الإثنين, 18 كانون الأول 2017
مجلة جهينة > زوايا > دورٌ شيطانيٌّ مبكّر للإعلام الغربي
دورٌ شيطانيٌّ مبكّر للإعلام الغربي
بتنا )اليومَ( نعرفُ بعين العقل الكثيرَ عن دور الإعلام الغربي الهدّام والذي استشرى مع مفردتين جميلتين عقدَ قرانَهما شيطانٌ مشعوذٌ لكي يستحوذَ على قلوب السُّذّج، فشوَّه كل معنى جميل للربيع والعرب.
لكنّ المفاجئَ لأيّ عاقل هو أن يعرفَ أن (البروباغندا) الإعلامية الشيطانية قديمة جداً، وأن الإنكليز (قبل أن تغيبَ شمسُهم) كانوا مبتدعيها تمهيداً لاحتلال مصر وتخريبها، مثلما حدث صبيحة العاشر من تموز 1882، حين نشرت صحيفة (لندن المصوّرة) على غلافها الأول صورةً كبيرةً للبطل أحمد عرابي، وكتبت تحتها عبارةً مستفزّةً: (عرابي باشا ديكتاتور العالم في مصر)، لتغزو بعدها مصر في اليوم التالي.. ولكن هل كانت الصحيفة البريطانية تخاطب الشعب المصري؟ وهل يهمُّها أصلاً رأي أي عربي؟ لا، بالتأكيد، فليشربوا البحر. إذاً هي موجهة إلى المواطن البريطاني لكي يوقّع لحكومته على بياض وهي ترسل أولاده لغزو مصر بذريعة وجود (ديكتاتور) مرعب فيها ستلقّنه درساً، وتحمي شعبه المسكين منه كما تحمي جاليتها هناك، بينما الهدف الحقيقي اقتصادي بحت بدليل الكساد الذي عمّ بريطانيا.
لعبت (الساحرة) ألعاباً كثيرة حتى تسيطر على قناة السويس ذات الأهمية الاستراتيجية في السلْم (أقصر الطرق إلى درة التاج الهند) والحرب، فكان أن استولت على حصة مصر من القناة سداداً لديون الخديوي إسماعيل عام 1875، وضمنت سيطرةً مشتركةً على تحصيل الضرائب، وطلبت من السلطان العثماني (قبرصَة) مكافأةً على مساعدة أسطولها للعثمانيين ضد روسيا عام 1877. إذاً ما الذي بقي مع سيطرة بريطانيا على الاقتصاد المصري والمواصلات البحرية والبرية؟ لم يبق سوى إعداد الرأي العام البريطاني لفكرة الغزو، فاستخدمت الحكومةُ الصحافةَ المواليةَ والمعارضةَ فيما سمّوه (المسألة المصرية)، فقامت مناظرات بين المؤيدين والمعارضين لفكرة التدخل منذ عام 1877 للتغلب على أي معارضة مستقبلية.
ألّف البارودي وزارةً، وعيّن عرابي وزيراً للحربية، وأعلن الدستور في شباط 1882م، وشعر القنصلان الفرنسي والإنكليزي بخطورة النظام الدستوري على مصالحهما وعلى حليفهما الخديوي توفيق، فأرسلتْ دولتاهما السفن إلى الشواطئ المصرية في أيار 1882 م بحجة حماية الرعايا الأجانب، وراحت (الساحرةُ) تتحيّن الفرصة للدخول.
حدث شجارٌ ملفّقٌ بين مالطي ومصري يوم 11 حزيران 1882، تطور إلى معارك بين الأجانب والمصريين، فضربت انكلترا الإسكندرية يوم 11 تموز 1882 م بحجة أن مصر تحصّنها، وتعتزم إغلاق الميناء وحصار البوارج الإنكليزية، وبالغت مدافع الأسطول البريطاني في ضرب الإسكندرية عشر ساعات متواصلة حتى سوّت معالمها بالتراب قبل الإنزال البري لإحداث أكبر قدر من الخسائر، وفتح الطريق للشركات البريطانية لإعادة الإعمار، وهزم الجيش في معركة (التل الكبير)، ودخل الإنكليز القاهرة في أيلول 1882م، ونفي عرابي إلى سريلانكا، لكنّ التاريخ سجّل أحمد عرابي بطلاً، والخديوي توفيق متخاذلاً فضّل الكرسي على حرية مصر، وبريطانيا محتلّةً غادرة، وصحافتها ماكرةً.
قبل نحو ثلاثة عقود، كنتُ متجهاً إلى عاصمة أوروبية قبل أن تشيطنَ (تشنغن) سِمات الداخلين إليها، لاحظتُ أن المجلات الأجنبية تشوّه سمعة الزعيم كاسترو (الراحل يوم 2016/11/25)، مثلما شوّهت من قبل سمعة الزعيم مانديلا (الراحل في 2013/12).. لم أكن عليماً وقتها بالأساليب التي تشيطنُ أناساً وتجعلُ غيرهم ملائكة، حتى رأيتُ بلادَنا تُدخَل، الواحدةَ تلو الأخرى، في أنفاق مظلمة.
إن الإعلامَ (اليومَ) أخطرُ سلاحٍ هدّام يستخدمه الغرب الثريُّ ضد كل من يقف في وجه مصالحه بدءاً من الفضاء المنفلت، وانتهاء بوسائط التواصل المتاحة بالمجان لغايةٍ في نفس يعقوب، فلم يعد هذا خافياً إلا على العميان الذين لا يرون الشمس حتى من دون منخل. لقد شوّه الغرب في مطابخه الإعلامية الحقائق بكل طرق (الإخراج) الهوليوودية الممكنة، وراح يقطّع أعضاء العالم ويطحنها، ثم يبهّرها ويلوّنها لإعادة إظهارها بما يتناسب ورغبات المستعمرين.
لقد تجاوز خطرُ الإعلام الجنسَ وتفاهاتِ المشاهير على حساب إهمال المبدعين الحقيقيين من أجل جذب جمهور عريض مسطّح الأدمغة وجني ماله، وكان الغزو الفضائي جسراً خَلَطَ الأوراق جميعَها، وفتحَ نوافذ جهنم فكراً وتطبيقاً على الناس الآمنين من أجل مزيدٍ من الحروب والدمار، المادّي والفكري، في سوق تبيع كل شيء من السلاح والمخدّرات.. إلى الأدوية والتقنيات والخبراء.
هذا السرطان الذي بدأ مع أحمد عرابي، واستشرى في المجتمعات غير المحصّنة تحصيناً فكرياً كافياً، يجعل العلاجَ أصعبَ بكثير، وهو علاجٌ لا بد أن يبدأ في مضمار التربية والثقافة أولاً، وبغير ذلك لا يمكن أن نخرجَ من النفق المظلم.
اقرأ أيضاّ في "زوايا" ...

1. اعترافات!!

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: