الإثنين, 18 كانون الأول 2017
مجلة جهينة > ميديا > المُهرِّجون.. صُناع البسمةِ
المُهرِّجون.. صُناع البسمةِ
د. محمود شاهين

(الممثل) صفةٌ عامةٌ تُطلق على شخص يقوم بأداء دور ما في مسرحيّة أو فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني فيقال: (ممثل مسرحي) و(ممثل سينمائي) و(ممثل تلفزيوني). وقديماً أطلق على من يقوم بفعل التمثيل (مشخّصاتي)، أي ذاك الذي يجسّد شخصية ما على خشبة مسرح أو في فيلم.. وهناك من يطلق صفة التمثيل، بشقّيها الإيجابي والسلبي، على الشخص الذي يتقن إيهام محدّثه بما يتمتع به من صفات الحب والقوة والحرص والصداقة والمهارة والحذاقة والوفاء والإخلاص والاطلاع والمعرفة والعلم... إلخ، وبالتالي يكسب ثقة محدّثه، ويأخذ منه ما يريد في الوقت الذي يكون قد ادعى وزوّر هذه الصفات بما يملك من قدرة على الإقناع. وهذه هي في الحقيقة أهم مزايا الممثل الناجح الذي يتقن تأدية الدور المطلوب منه على اختلاف هذا الدور وتنوّعه، سلباً كان أم إيجاباً، حزيناً أم مفرحاً، تاريخياً أم معاصراً... إلخ. وبناءً على نوعيّة هذا الدور أصبحنا نسمع بممثل جاد، وآخر هزلي أو (تراجيدي) و(كوميدي)، وممثل ناجح بأدوار الشرّ أو الأدوار التاريخيّة، وآخر بالأدوار الاجتماعيّة والعاطفيّة والهزليّة.. وغيرها.

الكوميديان
من المؤكد أن الممثل الناجح هو الذي يتقن دوره، ويؤدي الشخصية المطلوبة منه بإقناع كبير بغضّ النظر عن هذا الدور أو غايته، لكن ما يؤكده الجميع أن أصعب الأدوار التمثيليّة هو الأدوار الكوميديّة القادرة على إدخال الفرح إلى قلوب الناس، ورسم البسمة على شفاههم والضحكة على أفواههم، وبالتالي إسعادهم خلال الفترة التي يمضونها في مشاهدة الممثلين الكوميديين على خشبة المسرح أو في شريط سينمائي أو تلفزيوني، ذلك لأن مهمة (الكوميديان) أصعب بكثير من مهمة (التراجيديان) بدليل وفرة الممثلين القادرين على لعب الأدوار المختلفة وندرة الممثلين الهزليين أو الكوميديين وفي مختلف الأحقاب والأزمنة.
المُهرِّج
من الشخصيات (الملهاوية) المألوفة والسائدة والمنتشرة في حياة الناس، وتحديداً في حقلي التمثيل المسرحي والسيرك، شخصية (المهرِّج) الذي يتفرّد بشكله أو هيئته الخاصة المضحكة، وبشكل خاص بكمية الطلاء الكثيفة متباينة الألوان كالأحمر والأبيض والأسود والأخضر والأزرق، التي يضعها على وجهه، وبالشعر المستعار غريب الشكل فاقع اللون، والأنف الكروي، والقبعات العجيبة، والثياب غير المألوفة، وأشياء أخرى كثيرة تأخذ طريقها إلى وجهه ورأسه وجسده ليبدو كأنه لوحة وحشيّة الأشكال والألوان، وكل هذا يترافق مع حركة أو سلوك أخرق ينمّ عن البلاهة أو الذكاء الطائش بهدف إضحاك الناس، وإسعاد قلوبهم، ورسم البسمة على وجوههم. فالمهرِّج هو نوع من أنواع (الكاركوزات) غريبة الشكل والسلوك والحركات، والهادفة إلى (استمطار) الفرح في قلوب الناس الذين تنادوا إلى زيارة مسرحهم ومشاهدة عروضهم التي غالباً ما تأتي بين فواصل عروض السيرك أو المسرحيات الهزليّة التي تتوجّه إلى الناس من كل الأعمار، لاسيّما الأطفال الذين يأنسون إلى (الكاركوزات) والمهرِّجين، ويُسعدون بلقائهم.
تقليدٌ قديمٌ
للمهرِّجين تاريخ طويل، فقد وُجدوا في أزمنة تاريخيّة مبكرة من عمر الإنسان، إذ أكدت الوثائق ظهورهم في العصر الإغريقي، حيث شاركوا في بعض التمثيليات الإيمائيّة المعتمدة على الحركة أكثر من الكلام، وكانوا يتخذون أشكالاً مضحكة كأنْ يبالغوا في حجم البطن (الكرش) أو المؤخِّرة وارتداء الثياب غير المألوفة، وقد يقومون (إلى جانب الحركات المضحكة) برمي المكسرات كالفستق والجوز على جمهور المشاهدين بهدف لفت انتباههم ودعوتهم للمشاركة بعروضهم أو لاختبار ردود أفعالهم. وظهر المهرِّج أيضاً في العصور الرومانيّة، حيث كان يشارك في بعض التمثيليات الإيمائيّة واضعاً على رأسه قبعةً مخروطيّة الشكل ومرتدياً ثوباً مليئاً بالرقع متنافرة الألوان والأشكال.. فالمهرِّج بشكل عام يتقمّص دور الإنسان الطيب لدرجة البلاهة ما يوقعه دائماً ضحية لمقالب زملائه ومؤامراتهم وكمائنهم.
وتابع المهرِّج حضوره في الأزمنة اللاحقة للعصر الإغريقي والروماني، رغم أن الكنيسة الأوروبيّة حدّت من انتشار المسرح بين الناس، وقلّصت من التمثيليات، ومع ذلك استمرت ظاهرة التهريج في عروض الشعراء والمغنين ولاعبي السيرك واستعراضات المشعوذين والسحرة، سواء في الشارع أو ضمن صالات العرض. كما يمكن اعتبار (البهلول) شكلاً من أشكال المهرِّجين الذين لم يظهروا بشكلهم الحالي إلا بعد العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة، أي دور المهرِّج المؤدى من ممثل محترف يرافق في العادة فرق السيرك الجوالة داخل بلادها وخارجها.
من جانب آخر، ارتبطت ظاهرة (المهرِّج) أو (البهلول) ببلاط بعض الملوك والأمراء، فكان ملازماً لبعضهم، يستدعونه إلى مجالسهم كلما أحسّوا بحاجتهم إلى الترويح عن أنفسهم، مثلهم في ذلك مثل الشعراء والموسيقيين والمغنين. وقد لعب المهرِّجون دوراً نقدياً طال رجال الدين، لاسيّما في أوروبا خلال العصور الوسطى، الأمر الذي أوغل صدور رجال الكنيسة عليهم، ودفعهم لمحاربتهم.. من هؤلاء المهرِّج الشهير (أرلوكان) الذي ظهر في المنطقة الفرنسيّة، والمهرِّج (آرلكينو) الذي ظهر في المنطقة الإيطاليّة، وهذا الأخير كان يضع على وجهه قناعاً نصفياً أسود اللون، ويحمل بيده (مصفعة) صاخبة الصوت يداعب بها مؤخِّرات ضحاياه، وقلّده في ذلك الممثل المصري الراحل (فؤاد المهندس) في المسرحيّة الكوميديّة (سِكِّ على بناتك). وفي انكلترا ظهر المهرِّج في شخصية الشرير، لاسيّما في مسرح شكسبير، كما ظهر أيضاً في المسرح الإسباني.
انتشار الظاهرة
بالتدريج بدأت شخصية المهرِّج تنتشر في البلدان الأوروبيّة بتأثير عوامل مختلفة، أبرزها وأهمّها الفرق المسرحيّة الجوالة وفرق السيرك التي تجاوزت حدود أوطانها.. فمنذ القرن السابع عشر وصلت إلى ألمانيا شخصية المهرِّج عن طريق الفرق المسرحيّة الإنكليزيّة، ومنها شخصيّة (بيكل هيرينغ) التي تعني السمك الصغير المخلل، هذه الشخصيّة بالتحديد سادت وانتشرت في ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبيّة، وظلت أنيسة ومحببة إلى الناس حتى نهاية القرن التاسع عشر، وشكّلت الأساس الذي نهضت عليه شخصيّة المهرِّج، إن لناحية الهيئة العامة أو عناصر التزيين والتزويق (المكياج) أو الثياب التي يرتديها، وحتى نوعيّة الحركات والسلوك والأدوار التي يلعبها على خشبة المسرح وباحات السيرك، ولعلّ خير مثال عليها شخصية المهرِّج التي تقمّصها الممثل الإنكليزي الشهير (شارلي شابلن) ولعبها في العديد من أفلامه، هذه الشخصية التي تميزت بجملة من العناصر منها: الحذاء الضخم، والقبعة الخاصة، والعصا، والمشية المتميزة. وفي الفترة نفسها ظهرت شخصية أخرى متميزة للمهرِّج هي شخصية (بييرو) أعقبتها شخصية مماثلة في إيطاليا هي (بيدرولينو)، ومن أبرز خصائص وسمات هاتين الشخصيتين: الرأس الأصلع، والوجه الأبيض المطلي بالطحين.
مُهرِّج السيرك
ارتبطت شخصيّة (المهرِّج) و(الكوميديان) بالمسرح، وعرفت وانتشرت من خلاله منذ بداية القرن التاسع عشر، كما ظهرت هذه الشخصية في السيرك، وعُرف منها شخصية (جوي Joey) التي تميزت باللياقة الجسديّة وخفة الحركة والقدرة على الاستعراض والبهلوانيّة، إضافة إلى العناصر المتميزة التي استخدمتها في تغيير شكل الوجه، والمبالغة فيها كالأنف الأحمر الكبير الشبيه بحبة التفاح أو الكرز، وثوبها الزاخر بشتى الألوان التي جاءت في البداية على هيئة رقع عديدة، ثم تطورت إلى تصاميم متقنة ومتميزة ارتبطت بها دون غيرها، ثم لحقتها (إكسسوارات) شملت الشعر المستعار (الباروكة) فاقع الألوان (أحمر، أصفر، أخضر، أبيض) والقبعات غريبة الشكل المزينة بالريش وعناصر أخرى كثيرة، و(الياقات) المبالغ فيها، والعقود، والأقراط... إلخ. يضاف إلى ذلك الحذاء الضخم والعصا.. وغيرهما. وفيما بعد صار يؤدي شخصية المهرِّج أكثر من ممثل أو لاعب في وقت واحد لإغناء المشهد وتفعيل الدور الهزلي من خلال قيام أحدهما بتدبير المقالب للآخر وتوريطه بها.
ومع ولادة السينما والتلفاز دخلت شخصية المهرِّج إليهما، ومن أشهرها وأهمّها شخصية (شارلي شابلن) و(باستر كيتون) و(لوريل وهاردي) و(جيم كيري) في فيلم (القناع).. وهذه الشخصيات (أو ما يشبهها) ظهرت أيضاً في الأفلام السينمائيّة والتلفزيونيّة العربيّة، لعلّ من أبرزها الثنائي السوري (غوار الطوشة) و(حسني البورظان). كما أن الحضارات الشرقيّة عموماً شهدت مثل هذه (الكوميديانات) كالشخصية الفكاهيّة المحببة التي ظهرت على المسرح السنسكريتي منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وشخصية المهرِّج في أوبرا بكين الصينيّة، ومسرح الكايوكي الياباني، لاسيّما الفقرات الترفيهيّة المعروفة باسم (كيوغين) والتي كانت تتخلل مسرحيات (نو) وغيرها.
حاجة الروح
(المهرِّج)، (الكوميديان)، (المشخّصاتي)، (البهلواني): مصطلحات تفضي جميعها إلى شخص واحد هو (صانع البسمة) و(مفرح القلوب) و(مطلق الروح في عوالم البهجة والسعادة)، هذه العوالم التي تبقى أقلّ وأقصر بكثير من العوالم الكئيبة، الحزينة، المستفزة، القاتمة، المقلقة، الرتيبة، الخائفة، اليائسة.. هذا الشخص القادر على تحريك رتابة الحياة، وعطالة الأيام، وكشح ما أمكن من غيوم الحزن عنها كان مطلوباً ولا يزال للناس الذين يتسقّطون أخباره، ويبحثون عنه بشكله المباشر أو عبر الشاشة للاتكاء على كلماته وحركاته ومقالبه و(قفشاته) وإطلاق الروح المحاصرة بألف همٍّ وهمٍّ في بهجة الضحكة وسحر البسمة وفرح (الهنيهات) التي لا تتكرر.
إن لحظات السعادة التي يصنعها هؤلاء الناس للناس حاجة روحيّة وبدنيّة لا يمكن الاستغناء عنها لكونها أحد العناصر الرئيسة في توازن الكيان البشري وإيجاد أسباب جديدة ودائمة للحياة وحبّ الاستمرار فيها.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: