الإثنين, 18 كانون الأول 2017
مجلة جهينة > إصدارات > شذرات من وحي الشتات لـ. شاكر جياب
شذرات من وحي الشتات لـ. شاكر جياب
بعد كتابه الأول «ومضات على الطريق» صدر للأديب والدبلوماسي الفلسطيني شاكر جياب إصداره الثاني بعنوان «شذرات من وحي الشتات» ليذهب إلى اشتغالات المدوّنة الشعرية المحايثة للقضية رمزاً وإنساناً، فمن مدونات إلى شذرات قول شعري من ممكنات التجربة المديدة التي عاشها الكاتب، وسعى إلى مقاربتها في محكياته الشعرية، وعبر نصوص كثيفة، ما يميّزها ليس نبل الموضوع/ القضية الذي اشتغلت عليه فحسب، بل الأداء اللغوي الذي اصطفى حالات وجدانية ورؤى حاكها ونسجها في قصائد تنفتح مشهدياتها على الإنسان بأبعاده الوجودية وعلاقته مع المكان بوصفه كينونةً أولى ستغدو منطلقاً لدى الشاعر ليذهب إلى معادلاته الجمالية والإنسانية والفكرية.

قصائد تحتدمُ فيها الأنا الشاعرة بما تصطفيه الرؤيا/ الرؤية وما تحيلنا إليه من اشتغالات اللغة على استعادة الإنسان وتأسيس وعيه بما يحيط به.. قصائد بكثافاتها الجمالية تنفتح على الذات والآخر والعالم لتشي بتدوين المأساة عبر اتساع دلالي يحوز تأويلاً مختلفاً انطلاقاً من البنية الإيقاعية للقصيدة وصولاً إلى دالات المعنى الذي تنتجه، إذ يدفع الشاعر بالتجربة إلى الممكن من تجريبها الواعي، ويستأنف عناوين شغلته في مدونته الأولى للشتات ليصوغ معنى جمعياً لمكابدات الإنسان وأحلامه.
يقول في قصيدته «حين يغادرك المكان»: يعود القمر/ هازماً من الظلام/ يبدد انكسارات الظلال/ لكن البحر يبقى أزرق/ أبقى في غمار الموج وحدي/ طافياً دون شراع/ لا شيء يحتاج اكتشاف/ لا حدود أمامي ولا خلفي/ حيث لا معنى للكلام/ لن يقرضني البحر جناح/ ولا أرغب بعالم جديد/ صمتُ موت لا يخدشه/ سوى تراتيل موج متواصل/ وشهب هاربة من السماء/ تحرقها أكوامُ غيوم مبتلة.
وتحضر في مناداة الأنا الشعرية كل عوالم الفقد ونقائضها، والحضور الآخر الذي يصبح لدى الشاعر وعياً شعرياً جديداً، لا يذهبُ به إلى تدوين الحالة فحسب، بل استشرافها بالاختلاف واستدعاء ثيمة الغنائية إيقاعاً وصوراً ومفردات، لعلّها كخاصية جمالية تواسي قلقاً خفياً وألماً يعتصرُ جسد الكلام، قصائد نطلُّ منها على حروف منتمية لعدالة قضية، وأكثر منها تضبط ُإيقاعها لتشي بالجمال العابر للنص، وهو جمالٌ يتغذى بالتأويل وتعددية التلقي، وعبر (أنسنة) الأشياء وواقعية اللغة يصعّد الشاعر من مرايا بوحه ليقبض على العصي الهارب، ويقتنص لحظةً جماليةً لا تعبر مجاناً من أمام شاشة رؤيته، إذ يقول في قصيدته «الموت للظلام»: في كل الأزمنة والعصور/ هناك المصائد الجائعة/ تقتنص القرابين الشاردة/ استفق من نومك الثقيل/ اعشق طهارة النور/ اقرض جذور الليل/ حتى ينهار جدار الظلام/ وعند انبلاج كل فجر/ رتّب الأعشاب واحرق الأشواك.
وفي كل محكياته الشعرية –على الأرجح- تنفتح ثيمةٌ إضافيةٌ هي العشق، لكنه الملون بالحنين وبترجيعه العميق، توقٌ يلون كل المسافات التي يحرزها الشعر بوساطة اللغة وأدائها ومكوناتها العاطفية بما تجترحه من محمولات دلالية لاتختص مفردةً بعينها أو سياقاً بعينه، بل هي كلية المشهد الذي يقاربه الشاعر شاكر جياب عبر تنويع في النصوص وتعبيرها وإيحاءاتها المكتنزة بالتفاصيل، لكنها الأكثر بلاغةً في التوقيعات التي تبثّها تلك النصوص، وبما تقترحه في حقول الدلالة وصياغة الوجدان وتقطيره بما تعنيه الشذرات في مستواها النحوي الدلالي والبلاغي من كثافة الضوء على تلك الجوانب الحياتية حينما تصيرُ لغةً، وأيضاً حينما تأخذنا إلى المدرك واللامدرك وإلى المشتهى والمحلوم به، وذلك ما يمكن للقارئ أن يستشفه من كلمات الشاعر على غلاف كتابه: «مع أني أكتبُ بالدم، فهو ليس ما أردتُ أن أقوله، سامحني أيها القارئ بعدما تنتقم منّي، أنا لا أستطيع توديعك بحرارة فقط بابتسامة حزينة».
شذرات من وحي الشتات
دار صفحات للنشر- دمشق
الطبعة الأولى- 2017
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: