الأحد, 20 أيار 2018
مجلة جهينة > تحقيقات > الدولة السورية تحتضن أبناءها..الوافدون إلى مركز إيواء الحرجلة: هكذا عشنا مع الجماعات المسلحة في الغوطة الشرقية
الدولة السورية تحتضن أبناءها..الوافدون إلى مركز إيواء الحرجلة: هكذا عشنا مع الجماعات المسلحة في الغوطة الشرقية

جهينة- عمر جمعة- نسرين هاشم:

عمرٌ مختلفٌ وولادة جديدة تَعِدُ وتبشّر بها الأيام المقبلة لنساء وشيوخ وأطفال سوريين اكتووا بنيران الحرب، استطاع الجيش العربي السوري خلال الأسابيع القليلة الماضية إخراجهم من المناطق والبلدات التي سيطرت عليها الجماعات المسلحة منذ سبع سنوات في الغوطة الشرقية. تأخذك الحيرة وتطويك الأسئلة لتقول في سرّك: هل كان هؤلاء كلهم ضحايا، أم إنهم شكّلوا في لحظات تضليلهم وضعفهم أمام إغراءات كثيرة حواضنَ (دافئةً) لتنمو تلك الجماعات وتنتشر كالسرطان وتحوّل أراضي الغوطة الخضراء إلى بؤر للتكفير والقتل والإرهاب وجرائم الاغتصاب والدعارة المنظّمة؟ ومن ثم يتطاول السؤال لتهمسَ في سرك أيضاً: كم سنةً نحتاج لنتمكّن من ترميم هذا الخراب الاجتماعي والتدمير النفسي الذي تعرّض له هؤلاء الناس (ربما بإرادتهم)؟، وكم من الوقت يلزمنا لإعادة تأهيل أطفال غُسلت أدمغتهم بفكر «وهابي» ظلامي باتوا إثره معبئين بالحقد والكراهية والنزعة الإجرامية المستترة؟! وبالتأكيد لسنا بوارد التعميم والحكم بمحاكمة هؤلاء الذين رزحوا خلال سبع سنوات تحت نير إرهاب منظّم لـ(يكفروا) بوطنهم وجيشهم وشعبهم، غير أن التناقضات التي شهدناها في أقوالهم واعترافاتهم كانت تقودنا إلى الأسئلة آنفة الذكر متبوعةً بسؤال كبير: لماذا لم ينتفضوا على جلاديهم الذين باعوا وتاجروا بكل شيء، ولاسيما أننا أمام أناس يبدو أنهم استنفدوا وخسروا كل شيء خلال السنوات الماضية، و(اليوم) يعودون إلى حضن الوطن ليكتشفوا حجم الأكاذيب والأباطيل وحملات التضليل والتزييف وقلب الحقائق التي تعايشوا معها مجبرين أو راضين، والوصول إلى يقين حتميّ وقناعة حقيقية بأن ملاذهم الآمن هو الوطن الواحد، وأن الجيش العربي السوري هو الذي يحميهم من كل خطر محدق أو محنة عابرة.
قدرٌ وألمٌ صامتٌ
آلاف القصص والحكايات المؤلمة المفجعة تتلمّسها وتشعر بوجعها وأنت تواقف تلك الوجوه الكالحة والعيون الصامتة الدامعة الحائرة، وقد أعياها البؤس وامتدت يد سنوات الحرب لتقطف أزهارَ عمرٍ شاءت الأقدار أن يعيشوه في ظل جماعات مسلحة وعصابات إرهابية تكفيرية سعت بكل ما تملك من روح الإجرام وغريزة القتل إلى تدمير البنية الاجتماعية ومحو كل أسباب الانتماء إلى وطن لم يقصّر أبداً مع أحد من أبنائه، ولاسيما وهو يفتح (اليوم) ذراعيه كأم رؤوم تؤمن بأن الأبناء حتى لو خطفهم العقوق وقلبت المغريات أدمغتهم سيظلون فلذة كبدها، تغفرُ لهم الأخطاء وحتى الخطايا، وتعفو عنهم وتهيئ المناخات الخصبة ليعودوا إلى حضنها.
أكثر من 20 ألف رجل وشاب وطفل وامرأة استضافهم مركز الإقامة المؤقتة في حرجلة بعد خروجهم من بلدات وقرى الغوطة الشرقية وبعد 7 سنوات من (التعايش) مع الجماعات الإرهابية، روى بعضهم لـ»جهينة» التي جالت في المركز واستطلعت أوضاعهم قصص وحكايات السنوات السبع الماضية، وكيف أُجبروا على البقاء مع مجرمين خرجوا على قوانين الدولة وارتهنوا لقوى خارجية كانت تستهدف تدمير سورية والفتك بالروابط والوشائج التي تجمع السوريين منذ آلاف السنين.
فرق تصلُ الليل بالنهار
في مركز إيواء بلدة حرجلة بريف دمشق – كما غيره من المراكز- والذي يضم أكثر من 600 وحدة سكنية ومئات الخيام، وافتتح منذ بداية سنوات الحرب على سورية بتوجيه من السيد الرئيس بشار الأسد للتخفيف من معاناة المهجّرين والنازحين، تقدّم محافظة ريف دمشق مختلف المستلزمات والاحتياجات للوافدين إلى هذا المركز، وتقوم بإيواء المواطنين الذين لجؤوا إلى حضن الدولة هرباً من إرهاب الجماعات المسلحة وحصارها، إذ إن عشرات الآلاف من المواطنين الخارجين من الغوطة الشرقية توزعوا على مراكز الإيواء بريف دمشق بعد أن استقبلهم الجيش العربي السوري على بوابات المعابر التي افتتحها لمن يودّ الخروج، مقدماً لهم بالتعاون مع الجهات المعنية والمؤسسات الحكومية والأهلية الإسعافات الأولية والمعونات الغذائية والإغاثية ريثما تنتهي وحدات الجيش من تطهير كل بلدات وقرى الغوطة من دنس الجماعات الإرهابية ومعاينة ما دمرته أدواتها الإجرامية ومن ثم يعود المهجّرون إلى منازلهم.. إذ تتوزع في شوارع المركز وبين أبنيته وخيامه الفرق التطوعية، كالأمانة السورية للتنمية والمجموعات الطبية والصحية التابعة لمنطقة الكسوة وصحة ريف دمشق والهلال الأحمر العربي السوري، جنباً إلى جنب مع «بصمة شباب سورية» وجمعية تنظيم الأسرة وفرق الدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي والمشرفين على تقديم وجبات الطعام والهدايا للأطفال الصغار، وموظفي بلدية حرجلة الذين يصِلون الليل بالنهار لتقديم الخدمات لضيوف المركز، فضلاً عن فرق خاصة تقوم بإجراء تقييم ومسح لاحتياجات الأهالي اليومية والإشراف على الحمّامات والنظافة الشخصية للوافدين، ولاسيما الأمهات والأطفال وتسليم هؤلاء الأمهات مواد تنظيف جديدة ومناشف وشامبو وصابون وبطانيات، إضافة إلى الملابس الداخلية والخارجية وفوط الأطفال، وتوزيع السلل الغذائية والمعلبات على ربّ كل أسرة، مع التركيز أكثر على الجانب الصحي، حيث تؤكد مها الرفاعي مسؤولة لقاح منطقة الكسوة أن الأطفال الذين حُرموا من اللقاحات والخدمات الطبية الأخرى يجري تعويض لقاحاتهم ضمن المركز بإعطائهم مختلف اللقاحات حتى عمر 10 سنوات، فضلاً عن لقاح الحصبة حتى عمر 12 عاماً، كما نقدم اللقاحات للنساء الحوامل اللواتي غابت عنهن الرعاية الصحية طوال وجودهن في الغوطة الشرقية، مضيفةً: إن مديرية صحة ريف دمشق وضعت فرقاً طبية متنقلة في المركز للكشف على الحالات المرضية ومعالجتها، وقامت سيارات الإسعاف بنقل المصابين والمرضى إلى المشافي للعلاج، إضافة إلى إجراء عمليات ولادة، وتسجيل جميع حالات الأمراض المزمنة وأمراض القلب وتأمين الأدوية اللازمة.
7 سنوات من الذل والمهانة والحرمان
ما بين خطوة وأخرى كنت ترى علامات الغبطة والسرور على وجوه أولئك الأهالي الذين خلّصهم الجيش العربي السوري من ذلّ ومهانة وقهر وحصار وإرهاب الجماعات المسلحة التي اتخذتهم طوال السنوات السبع الماضية دروعاً بشرية، وتسمعُ هتافات الشكر للسيد الرئيس بشار الأسد وبواسل الجيش العربي السوري على ما قدموه من تضحيات وجهود في سبيل إنقاذهم مع عائلاتهم وحمايتهم ورعايتهم وتقديم كل ما يلزمهم ويحقق كرامتهم، حيث يقول أنور السقرا من عربين: خروجنا من الغوطة يشبه الخروج من النار إلى الجنة، فقد عشنا سنوات من القلق والخوف والإرهاب والحرمان في ظل وجود الإرهابيين الذين قطعوا عنا كل أسباب الحياة، فبتنا أسرى لخلافاتهم والجوع والتهديد المستمر بالقتل ما لم ننضم إليهم، فكنا نأكل خبز الشعير لنعيش وكان سعر الكيلوغرام منه يصل إلى 2500 ليرة، أما أبناؤنا الذين تراهم فرحين بعد أن وصلوا إلى مركز الإيواء فقد انقطعوا عن مدارسهم وحرموا من الحليب والأرز، حيث كانت الجماعات المسلحة تسرق المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية وتوزع القليل منها فقط على الأهالي.
ويؤيده الطفل عناد قاسم الذي توفي والده وترك معه 3 إخوة وأمهم بالقول: إن المدارس كانت تداوم بشكل متقطع، حيث لا كتب ولا دفاتر ولا وسائط تعليمية، كما عمدت الجماعات المسلحة إلى منع الاختلاط وعزل الطلاب عن الطالبات، مشيراً إلى أنه وفي مدرسته الواقعة في حوش نصري والتي تستوعب مئات التلاميذ لم يكن يداوم أكثر من 100 تلميذ.
أما الطفلة بتول خالد (خامس ابتدائي) فقد أشارت إلى أن المنهاج الذي كانوا يتلقونه كان يقتصر فقط على مواد التربية الدينية والرياضيات، مؤكدة أنها امتنعت عن الذهاب إلى المدرسة أكثر من مرة خوفاً من جرائم الخطف والاغتصاب التي كان يتعرض لها الأطفال على يد المجموعات الإرهابية.
لا مناهج دراسية!
هذا الواقع المؤلم أكده الشاب كمال غازي من بيت سوا (28 عاماً) والذي خدم سابقاً في صفوف الجيش العربي السوري، ويطمح الآن إلى العودة بعد تسوية وضعه ليحارب تلك الجماعات التي أذلّت الأهالي وقهرتهم ومارست بحقهم أبشع الجرائم، مشيراً إلى أن إخوته الصغار امتنعوا عن الذهاب إلى المدارس بسبب خوفهم من الإرهابيين، فضلاً عن أن تلك المدارس كانت غير مجهزة بأي مستلزمات تعليمية ولا مناهج دراسية، إنما كانت تعتمد فقط على تجميع الأطفال وتلقينهم دروساً دينية مغايرة للمناهج التي يدرسها الطلاب السوريون في مدارسهم.

وعن واقع العمل أكد كمال أنه كان يعمل في تجارة الموبيليا وتصنيعها قبل الحرب، وأن الشباب الذين رفضوا الالتحاق بالجماعات المسلحة لجؤوا نتيجة توقف مهنهم إلى العمل في فلاحة وزراعة الأرض وتجميع الخردة ليعيشوا نتيجة الغلاء الفاحش في الغوطة، واقتصر أكلهم على خبز الشعير وأحياناً الزعتر مع الماء لأن الزيت لم يكن متوفراً، إضافة إلى غياب الكهرباء ووسائل التواصل، إذ منعت ذلك الجماعات المسلحة للحيلولة دون التواصل مع أقاربهم وخاصة الذين يخدمون في الجيش وقوى الأمن، مشيراً إلى أن الإرهابيين كانوا يطلقون النار على كل من يفكّر في الخروج، إلى أن جاء بواسل الجيش العربي السوري ورفعوا عنهم الحصار ونقلوهم إلى مركز الإيواء.
أطنان من الأغذية والأدوية المخبأة
بحسرة ومرارة يستعيد أحمد الجاسم (أبو عمار) قساوة الأيام الصعبة التي قضوها ولا يمكن أن تُنسى أو يتصورها عقل، وخاصة بعد نزوحهم من حوش نصري نحو بلدة مسرابا حيث احتجزهم الإرهابيون ومنعوهم من العودة أو الخروج من الغوطة.. (أبو عمار) الذي جاء برفقة أبنائه وبناته الأربع إلى مركز الإيواء تحدّث عن ندرة المواد الغذائية وأدوية الأمراض المزمنة وتعطّل المدارس وشلل الحياة العامة، مؤكداً أن الجيش العربي السوري استطاع إخراجهم، وليكتشف أطنان الأغذية والأدوية المخبأة في مستودعات الجماعات المسلحة التي كانت تشتبك يومياً فيما بينها وتقتتل على المكاسب والمساعدات وتنهب مزارع الأهالي وتسلبهم أرزاقهم ومواشيهم، كما كانت تمنعهم من الخروج إلى الشوارع لتأمين احتياجاتهم وتفرض عليهم حظر التجول، وتنشر الحواجز وتقيمها بين البلدات بعد تقسيمها إلى قطاعات وكل قطاع لجماعة دون غيرها، وتتحكم بحركة البيع والشراء، إذ وصل سعر ربطة الخبز إلى 800 ليرة وكيلوغرام السكر إلى أكثر من 2500 ليرة.
وتؤيده (أم سليمان) من بلدة العبّادة ونزحت قبل خروجها إلى منطقة حزّة بالقول: كنا نعيش على طحين الشعير، نشتري الكيلوغرام بـ2500 ليرة ونخبزه قطعاً صغيرة حتى يكفي الأسرة كلها المؤلفة من 15 شخصاً، وكان أطفالنا الصغار يبحثون عن البلاستيك والنايلون ويبيعونه لنشتري مؤونتنا ونؤمّن الحدّ الأدنى من مستلزمات واحتياجات معيشتنا.
دروع بشرية
أما علي خالد نصر (أبو خالد) من حتيتة التركمان، الذي خرج من الغوطة برفقة أبنائه الأربعة وبناته الخمس وكان يعمل فلاحاً، فقد استنكر تهديدات الجماعات المسلحة وادعاءاتها بأن الجيش السوري سيقتلهم ويعتقلهم، مؤكداً أن تلك الجماعات اتخذتهم طوال السنوات الماضية دروعاً بشرية، ولاسيما بعد هزيمتها في المليحة ودير العصافير والنشابية، بل أجبرتهم على النزوح إلى بلدات حمورية وجسرين وعين ترما وعمق الغوطة الشرقية.. (أبو خالد) الذي يمتلك أكثر من 70 بقرة و200 رأس من الأغنام أكد أن تلك الجماعات كانت تبتزهم وتطلب 100 ألف ليرة ضريبةً عن إخراج كل بقرة أو نقلها من منطقة إلى أخرى، معترفاً بأن أهالي الغوطة ممن سكتوا على ممارسات الإرهابيين خسروا أراضيهم وأرزاقهم وممتلكاتهم بسبب جهلهم وعدم تربية أولادهم تربيةً صحيحةً، حيث باتت الغوطة مأوى للزعران والخارجين على القانون.
معاناة الأهالي
يستذكر جميل عيسى قساوة تلك الأيام بالقول: أنا من بلدة حمورية التي شهدت وضعاً مأساوياً، فالأسعار فيها مرتفعة جداً والأدوية نادرة حيث تحتكرها الجماعات المسلحة، وكانت حياتنا الاجتماعية بحالة عدم، إذ لا نستطيع الخروج والتحرك كما نشاء، ونشتري السلع البسيطة بأغلى الأسعار، فإذا أردتُ مثلاً شراء تفاحة لابني الصغير فإن ثمنها 1500 ليرة، مضيفاً: إن المسلحين كانوا يشتبكون فيما بينهم فخرّبوا الأراضي وانتهكوا حرمتها، حيث أحرقوا مواسم القمح والشعير ولم يجرؤ أحد منّا على الاعتراض أو لومهم على أفعالهم الإجرامية، واستمررنا على هذه الحال حتى دخل الجيش العربي السوري وفتح لنا الممرات لتأمين خروجنا.

بدورها (أم ياسين) قالت: أنا من حمورية وجئتُ إلى مركز الإيواء برفقة أبنائي الخمسة على الرغم مما أشاعه المسلحون عن (صعوبة العيش هنا وما قد يفعله بنا الجيش)، مضيفة: في أول فرصة أتيحت لي ولأبنائي حزمنا أمتعتنا وهربنا من هناك ولم نرَ من أبطال الجيش العربي السوري إلا الحب والاحترام والمعاملة الحسنة، فهم أبناء بلدنا وأحسسنا بالأمان عندما التقينا بهم، فلقد جاء من يخلّصنا من الرعب الذي عشناه طوال السنوات الماضية، حيث كان وضعنا صعباً جداً في حمورية، ولم نشعر أبداً بالراحة، فالمسلحون كانوا يضيّقون علينا ويكتمون أنفاسنا، وكثيراً ما فكّرنا في الخروج لكنهم منعونا وأجبرونا على العيش معهم والقبول بأسعارهم الغالية و(قوانينهم) المقيتة وأدويتهم الفاسدة التي كانت من صنع أيديهم، مؤكدة أنها كانت تعتمد على طب الأعشاب والكمّادات الباردة في أوقات مرض أولادها كي لا تلجأ إلى أدويتهم.
وتابعت (أم ياسين): رغم الأوضاع الصعبة ومرارة العيش وحالة القهر إلا أننا تمسّكنا بالحياة والأمل بالخلاص من ظلم أولئك المجرمين، وكنا نحزن بشدة عند سماعنا أخبار سقوط القذائف على دمشق وسكانها الذين يتركون غصّة في قلوبنا باستشهادهم إثر هذه القذائف أو السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة.
في أقبية (سجن التوبة)
أما عن الجرائم المرتكبة بحق الأفراد الرافضين لوجود المسلحين في الغوطة فقد قال ديب ممدوح ورد: أنا من بيت نايم ونزحتُ إلى حزّة قبل أن يؤمّن الجيش العربي السوري خروجنا منها، مضيفاً: لقد اعتقلني إرهابيو ما يسمى «جيش الإسلام» انتقاماً من أخي الذي خرج وتصالح مع الدولة، وسُجنت مدة سنة وتسعة أشهر، وكسروا لي يدي ورموني من دون علاج في أقبية (سجن التوبة) وجلدوني بـ»الكرباج»، ووجّهوا لي (تهمة) مصالحة مع الجيش العربي السوري، وكانوا للأسف يدّعون أنهم شيوخ ورجال دين وأنهم (قياديون) ولم يكن فيهم من ذلك شيء، كاشفاً أن المسلحين دخلوا إلى بيت نايم التي كانت ترفض وجودهم واجتاحوها، وصادروا ممتلكات الأهالي وفتكوا بهم، ودمروا البيوت، وسجنوا ما يقارب 280 رجلاً في حملة 14/1/2015 وإلى الآن مازالوا مسجونين.
وتابع: في السجن تعرفت إلى الكثير من الناس المظلومين، فقد يُسجن شخص من أجل حبة خضار يسرقها بسبب الجوع الذي كان يُفرض على الأهالي، ويأتي أهل السجين يتوسلون المسلحين ويبكون أمامهم فيطردونهم قائلين لهم: «عندما يتوب نخرجه من السجن»، مضيفاً: رأينا مختطفين من عدرا العمالية مع عائلاتهم في (سجن التوبة)، قالوا عنهم إنهم ضباط في الجيش العربي السوري اعتقلوهم من عدرا، بينما هم في الحقيقة عمال عاديون أغلبهم يعمل على بسطات ليؤمّنوا وسائل عيش عوائلهم.
جرائم بحق الحجر أيضاً!
وعن جرائم المسلحين بحق الحجر والشجر قال ديب: توجد في الغوطة أشجار زيتون يصل عمرها إلى 2000 عام تم اقتلاع ما يقارب 280 دونماً منها، فقد تعاملَ المسلحون مع أصحابها على أساس (ديني ومناطقي)، وفرضوا على صاحب الأرض أن يدفع إيجار استثمار أرضه مع أنها ملكه الحقيقي، وإن لم يدفع فهو معرّض للسجن والتعليق في سقف الزنازين والأقبية المظلمة، بل لم يتوانَ إرهابيو «جيش الإسلام» عن ذبح الأبرياء وخطفهم بتهمة «العواينية» للجيش السوري كما يزعمون، مضيفاً: لذلك وبعد كلّ ما رأيناه من قواتنا المسلحة ومؤسسات الدولة بتأمين المسكن والمأكل والمشرب والدواء أيضاً، أنصح كل شخص موجود عند المسلحين بأن يخرج بعائلته ويأتي إلى هنا حيث الأمان والطمأنينة.
ويؤيده حسين مرعي خليفة بالقول: أنصح وأناشد الأشخاص الذين ظلوا في حمورية بألا يخرجوا إلى إدلب أو غيرها من مناطق المسلحين الثانية، وألا يستمعوا لما يقوله المسلحون بأنكم ستكونون (دروعاً بشرية) للجيش العربي السوري، بل إن بقاءكم في حمورية يجعلكم دروعاً بشرية للمسلحين، مضيفاً: إن معظم من كانوا في مناطق المسلحين يعملون رعاة أغنام أو فلاحين أو في جمع القمامة وليس كما يظنّ البعض أنهم يعملون مع تلك الجماعات، كاشفاً أن الجيش استقبل الأهالي وقدّم لهم كل شيء حتى «الدخان» الذي يشترون العشر سجائر منه بـ 3 آلاف ليرة.
تجارة بالأرواح والأعراض
من جهتها (أم خالد) قالت: خرجتُ أنا وعائلتي من حمورية بعد سبع سنوات من الجحيم الذي عشناه، فقد توفي ولداي وزوجي الذين كانوا يعملون على بسطة خضار، وبقيتُ مع بناتي الأربع حيث أصابنا الجوع والهرم وتعذبنا، فلا طعام ولا شراب والغلاء أحرق قلوبنا، وإذا احتاج طفل رضيع إلى كأس من الحليب (المخزّن في مستودعاتهم) فسيحتاج إلى ملعقة سكر ثمنها 500 ليرة، مضيفةً: إن مسلحي ما يسمّى «فيلق الرحمن» و»جيش الإسلام» تاجروا بأرواحنا وأعراضنا، وتركونا للخوف والجوع والحرمان الذي أهلكَ أطفالنا، اللهم انتقم منهم ومن كل من تاجر بنا وجوّع أطفالنا وهتك أعراضنا.
خروجٌ إلى الأمان
بغبطة وفرح عبّر عنهما عبد السلام صلاح الدين غنافر بالقول: أحيي سورية وجيشها وشعبها وقائدها وأبارك لهم بالنصر، مضيفاً: عند دخول الجيش إلى مدينة حمورية ارتاح الأهالي كثيراً فقد أخرجهم بأمان وسلام بعد أن كان الإرهابيون يطلقون النار عليهم.. هؤلاء الإرهابيون الذين أتمنى أن يخرجوا إلى خارج سورية وليس إلى إدلب، وتابع: أنا من بلدة حمورية وخدمتُ في الجيش العربي السوري في الدفاع الجوي، وبَصَمْتُ للسيد الرئيس بشار الأسد بالدم وكنت ومازلت أعتزُ بعلَم بلادي الذي رفعناه أكثر من مرة في الساحات وتعرّضنا لإطلاق الرصاص لأننا كنا نخرج بمسيرات مؤيدة للجيش العربي السوري مطالبين بخروج المسلحين، مضيفاً: كنتُ أعمل بمهنة البلّاط وتوقف عملي خلال السنوات السبع الماضية فعملتُ بتجارة الأواني المنزلية، وخرجتُ مع عائلتي من حمورية تاركاً بضاعة بما يقارب ثلاثة ملايين ليرة، ولابد أن أذكر هنا أن من حماني وحمى أولادي هو أحد أفراد الجيش العربي السوري، إذ وضع الدبابة بيننا وبين رصاص المسلحين قائلاً: «اخرجوا مسرعين يا إخوتي أنا سأحميكم».
وتوجّه غنافر بنصيحة للعائلات والأشخاص الذين ذهبوا إلى إدلب ولم يرتكبوا أي جرم بالعودة إلى حضن الوطن الأم، مناشداً السيد الرئيس بالقصاص ممن خرجوا وأيديهم ملطخة بالدماء، أما أولئك الذين غُرّر بهم من أجل رغيف الخبز فالأمل أن يشملهم عفوٌ كريمٌ عن الجنح والأخطاء التي ارتكبوها مرغمين.
الخطيب: السكان في الغوطة طبقتان
بعد جولتها التقت «جهينة» رئيس بلدية حرجلة والمشرف على مراكز الإيواء عبد الرحمن الخطيب الذي قال: تمت استضافة نحو 20 ألف مواطن ممن خرجوا من الغوطة الشرقية وذلك باستنفار حكومي وجهود كبيرة لتأمين السكن والطعام والشراب واللباس وأيضاً التعليم، وقريباً ستبدأ برامج التعليم ضمن المركز، إذ وجّه المحافظ بدخول كل الطلاب إلى المدارس وسيتم التركيز على طلاب الشهادات وتكثيف الدورات لهم ليلتحقوا بالامتحانات النهائية، مضيفاً: من جانبها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قامت بتأمين أكثر من 1500 طن من المساعدات بالتعاون مع محافظ ريف دمشق الذي حرص في الأسبوع الأول على التواجد بشكل يومي لتأمين النقص الذي يحصل في أي مجال، متوجّهاً بالشكر إلى غرف الصناعة والتجارة التي قدمت نحو 600 طن من المواد الغذائية ومواد التنظيف، كما شكر فريق الأمانة السورية التطوعي وكلّ من قدّم أية خدمات للوافدين إلى المركز.
على صعيد آخر أشار الخطيب إلى أن هناك عائلات تحمل بطاقات شخصية ووثائق عائلية ممنوحة مما يسمى «جبهة النصرة» و»جيش الإسلام»، وهذه العائلات تحتاج إلى معالجة أوضاعها وقد تم تنظيم ما يقارب 2400 ضبط شرطة، مضيفاً: إن فريق الأمانة السورية للدعم القانوني يعمل ويسعى لتسجيل الأطفال غير المسجلين على السجلات السورية وعددهم 3 آلاف طفل جاؤوا نتيجة ما يسمّى «زواجاً شرعياً» أو (عقود زواج عابر)، لكن ما يتعبنا نفسياً أكثر هو الأمهات اللواتي أنجبن أطفالاً لا يعرفن من هو والدهم الحقيقي، كاشفاً أن وزارة الداخلية قدمت نقطة لتنظيم الضبوط لمعالجة مثل هذه الحالات في المستقبل.
وأضاف الخطيب: العدد الموجود حالياً في المركز هو نحو 20 ألف وافد، يحمل بعضهم شهادات ووثائق وثبوتيات غير معترف بها هنا، مثل: شهادة ثانوية تحمل (ختم جبهة النصرة)، وعقود زواج نظّمها أشخاص من دون أهلية لمثل هذه العقود، وشهادات ميلاد لا تحمل أي شرعية، وعرضَ الخطيب هنا شهادة ميلاد لطفل من مواليد 9/9/2015، مؤكداً أن الوافدين قاموا بتسليم الأوراق غير النظامية الخاصة بهم ليستلموا أوراقاً سورية تثبت شخصياتهم.
ونوّه الخطيب بفرحة الأهالي الموجودين في المركز بعد تخلّصهم من الجحيم الذي كانوا يعيشونه، مبيناً أن ما كان يدخل إلى الغوطة عن طريق المنظمات الإنسانية كان يتمّ بيعه للأهالي، فالسكان في الغوطة طبقتان: طبقة الإرهابيين الكبار الذين تاجروا بدم الأطفال والشيوخ والنساء وغنموا ملايين الدولارات، أما الطبقة الثانية فهي طبقة الدروع البشرية التي كان الإرهابيون يتخذونها حمايةً لهم، وهذه الطبقة هي التي أتت إلينا، وضمنها أطفال بعمر ست أو سبع سنوات لا يعرفون إلا ما تعلموه في تلك المناطق، كاشفاً أن محافظ ريف دمشق وجّه فرق الدعم النفسي بالتعاون مع بعض المنظمات لتخليص هؤلاء الأطفال من الفكر الذي يحملونه في عقولهم، كما أن وزارة الأوقاف تقوم (يومياً) بإرسال ثلاثة أو أربعة شيوخ ليغيروا الفكر الذي يحمله الأطفال، حيث إن سبع سنوات من الفكر الظلامي تحتاج إلى مجهود كبير حتى يتمّ محوها.
وتابع الخطيب: تم تقسيم المركز إلى قطاعات يقوم على رعايتها 400 شخص متطوع، وأتوجه هنا عبر مجلة «جهينة» بالشكر للجمعيات والأشخاص الذين قدّموا ويقدمون كل المعونات والمساعدات لأهالي الغوطة الشرقية في المركز من غذاء وكساء، فضلاً عن وجود 13 نقطة طبية وسيارات متنقلة وكذلك توجد نقاط طبية من وزارة الصحة والهلال الأحمر العربي السوري تم فيها إعطاء اللقاحات لأكثر من ستة آلاف طفل من عمر يوم حتى 12 عاماً.
وفي ختام حديثه توجّه عبد الرحمن الخطيب بتحية إكبار وتقدير للسيد الرئيس بشار الأسد الذي وجّه باحتضان هؤلاء المهجّرين والوافدين وتقديم كل أسباب الحياة الكريمة لهم، كما شكر شركة MTN التي تقوم بتوزيع شرائح الاتصال مجاناً على الأهالي للتواصل مع أقاربهم وذويهم وطمأنتهم عن الأمان الذي يعيشونه في المركز.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: