الأحد, 20 أيار 2018
مجلة جهينة > لقاءات > الناقد المسرحي جوان جان: المسرحيون السوريون يمتلكون كامل الإرادة لبعث الروح في خشبات مسارحهم
الناقد المسرحي جوان جان: المسرحيون السوريون يمتلكون كامل الإرادة لبعث الروح في خشبات مسارحهم
جهينة - أحمد علي هلال:

هو من جيل الحساسية النقدية والإبداعية عبر ما قدّمه للمسرح السوري نقداً وكتابةً ومواكبةً وتأصيلاً، وهو أحد الفاعلين على فضاءات مسرحية مختلفة نصاً ورؤيةً بأبعاد إنسانية ترتقي بالإنسان، فهي المتنوعة لتكون علامات فارقةً في المشهد المسرحي السوري والأدلّ في الثقافة المسرحية السورية.. إنه الكاتب والناقد المسرحي جوان جان الذي كان لـ(جهينة) الحوار التالي معه:
الأعمال المسرحية والفضاءات الموازية
ككاتب وناقد مسرحي كيف ترى الحركة المسرحية (اليوم)، وهل لدينا أزمة في المسرح؟
مما لا شك فيه أن المتابع للحركة المسرحية السورية خلال هذه الفترة يلمسُ مدى إقبال المسرحيين السوريين على العمل المسرحي إيماناً منهم بأن ما تمرّ به بلادهم على مختلف الصعد يتطلب منهم كفنانين مبدعين وفاعلين في محيطهم الاجتماعي والثقافي أن يقدموا أقصى ما لديهم من أفكار ورؤى وأشكال فنية خلّاقة ترقى إلى ما ينتظره منهم جمهور المسرح الذي نلاحظ كيف يقبل على الأعمال المسرحية عندما تُحترم ذائقته الفكرية والفنية، وتحاول أن تكون النبراس الذي يضيء الطريق أمامه نحو آفاق رحبة من الخيال الذي يحققه المسرح السوري وهو الذي لم ينقطع تواصله مع جمهوره طوال سنوات الحرب على سورية.. وبطبيعة الحال فإن أية فعالية ثقافية أو فكرية أو فنية لا تخلو من مشاكل وأزمات، وتأتي في مقدمتها بالنسبة للمسرح السوري (اليوم) المسألة المادية التي تشكل همّاً مزمناً للمسرحي الذي لا يتوانى عن المشاركة في الأعمال المسرحية إذا توفر الحدّ الأدنى من المتطلبات المادية، إضافة إلى ذلك فإن عدم توفر فضاءات مسرحية متعددة لتقديم الأعمال المسرحية يشكل عائقاً حقيقياً أمام التوسع الأفقي في تقديم الأعمال المسرحية، علماً أن مدينة دمشق وحدها تحتوي على عشرات صالات العرض غير المستخدمة والتي تحوّل بعضها إلى خرائب، ومنها صالات السينما التي يمكن إيجاد الحلول القانونية لتملّكها والاستفادة من موقعها ومساحاتها الشاسعة مثلما جرى الأمر في مطالع الستينيات عندما تمّ إيجاد حلول قانونية لمسرحَي الحمراء والقباني اللذين لم يكونا ملك الدولة أساساً.
وجبات مسرحية سريعة ومتنوعة
قدّمتَ للمسرح القومي العديد من المسرحيات اللافتة، فهل ترى أن جمهورنا السوري لايزال متعطشاً للمسرح، وما تقييمك لما قُدِّم؟
جمهور المسرح مازال وفياً له بشرط أن يبقى المسرح أيضاً وفياً لجمهوره، ووفاء المسرح لجمهوره يكون بعدم التعالي عليه أو النظر إليه نظرةً دونيةً، وبالوقت نفسه عدم تقديم ما هو مبتذل شكلاً ومضموناً، والابتذال لا يكون فقط عن طريق طرح الأفكار المستهلكة وأساليب الأداء التي تستجدي الابتسامة أو الدمعة، فقد تكون الأعمال المفرطة في جديتها مبتذلةً أحياناً عندما تعجز عن التواصل مع الجمهور.. أما فيما يتعلق بما يُقدَّم حالياً من أعمال مسرحية فيمكن القول إنها تحاول قدر الإمكان أن تقدم للمتلقي وجبات مسرحية متنوعة بأساليب كتابتها وإخراجها، فنحن (اليوم) نقدّم على مسارحنا مختلف أنواع الفنون المسرحية حسب الإمكانيات المتاحة سواء في مديرية المسارح أم عند بعض التجمّعات والجهات التي لاتزال حربصة على إبقاء شمعة المسرح متوهجةً ومضيئةً.
ندرة النصوص المسرحية السورية!
هل ترى أن الأزمة في جانب منها غياب النصوص المسرحية أم الهجرة إلى التلفزيون -إن جاز التعبير- من الفنانين، وما التحدّي الذي يمثله ذلك، علماً أن ثمة عشّاقاً للمسرح يكابدون في سبيل فرجة مختلفة؟
لا شك بأن ندرة النصوص المسرحية السورية الصالحة للعرض على خشبة المسرح تشكّل عاملاً سلبياً يحدّ من طموحات مسرحيينا بتقديم عرض مسرحي يمسّ المواطن السوري الذي يعيش اللحظة الراهنة، وأشدد على وضع عبارة «الصالحة للعرض» بعد عبارة « ندرة النصوص المسرحية السورية»، لأن النصوص السورية قد تكون متوفرة على صعيد الكمّ، لكنها في معظمها إما ذات طابع أدبي بحت وهو ما ميّز النصوص التي كُتِبَت في السبعينيات والثمانينيات، أو إنها ذات طابع مغرق في تجريبيته والتصاقه بشخص كاتبه بحيث إن مضمون النص والشكل الفني لا يعنيان سوى الكاتب الذي لا يتمكن من صياغة نص مسرحي يتقاطع مع الرؤى الإخراجية السائدة أو مع ما يمكن أن يلقى قبولاً ولو محدوداً من المتلقي.. أما فيما يتعلق بهجرة فناني المسرح باتجاه التلفزيون فهو أمر قائم منذ سنوات طويلة، وربما تفاقمت في السنوات الأخيرة في ضوء التزايد المستمر بحجم الإنتاج التلفزيوني الذي تقف وراءه شركات إنتاج عملاقة مقارنةً بحجم الإنتاج المسرحي، ورغم ذلك يخلقُ الفنانون الحريصون على الوجود في المسرح الفرصة تلو الفرصة للعودة إلى خشبته.
المسرح والمرآة
هل يرقى ما يُقدَّم لمحاكاة ما يجري في سورية، علماً أن ثمة عروضاً حاولت المقاربة وربما القليل منها من نجح بذلك؟
منذ عام 2011 وحتى الآن تمّ تقديم العديد من الأعمال المسرحية التي حاولت طرح الواقع السوري من وجهة نظر مسرحية فنية، وربما بإمكاننا القول حالياً إن معظم الأعمال المسرحية لا بدّ أن تلامس موضوعة الحرب على سورية بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو الأمر الذي ولّد عند الجمهور نوعاً من الإحساس بضرورة الخروج عن هذا الإطار بشكل جزئيّ تجنباً للتكرار في طرح الأفكار والرؤى الفكرية والفنية.. وأنا شخصياً أؤمن بضرورة الابتعاد عن موضوعة الحرب بين الحين والآخر كي لا يبقى مسرحنا رهين طروحات محددة لم ترضِ على صعيد المضمون الكثيرين من المشاهدين الذين قد يفضّلون إبقاء الفن المسرحي بعيداً عن أي تأثيرات، وهذا بدوره أمرٌ صعبٌ لأن المسرح كان وسيبقى المرآة التي تعكس الواقع ولكن بأسلوب فني مقبول وقريب من النفس.
التنوع.. التعدد.. الثراء
كمسرحيّ كان لديك مشروعك الذي ابتدأ بعلامات مسرحية كـ»نور العيون» و»أجمل رجل غريق في العالم» وغيرهما، والآن يستعد المسرح القومي ليقدّم لك عرضاً جديداً، هل نتحدث عن هاجسك الرئيس؟
لا أمتلك هاجساً فكرياً محدداً فيما يتعلق بمضمون الأعمال المسرحية التي أكتبها فلكل عمل ظرفه.. ما يهمّني هو أن أخرج بأفكار ذات طابع إنسانيّ بالدرجة الأولى، فالإنسان هو الهدف الأساس لكل عملية أدبية أو فنية، وأحرصُ دائماً على عدم تكرار الأفكار في نصوصي المسرحية، كما أحرصُ على التنويع في الأساليب الفنية، فقد كتبتُ الكوميديا كما في «نور العيون» و»هوب.. هوب» و»حكاية المولود الجديد»، كما كتبتُ التراجيديا وذلك في «أجمل رجل غريق في العالم» و»المعطف»، كذلك كتبتُ النص المونودرامي كما في «ليلة الوداع» و»ليلة التكريم»، وكتبتُ أيضاً النصوص التي تعتمد على الشخصيات المتعددة كما في «الطوفان» و»الضيوف»، ومثلما كتبتُ للكبار كتبتُ كذلك للأطفال ثلاثة نصوص مسرحية هي «مغامرة في مدينة المستقبل» و«حيلة العنكبوت» و»دو ري مي أبجد هوّز».. هذه الأعمال وغيرها تنوعت ما بين التأليف والاقتباس عن الأدب العالمي.
تكريم الشخصيات المسرحية الفاعلة
ثمة تحضيرات لعروض ستُقدَّم في يوم المسرح العالمي، هل نتكلم عن اختياراتها ومدى اختلافها عما قُدِّم في السنوات الماضية؟
ثمة نوعان أساسيان من الأعمال المسرحية التي تُقدَّم عادةً عندنا في يوم المسرح العالمي، الأول ذو طابع احتفاليّ خفيف يُعرَض ليوم واحد هو (اليوم) الذي يصادف تاريخ المناسبة، وعادة ما يتم فيه تقديم مَشاهد كوميدية ذات صبغة ناقدة أو عرض مسرحي بسيط ومحدد الوقت، كما يمكن أن يتم فيه تكريم شخصيات مسرحية محلية فاعلة، أما النوع الثاني فهو افتتاح عرض مسرحي في يوم المناسبة واستمرار عرضه في الأيام التالية كأحد عروض الموسم المسرحي، وهذا النوع الثاني من الأعمال غاب عن احتفالية هذا العام، على الأقلّ في احتفالية دمشق التي تضمنت عرضاً مسرحياً بعنوان «صحوة» للمخرج كفاح الخوص إضافة إلى احتفالية المعهد العالي للفنون المسرحية التي استمرت على مدى (يومين).
التواصل مع الجمهور
ثمة شكوى نراها تترددُ بين الفينة والأخرى حول غياب النص المسرحي المحلي بعض الشيء والذهاب إلى النص المسرحي العالمي.. كيف ترى هذه المسألة؟
هذا الأمر كان واقعاً ملموساً في فترات ماضية، وحالياً يبدو الوضع أفضل في ظل إدراك مخرجينا المتزايد لأهمية النص المسرحي السوري الذي يبقى هو الأكثر قدرةً على التواصل مع الجمهور، ولا أدلّ على ذلك أكثر من النجاح الكبير الذي تحققه العروض المسرحية المعتمدة على النصوص المحلية في مقابل تراجع رصيد الأعمال المعتمدة على النصوص الأجنبية عند الجمهور، من دون أن يعني ذلك أن هذا هو المعيار الوحيد لنجاح عمل ما وتراجع عمل آخر.. وحتى بالنسبة للأعمال المترجمة فإن رصيدها من الرواج عند مشاهدينا يعلو عندما تتعرض لعملية إعداد مدروسة وعلمية.
أطياف المسرح الواسعة
هل مازال الرهان على المسرح رابحاً، وما المعايير التي تنظّم العلاقة بين المسرح والجمهور وبين المسرح والذائقة العامة، وثمة من يرى في هذا السياق أن مسرحنا مازال نخبوياً؟
في ظل الجهل المستشري والمتفاقم في أرجاء العالم العربي يُخشى أن تكون كل الفنون العربية في طريقها إلى الاندثار، خاصة أن طبيعة التفكير السائدة حالياً ترفض رفضاً باتاً جميع أشكال الفن والأدب والحياة وتعتبرها شكلاً من أشكال (الكفر) والإلحاد، لذلك أرى أن جميع الفنون مطالَبة (اليوم) بأن تأخذ على عاتقها إعادة الناس إلى رشدهم وعقولهم بعد أن تمكّن منهم التفكير الغيبيّ القائم على دعائم الجهل المطلق.. وتبقى المعايير الناظمة للعلاقة بين المسرح والجمهور ثابتة لا تتغير إلا بشكل طفيف وبما ينسجم مع اختلاف الظروف، لذلك يبدو من المهم أن نعمل على عدم حصر أعمالنا المسرحية ضمن أطر فنية محددة لأن الفن المسرحي عالم واسع لا حدود له، ومن يعمل على وضع أطر محددة لهذا الفن فشأنه كشأن من يعمل على وضع المحيط في قارورة ماء.
هل ثمة ضرورة لعودة أشكال مسرحية بعينها كالمسرح الشعبي والمسرح الجوال، وهل هما غائبان؟
المسرح الشعبي لم يعدْ موجوداً (اليوم) إلا في حدود ضيقة لأنه تاريخياً في سورية قام على أكتاف فرق القطاع الخاص، وهذه الفرق أصبحت في حكم المندثرة حالياً لأن تكاليف إنتاج العروض المسرحية تضاعفت بينما تراجعت القوة الشرائية عند المواطن الذي أصبح يفضّل أن يؤمّن عناصر الحياة اليومية الأخرى قبل التفكير بحضور عرض مسرحي مع عائلته، خاصة أن ذلك قد يكلفه نصف راتبه على الأقل، أما المسرح الجوال فهو كهيكلية إدارية تم الاعتماد عليها في عمل مديرية المسارح والموسيقا في سبعينيات القرن الماضي عندما قررت المديرية توسيع رقعة العروض المسرحية لتشمل أماكن التجمعات السكانية الصغيرة، وعندما انتشرت فرق المسرح القومي في المحافظات تراجع دور المسرح الجوال ليتراجع في الثمانينيات والتسعينيات إلى العاصمة، وليعود (اليوم) عبر رؤية متجددة لمديرية المسارح التي قدّمت مؤخراً عملاً مسرحياً تحت مسمى (المسرح الجوال) أخرجه الفنان رائد مشرف وهي خطوة من شأنها إتاحة المزيد من الفرص أمام الأعمال المسرحية الجديدة كي تأخذ فرصتها على خشبة المسرح.
كيف نحيي العودة إلى تقاليد مسرحية خارج طقوس الاحتفاء؟
يكون ذلك بتوفير الأسباب والعوامل التي تساعد المسرح والمسرحيين على الاستمرار في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها الجميع، وهي عوامل يتحدث المسرحيون عنها منذ عشرات السنين.
المسرح.. الواقع والمأمول
هل مسرحنا بخير عموماً، لنتكلم عن الإرهاصات الجديدة لاسيما أن من يكتبون حالياً للمسرح أكثرهم من الأجيال الشابة؟
مسرحنا بخير مادام يجدّد نفسه باستمرار من خلال مجموعة من الأقلام الشابة التي تخوض غمار الكتابة المسرحية، ولكن من الملاحظ أن ما ينتقل من هذه المحاولات إلى خشبات المسارح هو أقلّ القليل لأن هذه الكتابات لم ترتقِ حتى الآن إلى المستوى المأمول من الكتابات الجديدة التي يُؤخذ عليها التصاقها التام بشخصيات كتّابها وعدم قدرتها على الخروج من بوتقة الدوران في فلك الكاتب وعالمه الخاص الذي قد لا يعني أحداً غيره.. في الوقت الذي لا تبدو فيه كتابات خريجي قسم الدراسات في المعهد العالي للفنون المسرحية قابلةً لتكوين حالة خاصة كما كان يُعتَقَد لأنها بقيت محاولات فردية ويتيمة عند الكاتب الواحد ولا تتجاوز حدود التجربة تمهيداً للانتقال إلى أنواع أخرى من الكتابة، وربما إلى مهن أخرى بعيدة تماماً عن العمل في المسرح.
الخطاب المسرحي الجديد
في ضرورات التأصيل لمسرح جديد يعزز ثقافة المسرح وثقافة التلقي هل نحتاج إلى استنهاض حياة مسرحية متجددة، وبأي مستوى تضع هذه الفرضية أو الأطروحة؟
لا شك بأن المسرحيين السوريين يمتلكون كامل الإرادة لبعث الروح دائماً في خشبات مسارحهم، ومن اللافت للنظر أن سنوات الحرب على سورية زادتهم رغبة في إثبات وجودهم ووجود مسرحهم، وهم ليسوا بحاجة سوى إلى المزيد من الإيمان بدورهم وقدرتهم على تقديم كل ما هو إبداعي ومتجدد في أعمالهم المسرحية.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: