والموجب، وأيضاً دراسة تلك العلاقة المادية بين المكونين على صعيد الوظيفة والشكل بهدف إعادة نظم وضبط الرسالة المعرفية والمضمون الفكري الذي يطرحه التصميم على الإنسان شاغل الفراغ، تحددُ عملياً مختلف أنواع القيم التي يمكن أن يؤديها ذلك التصميم، وبعيداً عن اتجاه البساطة الذي احتل جزءاً كبيراً من موضوعات الفن والتصميم، إلا أننا نلمس عدداً ليس بقليل من أولئك المعماريين والمصممين الذين نجحوا في تحقيق ذلك التناغم في عملية المحاكاة الأسلوبية بين فن النحت والعمارة، وليس بالضرورة على نسق العمارة العضوية أو التفكيكية وغيرها، بل تعدّاها في كثير من الأحيان ليمثل وجهاً نحتياً لعمارة معاصرة لها خصوصيتها البصرية والبنيوية وتمثل اتجاهاً متفرداً بذاتها. وفي حين ظهرت تلك المحاكاة الأسلوبية بين فني النحت والعمارة، ظهرت أيضاً بشكل ملحوظ في تصميم عناصر الأثاث والإكسسوار، حيث اتجه العديد من الفنانين أو المصممين إلى إعادة التفكير في عملية إنتاج الشكل والوظيفة في تلك العناصر، ومع تباين الموقف بين الحرفة والفن، وبين العمل الفني والعمل المصمم، نجحت هذه العناصر في تحقيق حضور لافت في الفراغات الداخلية، حيث تجاوزت في مضمونها الفلسفي والفكري موضوعات الفن والتصميم لتحققَ بعداً مفاهيمياً جديداً على مستوى رسم العلاقة بين فن النحت وفن التصميم.
إضاءة
إن الحديث عن تلك العلاقة بين فن النحت والعمارة والتصميم الداخليين، رغم ما ذكرنا من مقومات تلك العلاقة، لا يقتصر على ذلك البُعد التشكيلي وحسب، بل يتعداه إلى كافة الجوانب المرتبطة بعملية التصميم والتي تخضع لمعايير وأسس ضبط الفراغ في سياق الهدف الذي ينشده المصمم، وهذا يشمل عدداً من محددات الصورة البصرية، وخاصةً موضوع الإضاءة الطبيعية والإنارة الصناعية، حيث إن دراسة نوعية الإضاءة الخارجية وإمكانية ضبط مسار وزوايا الأشعة الضوئية تؤمّن التعبير الأمثل عن قيم العتم والظل والإضاءة للمساحات والأشكال، مع التأكيد على تأمين الحد الأدنى من الظلال بهدف إبراز المكونات البصرية في الفراغ وتجنّب الإضاءة المباشرة التي تفقد تلك المكونات بُعدها الثالث، وبالأخص عند حضور الأعمال النحتية بشكل مستقل عن النسق المعماري، وبالتالي وجب تأمين الإضاءة النوعية لإظهار تلك الأعمال بشكل نموذجي مماثل للأسلوب الذي يتم به عرضها في المتاحف وصالات العرض الفنية. أما ما يخصُ الإنارة الصناعية فيتم هنا العمل على توظيف أجهزة إنارة تتناسب مع طبيعة الفراغ المعماري وما يحويه، وبشكل مشابه لموضوع الإضاءة الطبيعية من ناحية تأمين أجهزة إنارة موجهة بزوايا مناسبة تستطيع أن تعيد رسم الظلال اللونية على المكونات والأعمال النحتية في صور بصرية فريدة ترتقي بالقيم الدرامية والتعبيرية للفراغ عامةً وللمكون النحتي خاصةً، وذلك في هيئة صور سينوغرافية تستعيرُ حضورها من المشهد المسرحي، ولاسيما أن ما يميز الإنارة الداخلية هو ماهية قدرتها على ضبط تلك الصور والمشاهد في الفراغ بشكل ثابت أو متغير، وخصوصاً مع توظيف أنماط الإنارة التفاعلية والذكية في موضوعات التصميم الداخلي، أما في الإضاءة الطبيعية فنستطيع أن نتحكم جزئياً بمسارات الأشعة الضوئية الطبيعية في الفراغ باعتبار أن ذلك النوع من الإضاءة يتغير عبر فترات اليوم أو السنة.
لونٌ وخامةٌ
في موضوع لا يقلّ أهمية، لابد من التنبيه إلى دور اللون والخامة في صياغة تلك العلاقة بين العمل النحتي والتصميم الداخلي، حيث تمثلُ المجموعات اللونية الأحادية الحل الأمثل في أغلب الأحيان، فيتم التركيز على قيم الظل والنور وإبراز الكتلة والمكون النحتي وقيمتيه الجمالية والتعبيرية في مشهد أكثر وضوحاً فيما لو تم استخدام مجموعات لونية متباينة في قيم الحرارة والبرودة أو في القيم اللونية الأساسية.. وبطبيعة الحال تلعبُ الخامات دوراً مشابهاً في ضبط ذلك المشهد من ناحية توظيف درجات متمايزة نسبياً من ناحية الملمس بهدف التركيز على تلك المحاكاة الأسلوبية بين فن النحت وفن التصميم الداخلي أو بين العمل النحتي المستقل وبين الفراغ الذي يحويه، وهذا لا ينفي بالطبع إمكانية استخدام قيم متباينة في الملمس، بين الأملس والخشن، أو في اللون بين الحار والبارد وغير ذلك، لكن على أن يتم ذلك بحذر وألا تغفلَ تلك القيم بشكل غير مقصود ما تم إنجازه في محتوى العلاقة التشكيلية بين فنيّ النحت والعمارة في المكون المعماري بشكل عام.


ونخلصُ نهايةً لنقول إن التصميم الداخلي المعاصر، ومع تباين الاتجاهات والتيارات التصميمية منها والفلسفية في موضوع ضبط المكوّن البصري للفراغ الداخلي بما ينسجمُ مع الطبيعة النوعية لذلك الفراغ، استطاع توظيف مدارس الفن الحديث في موضوعات التصميم بصور بصرية جديدة كلياً، والتي مزجت عملياً بين أنواع مختلفة من الفنون والقيم المرتبطة بها على صعيد الشكل والمضمون، وخاصةً فن النحت الذي سايرَ تطور فنون التصميم والعمارة، وأضحى جزءاً لا يتجزأ من عملية تصميم المكوّن البصري في الفراغ.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: