الأحد, 20 أيار 2018
مجلة جهينة > تحقيقات > رواتب متدنية ومعاملة سيئة وتهديدٌ دائمٌ بالطرد عمال النظافة.. تحت رحمة الشركات الخاصة
رواتب متدنية ومعاملة سيئة وتهديدٌ دائمٌ بالطرد عمال النظافة.. تحت رحمة الشركات الخاصة
جهينة- وائل حفيان:
عمال النظافة في سورية، شريحةٌ من المجتمع، يعملون بصمت من دون أن يجدوا صوتاً ينطق باسمهم في ظل واقع مزرٍ ومعاملة أشبه بالإذلال من أصحاب العمل أو متعهدي النظافة أو حتى بعض الناس.. نجدهم في كل مكان عام وخاص، نصادفهم في الصباح الباكر وفي ساعات متأخرة من الليل، يحملون أدوات التنظيف ومواده التي تسبّب الكثير من الأمراض، منهمكين في حفظ الأمن الصحيّ للمواطنين مقابل أجر شهري زهيد لا يكفي أجور مواصلات وحقوق اجتماعية مهضومة، ومن دون أي عقد يؤمّن لهم حياتهم أو أية إصابة تنتج عن العمل، وكل هذا في ظل رقابة غائبة من الجهات التي يجب أن تنصفهم وتسعى للحفاظ على صحتهم وأجورهم أسوة بالبلدان الأخرى.. وبعكس بعض الدول التي رفعت لهم نصُباً تذكارية في الساحات العامة (تقديساً) لمهنتهم، يبقى عامل النظافة في سورية مثار شفقة نظراً لوضعه الاجتماعي الهشّ الذي يبدو على ظاهره، وهذا ما تجلّى في لقاءات عدة أجرتها «جهينة» مع عدد من عمال النظافة في بعض الدوائر الحكومية، حيث يبقى الخيط الناظم الذي يجمع هذه الفئة من المجتمع هو لجوؤها الاضطراري إلى هذه المهنة الشاقة إما بسبب عالة مادية أو طلاق أو مخافة تشرّد أسريّ أو ظروف راهنة فرضتها الحرب على سورية.
شروط عمل سيئة
«القطاع الخاص (حرامي) ليس له أمان والقطاع العام أضمن رغم علله الكثيرة».. بهذه الكلمات بدأ (أبو وليد) حديثه ليعبّر عن معاناته في عمله كعامل نظافة في القطاع الخاص، مختصراً مرارة عمال هذا القطاع الخدمي، ويتابع أبو وليد: إن أغلب متعهدي النظافة يقومون بغش مواد التنظيف من خلال استلام الفوارغ من العمال ليعيدوا تعبئتها من جديد بمواد أقلّ فاعلية ولا تناسب العقد المبرم مع الجهة المستفيدة، مضيفاً: كما أن المتعهد لا يقوم بإبرام عقود مع العمال ويختصر عددهم لتوفير المال على حساب صحة العامل وجهده.
لا قانون يحاسب أو يردع
لم يتمكّن العامل سمير (38 عاماً) من ريف دمشق من سداد الديون المتراكمة عليه لبعض البقاليات التي يستدين منها كل شهر بسبب المبلغ الزهيد الذي يتقاضاه مقابل عمله في إحدى شركات النظافة بدمشق، إذ يعيل أسرة مكونة من 7 أفراد، ويتقاضى من عمله راتباً مقداره 18 ألف ليرة سورية شهرياً، لا يستطيع من خلاله توفير أدنى احتياجات أسرته ومستلزماتها، ويوضح أن راتبه الأساسي (18 ألفاً)، ولا يتقاضى منه سوى 15 ألفاً، وأحياناً كثيرة يمرّ عليه أكثر من شهر لا يتقاضى ولا ليرة، بل يذهب الراتب لشراء أدوية بسبب مرضه بالربو، مضيفاً: «ما رماك على المرّ إلا الأمرّ منه، نعيش في جحيم، وصرنا لقمة سائغة لأصحاب الشركات الذين لا يهمّهم سوى جمع المال من ظهر العمال الفقراء، وللأسف لا قانون يحاسب أو يردع، ولا جهة تراقب!».
هناء (35 عاماً) تعمل في إحدى كليات جامعة دمشق بصفة عاملة نظافة (مياومة) قالت: أنا مطلّقة منذ سنوات، ولي ابنة وحيدة تدرس في الإعدادية ومن أجلها أعمل، مضيفة: إن زوجها كان يتكفل بالمصروف المنزلي، إلا أن الطلاق جعل ثقل المسؤولية الاجتماعية يقع على كاهلها، مؤكدة أن الأجر الشهري الذي تتقاضاه من المتعهد لا يكفي للمواصلات ما يضطرها للاستعانة بباصات الجامعة التي تقلّ الموظفين لتوفير الراتب الذي لا يتجاوز 18 ألف ليرة سورية، ويُصرف على التزامات الطعام فقط.
لا عقود عمل
أما (أم إبراهيم)، التي تعمل لدى شركة خاصة بالتنظيفات وتخدّم بعض الشركات، فتقول في حديثها لـ»جهينة»: إن وقت العمل وجودته وظروفه مع أجره الزهيد لا يلبي طموحها، مضيفة: تختلف ساعات العمل في أماكن العمل ما يضطرني للعمل بأكثر من مكان حيث يتجاوز عدد ساعات العمل 10 ساعات، مؤكدة أن عملها في أكثر من مكان وبأجر قليل أُجبرت عليه لتأمين بعض احتياجات أسرتها.
(أم يزن) تعمل في إحدى شركات النظافة منذ 3 سنوات، أكدت أنها تشتغل كل هذه الفترة من دون عقد عمل، وأكثر ما تعانيه هو المعاملة السيئة من المسؤول عن عمال النظافة في الشركة وتهديده الدائم لهم بالطرد. أما الشاب حسين، فإضافة إلى عمله كعامل نظافة في القطاع الحكومي، فإنه يعمل لدى إحدى الشركات الخاصة في ورشات تنظيف المنازل التي تطلبه في المهمات المستعجلة أو المسائية أو البعيدة –وفقاً لتعبيره– بأجور مختلفة حسب حجم العمل الذي يقوم به.
أمراض وواقع سيئ
يقول (جميل. ح) مشرف على ورشة تنظيف: يعمل في المؤسسات الحكومية الكثير من العمال الذين يتبعون لشركات تنظيف خاصة ضمن ظروف عمل سيئة جداً، حيث ينظف كل عامل من هؤلاء العمال الممرات والطوابق والأبنية الكبيرة في مختلف ظروف الطقس، إضافة إلى تفريغ حاويات القمامة الثابتة ضمن الأبنية ونقلها إلى عرباتهم، ويتمّ ذلك العمل كله بشكل مباشر من دون وجود أي ملابس واقية أو أدوات صحية، كالكمامات أو القفازات التي تقي هذا العامل من الاحتكاك بهذه المواد، التي قد تحوي في الغالب مواد سامة تنتج عن تفاعلات مواد غير متجانسة، إضافة إلى مخلفات المشافي من (سيرنكات) ونفايات طبية، ما يؤدي إلى ظهور أمراض عدة بين هؤلاء العمال، مثل الحساسية الشديدة والجرب والربو وأمراض جلدية خطرة وتسمّم بالرصاص وأمراض الكلى والعيون وأمراض مجهولة أخرى، وما «يزيد الطين بلّة» أن هؤلاء محرومون من عقود العمل والضمان الصحي، وخاصة أن عملهم من الأعمال المصنفة خطرة، لذلك ينبغي تسجيلهم في الضمان الصحي، وأن تعمل هذه الشركات على إجراء فحوصات دورية وشاملة لهم للكشف عن أمراض المهنة قبل حصولها، لأن هؤلاء العمال لا يستطيعون برواتبهم الهزيلة تأمين الأدوية ومصاريف العلاج إن حصل وأصابهم أي مرض.
شركات غير مرخصة!
من جهته أوضح (محمد. ف) صاحب إحدى شركات النظافة في دمشق أن ملف عمال شركات النظافة شائك جداً، ورواتبهم منخفضة جداً ولا يتقاضونها باستمرار، كما أن عملهم ينقل لهم الكثير من الأمراض، وبعض الأحيان لا يجدون الاحترام من الناس، فهم ببساطة مجنيّ عليهم، مؤكداً أن معظم شركات النظافة، التي لا تحمل أي ترخيص في سورية، لا تلتزم بالقانون الذي يحمي عامل النظافة، وتعطي العامل راتباً أقلّ من المتفق عليه، مضيفاً: هناك أصحاب شركات لا يرتقون للحدّ الأدنى من أخلاقيات المهنة، فهم يشغلون العامل دون مقابل ينصفه، إضافة إلى أن عقد العمل الذي يجب أن يُبرم مع العامل يجب ألا يقلّ أجره عن 50 ألف ليرة سورية شهرياً، لكنه لا يتقاضى سوى 18– 20 ألفاً وأحياناً 15 ألفاً بحجة أنه يعطّل يوم الجمعة، من دون أن يبقى المبلغ المقتطع منه كمستحقات عطلة أو إجازة للعامل.
ويتابع: لذلك نطالب الجهات المعنية بتطبيق قانون الحدّ الأدنى للأجور على عمال النظافة، لأن المبلغ الذي يتقاضاه العامل لا يكفي لسداد الديون المتراكمة عليه، ولا يوفر له ولأسرته أدنى مقومات الحياة الكريمة، لافتاً إلى أن الأجر الشهري لهؤلاء العمال يبقى متصلاً بالواجب الشهري الذي تتلقاه الشركة من طرف الجهة المانحة للعقد الذي تُقدّر قيمته بالملايين، ولا يمكنها أن تلبي كل الحاجات المرجوة من الأجر الشهري لعمال النظافة لأنه المصدر الوحيد لأرباح الشركة.
شروط محددة لقبول العارض
«جهينة» توجّهت إلى المهندسة خولة بشارة مديرة الشؤون الهندسية في جامعة دمشق للوقوف على الآليات التي تُستخدم في استقدام عقود النظافة والعقوبات التي تترتب على المخالفات، حيث أكدت أن المكاتب الفنية في الكليات والمعاهد والمؤسسات تقوم بإعداد الشروط الفنية للتنظيف، ثم يتم تدقيقها من مديرية الشؤون الهندسية، مبينة أن الشؤون الهندسية قامت مؤخراً بإنشاء (أكواد) لكل مديرية أو كلية تتضمن المساحة وأعداد الطلاب والعاملين، كما تمّ توحيد أسعار مواد التنظيف وكل الشروط الفنية، وبعدها ترسل الشروط إلى مديرية العقود للإعلان عنها.
وأشارت بشارة إلى أنه يجب أن تتوفر بالعارض شروط محددة ليستطيع التقدم للمناقصة، أهمها شهادات خبرة بمجال التنظيف ومستوى الأداء في العمل، وأن تكون لديه أعمال مماثلة، مبينة أن المتعهد الذي لديه أكثر من إنذارين يتمّ استبعاده من المناقصة.
تنفيذ خجول
قالت بشارة: بعد أن يرسو العرض على أحد المتعهدين يتمّ تنظيم العقد وأمر مباشرة بدء العمل، وتشرف عليه لجان إشراف من الجامعة والكلية لمتابعة عمل المتعهد، موضحةً أن تنفيذ عقود التنظيف يكون الأداء فيها خجولاً في ظل غياب الحلول، التي تتمثل بالمتابعة من المسؤولين أو المديرين في مكان العمل، كاشفةً أن الجامعة تقدّمت بدراسة تشمل اللجان المشرفة على عقود التنظيف، وأن تكون هناك نسبة حسم 20% من المتعهد الذي لا يقوم بتنفيذ صيغة العقد بشكل جيد، والتي تعود للشؤون الهندسية، وهدفها ردع مخالفات المتعهدين.
القانون مع المخالف!
عند طرح المشكلة على خبراء في الجانب الحقوقي والأكاديمي رأى الأستاذ في كلية الحقوق- قسم القانون الخاص الدكتور جمال مذكور أن العقوبة لمخالفة أي مادة من مواد قانون التأمينات بالنسبة لصاحب العمل هي عبارة عن تشجيع لصاحب العمل على مخالفة قانون العمل ويعتبرها مكافأة له، مشيراً إلى أنه في حال وجود مخالفة لمواد القانون المتعلقة بالتأمينات لا يخالف صاحب العمل إلا بحدود ألف إلى خمسة آلاف ليرة سورية، وهذه المخالفة لتمكين الشركة أو الشخص القوي مالياً من أن يبقى مستمراً في المخالفة.
غياب التمكين العمالي
اعتبر مذكور أن غياب الرقابة وأيضاً غياب التمكين العمالي وكذلك غياب مفهوم النقابات تعدّ مخالفةً لاتفاقيات العمل الدولية، مبيناً أن العمال يعيشون ظروف عمل جبري معاصرة ومقوننة ومقننة وكل السبل القانونية تحميها، مضيفاً: إن أي شخص يمكن أن يخضع للعمل الجبري من دون أن يعي أو يدري، وهنا يجب تطبيق معايير العمل الدولية المتعلقة بالعمل اللائق والأجر اللائق، مبيناً أن التأمينات الاجتماعية إذا ما أغفلها صاحب العمل و»طنّش» عنها فإنه لا يُعاقب بأكثر من ألف إلى خمسة آلاف ليرة سورية، وهذا ما يمكّنه من تجميع الأموال والثروات على حساب هؤلاء العمال.
مخالفة بغطاء قانوني
وقال مذكور: إن العاملين بعقود النظافة في الجهات العامة أحياناً يكون أجرهم المعلن (شيء) والمعطى لهم (شيء) آخر! وهذا بمقاييس منظمة العمل الدولية، وفق مفهوم الأجر، شكل معاصر من أشكال (العبودية) والعمل الجبري بغطاء قانوني، مشيراً إلى أن مؤشرات العمل الجبري والعبودية هي انخفاض الأجر عن الحدّ الأدنى لتأمين الحاجات الأساسية للحياة بهامش كبير، بحيث يصبح الحصول على فرصة عمل أمراً نادراً، وترك العمل يؤدي إلى المجاعة والتشرد، موضحاً أن هامش ربح عقود النظافة يُقدّر بملايين الليرات، ولكن لا أحد من العمال يشتكي من تدني الأجور، مضيفاً: إن الجهة المسؤولة عن العقد يجب أن تقوم بدورها الرقابي بشكل جيد لإنصاف هؤلاء العمال المظلومين.
فقط ممثلٌ واحدٌ للعمال
اعتبر مذكور أن هناك غياباً لفهم رجال القانون حقيقة مشكلة العمل الجبري والأجر العادل، وهذا مخالف أيضاً لاتفاقية منظمة العمل الدولية التي تنصّ على تأمين العيش اللائق بالكرامة الإنسانية، والذي أطلقته منذ عام 1999، مبيناً أن العمل سلعة ويجب أن يخرج من إطار الرق والعبودية.
وختم مذكور حديثه بالقول: يجب أن يتمّ تنظيم ورشة عمل قانونية يُدعى إليها ممثلون من وزارة العمل ووزارة المالية وعدة وزارات معنية، إضافة إلى اتحاد نقابات العمال لمناقشة اللجنة الوطنية المعنية بوضع الحدّ الأدنى للأجور في سورية، مشيراً إلى أن اللجنة تتضمن ثمانية أعضاء يمثلون الحكومة والقطاع الخاص وواحداً فقط يمثل العمال.
للإنصاف والتحفيز
وأخيراً.. يجب أن يشعر عمال النظافة بالأهمية والتقدير لما يقومون به من مهام صعبة وشاقة، ويتمّ احترامهم من المجتمع وتقدير مجهودهم وأعمالهم المبذولة للمحافظة على نظافة البلاد، كما ينبغي رفع أجورهم كي يستطيعوا توفير حياة كريمة لهم ولأسرهم، وأن يتم سنّ قانون يُجرّم إهانة هؤلاء العمال البسطاء أو معاملتهم بسوء أسوة بباقي الشعوب حول العالم.
حيث نرى أن عامل النظافة في بلدان كثيرة يحتل الترتيب الأعلى في سلم المهن والوظائف مادياً واجتماعياً، وهذا ما نتمناه لعمال بلادنا من اهتمام وتقدير واحترام لهم ولذويهم وأعمالهم ومجهودهم الذي من دونه يصبح المجتمع موطناً للأوبئة وبؤرة للأمراض الخطرة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: