الإثنين, 23 نيسان 2018
مجلة جهينة > تشكيل > مخلص الورّار.. التماهي المدهش بين (الإعلامي) و(الفنان)
مخلص الورّار.. التماهي المدهش بين (الإعلامي) و(الفنان)
د. محمود شاهين

ثمة ظاهرة لافتة للانتباه عاشتها وتعيشها الثقافة الإنسانيّة بعامة، والفنون البصريّة منها بشكل خاص، هي قيام المبدع بممارسة أكثر من جنس ثقافي وفني في آنٍ معاً، أو قيام متخصص بالعلوم التطبيقيّة (كالطب، والهندسة) بممارسة الفن جنباً إلى جنب، مع مهنته. في مجال الفنون التشكيليّة، حيث يبدو الأمر طبيعياً، أن يقوم المصوّر والنحات بممارسة الحفر المطبوع، ويقوم الحفّار بممارسة النحت والتصوير، أو الجمع بين هذه الفنون كافةً في عمل واحد، لاسيّما بعد انهيار الحدود بين تقاناتها، وسطوة نزعة التجريب على العاملين في حقولها. من جانب آخر، قدم لنا تاريخ الفن حالات كثيرة، مارس فيها فنانون أجناس الفنون التشكيليّة كافة، إضافة إلى العمارة، والشعر، والموسيقا، والعلوم التطبيقيّة المختلفة، كما فعل ليوناردو دافنشي، وهناك العديد من الفنانين التشكيليين هجروا اختصاصاتهم إلى التمثيل، كعبد المنعم مدبولي وكمال الشناوي ومعالي زايد وبسام كوسا وسلوم حداد، أو ممثلين اقتحموا عالم التشكيل كأنتوني كوين.
إعلامي وتشكيلي
مخلص الورّار، إعلامي سوري معروف، شغل عدة مناصب إداريّة في الإذاعة والتلفزيون، لكنه في الأساس، هو فنان تشكيلي. درس فن الحفر المطبوع في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وتخرج فيها عام 1982. ولج إلى الإذاعة وهو طالب في محترفات الكلية. عشق عمل المذيع، وتفوق فيه، وأصبح معلماً ومدرباً للمذيعين الشباب ولشدة تعلقه بهذه المهنة، نسي شخصية الفنان التشكيلي غافية داخله، لكنها (كما يبدو) كانت تتحين الفرصة للاستيقاظ. ففي العام 1994 جاءت هذه الفرصة التي أعادته إلى أقلامه وفراشيه وألوانه، فبادر إلى إنتاج مجموعة من الرسوم واللوحات، أضافها إلى ما لديه من أعمال مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة، ثم أقام بها جميعها معرضه الفردي الأول في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق (ضم نحو ستين عملاً فنياً موزعاً على اللوحة، والرسمة، والمحفورة المطبوعة) وكان قبلها قد خبر متع تقديم الفن للناس عبر مشاركات متفرقة في معارض جماعيّة عديدة.
قدم الفنان الورّار في هذا المعرض الوجه الآخر له، هو وجه الفنان المتخصص في أحد فروع الفن التشكيلي الصعبة والشائكة (فن الحفر المطبوع) الذي حضر بقوة في معرضه الأول، ثم غاب أو كاد، عن معارضه اللاحقة، ليبرز بدلاً منه وجه (المصوّر) أو (الملوّن) متماهياً بشخصية (الغرافيكي) المتمكن من ناصية الرسم، ذلك لأن غالبية أعمال هذا المعرض، جاءت حاملة لتأثيرات من الفن الذي تخصص فيه أكاديمياً، إذ عالج لوحاته التصويريّة برؤية الحفّار الذي يُولي بنية العمل الفني، وعلاقة الأبيض بالأسود ومشتقاتهما من الرماديات، اهتماماً كبيراً. أما الصياغة التي عالج بها الأعمال التي ضمها المعرض، فلم تغادر الآفاق الواسعة للواقعيّة.
موهبة وخبرة
لقد برهنت أعمال المعرض الأول للفنان مخلص الورّار على تمتعه بامتلاك موهبه فنيّة حقيقيّة وأصيلة، ناس حضورها من عمل إلى آخر، لكنها ظلت حاضرة وموجودة، تارةً تُطل من الخط (الرسم) الذي أكّد به ومن خلاله، النسب الصحيحة، والتفاصيل الدقيقة لحمولات لوحته، وتارةً أخرى من إدراكه الجيد، للخواص التشكيليّة والتعبيريّة، التي تتمتع بها، الوسائط والوسائل التقانيّة التي استخدمها في معالجة أعماله الموزعة على الحفر المطبوع، والرسم، والتصوير، حيث وظّفها بشكل جيد لموضوعات هذه الأعمال ومضامينها التي تناول فيها: الإنسان، والطبيعة، والطبيعة الصامتة، والعمارة القديمة، من دون إذعان أو المساس بخاصيتها، وفي هذا إشارة إلى إلمامه وسيطرته على أدواته، مع الاستدراك والإشارة إلى بروز شخصيّة الرسام الغرافيكي المثاليّة في غالبية أعمال معرضه الأول على حساب شخصيّة الملوّن.
بعد هذا المعرض، عاد الفنان الورّار لينغمس من جديد في دوامة العمل الإعلامي، الذي طغى على نشاطه الفني خلال مسيرته المهنيّة، ما جعل حضوره خجولاً في الساحة الفنيّة التشكيليّة، لكنه لم يبتعد عن الفن الذي يرى من خلاله الحياة بكل تفاصيلها، وهو لا ينظر إليه كمهنة، وإنما كممارسة عفويّة، يقوم بها في كل لحظة، لتقديم رسالته الإنسانيّة للمتلقي، من خلال العمل الفني التشكيلي الذي لا يحمل صوتاً عالياً كما في العمل الدرامي أو الموسيقي، وإنما هو صامت بلا ضوضاء.
ولادة الملوّن
في أعمال معرضه الفردي الثاني الذي أقامه عام 2008 في صالة الشعب للفنون الجميلة بدمشق، وازن الفنان الورّار بين خاصيتي الرسام والمصوّر، بتأثير عدة عوامل منها: انقطاعه عن ممارسة فن الحفر المطبوع لعدم توفر أدوات وتقانات تنفيذه لديه، ومواظبته المجتهدة على ممارسة الرسم والتصوير، بشكل موازٍ لعمله الإعلامي، لاسيّما بعد أن ذاق طعم السعادات والمتع التي ترافق عملية إنتاج العمل الفني وولادته، وردود الأفعال الايجابيّة التي كان يتلقاها من مشاهدي هذا العمل في المعارض الفرديّة والجماعيّة التي شارك فيها، أو من زوار بيته ومكاتب عمله في الإذاعة والتلفزيون، حيث كانت جدرانها تحمل الكثير من نتاجاته الفنيّة.
في معرضه الأخير الذي أقامه في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق (من 14 إلى18 كانون الثاني 2018) تحت عنوان (جدليّة اللون والشكل) وقدم فيه 88 لوحة جلها من الحجم الصغير، قدم الفنان الورّار خلاصة تجربته الفنيّة التشكيليّة التي برزت فيها (بشكل جلي) الشخصيّة الأخرى له هي (شخصيّة المصوّر) المتمكن والعارف بأسرار اللون، القادر على التعامل معه وتسخيره أكثر من مهمة، في عملية تشييد عمارة النص البصري، بأكثر من صيغة وأسلوب، وفقاً للموضوع الذي يعالجه فيه، وهي أساليب وصيغ لم تغادر الضفاف الواسعة للواقعيّة والواقعيّة التعبيريّة، رغم ولوجها الحذر (أحياناً) حقول التجريد والحروفيّة، وهذه الأخيرة شكّلت إضافة مهمة لتجربته الفنيّة، لاسيّما أنه تناولها برؤية مُصوّر بات خبيراً في كيفيّة توظيف أدوات تعبيره لصالح الفكرة أو الموضوع الذي يعالجه في منجزه الإبداعي، ومتمكن إلى حدٍ بعيد، من استنهاض التكوين المناسب والقادر على التعبير عنه، الأمر الذي مكّنه من إقامة حالة انسجام عالية بين الحامل والمحمول في هذا المنجز، وبين خاصيتي الرسام (الغرافيكي) والملوّن، وهي معادلة ليست سهلة، ظلت عصيّة على العديد من الفنانين التشكيليين السوريينّ.
منصة راسخة
جملة الخصائص والمقومات التي حملها المنجز البصري الحروفي للفنان مخلص الورّار، تُشكّل الآن منصة راسخة لولادة تجربة حروفيّة جديدة في غاية التفرد، لا تغني تجربته الفنيّة الشخصيّة فحسب، وإنما ستشكّل رافداً مهماً للحركة الحروفيّة السوريّة والعربيّة التي لاتزال في طور البحث والتجريب. ولأنه (كما يقول) يعيش حالة بحث فني دائم، لا يعرف السكون، أو الوقوف عند حدٍ معين من التجريب، نتوقع أن يقدم لنا، وبشكل دائم، الجديد المدهش من الاطروحات البصريّة الحاضنة لحالات إنسانيّة، وجماليات معماريّة وطبيعيّة وحروفيّة وثيقة العلاقة العضويّة والوجدانيّة مع ما يجري حوله من مآسٍ وويلات، طالته شخصياً، كما طالت آلاف الناس في وطنه. لهذا فهو ينتصر في فنه للحياة ضد الموت والخراب، ويلجأ إلى تضمين حمولات لوحته دعوة صريحة للمتلقي للانعتاق من الموت، واليأس، والقنوت، والانحياز للحياة، اعتماداً على مقولة إن الفن ليس مجرد لغة بصريّة، أو تعبير فني فحسب، بل هو أداة تغيير وتطوير للحياة، تجعلها أكثر فاعليّةً وجمالاً ووسامةً وشهيّة لأن تُعاش.
• مواليد حماه 1956.
• تخرج في قسم الحفر والطباعة بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق 1982.
• يعمل في حقل الإعلام المسموع والمرئي منذ عام 1977.
• يشارك في المعارض الدوريّة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.
• أقام أربعة معارض فرديّة: الأول عام 1994 بصالة المركز الثقافي العربي بدمشق، والثاني في صالة الشعب للفنون الجميلة بدمشق عام 2008، والثالث في صالة النهر الخالد بحمص عام 2010، والرابع في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق عام 2018.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: