الإثنين, 18 كانون الأول 2017
مجلة جهينة > لقاءات > الباحث والمؤرّخ د. إبراهيم زعرور: ثقافةُ حب الوطن هي ثقافةُ الاستشهاد
الباحث والمؤرّخ د. إبراهيم زعرور: ثقافةُ حب الوطن هي ثقافةُ الاستشهاد

جهينة- أحمد علي هلال
خلاصته الأكاديمية والمعرفية تشي بالكثير، برجلٍ حملَ نزاهة المؤرّخ وحصافة الباحث، لطالما كان في مواقعه المتعددة وميادينه الأخرى التي ذهب بها باحثاً يستقرئ التاريخ، وينهضُ بأسئلة جديدة تفتح الآفاق في معترك القضايا الكبرى، سيرة ومسيرة طبعت الدكتور إبراهيم زعرور بطابع خاص هو امتياز المعرفة ومحبة الحقيقة بما تهيأ له من أدوات وما امتلكه من رؤية في الثقافة والتنوير والنهضة، التي ترتبط جميعها بماهية وطنية خالصة تنفتحُ على معطيات التحديث والحداثة والفكر السياسي.. التقته (جهينة) وكان لها معه الحوار التالي:

رسالة الباحث الإنسانية
كيف ترى علاقة المؤرخ (اليوم) بصدد الأحداث، هل ثمة استشراف، أم مازلنا ماضويين في القراءة وأعني بعض الاتجاهات التي قرئت من خارج المشهد؟
من أدق وأصعب مهمات المؤرخ أو الباحث في التاريخ طريقة تأريخ حدث لم ينته بعد، وما الظروف المحيطة بالأحداث، وما العوامل التي شكلت الحدث أو الأحداث، ولا بد للباحث أو المؤرخ من التقاط الأدوات البحثية بكل وعي ودقة ومسؤولية وموضوعية باستخدام المختبر العقلي والمسألة هنا بالترابط بالماضوية أو سواها، ولكنه يحتاج إلى بعض المقاربات والمقارنات واستخدام الوثائق والأدلة والبيانات ليصل إلى كتابة تاريخ الأحداث من دون انحياز أو استخدام لغة العاطفة أو التوظيف غير الأخلاقي، كما حصل ويحصل مع الكثير من الباحثين والمؤرخين الذين يعمدون إلى تأطير الفكر أو الثقافة أو الخبرة خارج السياق الطبيعي لحركة التاريخ وطبيعة الأحداث التي تنتظم في الأحداث المكوّنة للتاريخ، ما يستوجب تمثّل قيم العلم والمعرفة ورسالة الباحث الإنسانية.
الإعلام هو السلطة الأولى
الإعلام (اليوم) في عين العاصفة والاستحقاقات كثيرة، كيف تقرأ استراتيجياً وقائع ما يجري؟
البعض يقول إن الإعلام السلطة الرابعة، ويحلو للبعض أن يقول: إن الإعلام السلطة الأولى وهو يسبق الحدث، ويعيش الحدث، ويعقّب على الحدث تحليلاً وتعليلاً واستنتاجاً واستدلالاً، وسوى ذلك والإعلام بهذا المعنى أو غيره هو يشكل الاستطلاع في أي حرب يمكن أن تحصل على أي مستوى من المستويات وهو ما يمكن أن نسميه الحرب النفسية أو حرب الشائعات أو حرب الوثائق من جبهات متناقضة متضاربة ترافق الحرب المادية بكل مدلولاتها، ومهمة أو وظيفة الإعلام تقديم الدليل والوثيقة والبينة، لكن الإعلام يظل شريكاً أساسياً في أي حرب على أي مستوى من المستويات، ولا أظن أن ثمة إعلاماً خارج دائرة التأثير في أي مكان بهذا العالم بكل قاراته وشعوبه ودوله على تعددها وأحياناً ينجح الإعلام في إيصال الرسالة، ويمكن أن يفشل وفق الظروف والمعطيات التي تتحكم به في إدارته حسب المهارة والموهبة والتقنيات والإمكانات المتاحة لخدمة الأهداف التي يتجه لتحقيقها.
الرسالة المشتركة
لديكم تجربة واسعة في القراءات التاريخية والفكرية والإعلامية، هل نحن بصدد إعادة القراءة في ضوء ما جرى ويجري، بمعنى آخر ما الذي يحكم عمل المؤرخ ومن ثم الإعلامي وكيف نستطيع أن نفاضل بينهما؟
في هذا المجال تتشابه وتتقارب مهمة المؤرخ مع الإعلامي، ويمكن أن نقول هي رسالة مشتركة لتحقيق أهداف معينة، فالمؤرخ يعتمد الوثائق والإعلامي أيضاً يعتمد الوثائق في إظهار الحقيقة أو الحقائق، ويقدم البراهين لتعزيز أو إقناع الرأي العام أو المشاهد والمستمع والقارئ، وهذا يتطلب جهوداً كبيرة من الباحث أو الإعلامي، وأنا بتقديري تتكامل مهام الإعلامي مع المؤرخ والعكس صحيح أيضاً في التعامل خاصة في القضايا المصيرية الكبرى، وهناك تجارب في التاريخ ماثلة أمامنا والكثير من الكتب والدراسات والأبحاث التي أخذت شكل البحث التاريخي أو الشكل الإعلامي أيضاً من خلال باحثين وإعلاميين، وهو ما نشاهده في المكتبات ومراكز البحوث الاستراتيجية وغيرها، إذاً نحن نتحدث عن تكامل في المهمة لدى الباحث التاريخي والإعلامي.
كثيرون (اليوم) يقفون أمام أطروحات نهاية التاريخ، فهل ترى بإعادة القراءة على ضوء تحديات واستحقاقات كثيرة؟
طالما الحياة مستمرة فالتاريخ قائم ومستمر، وحسب تقديري لكل الآراء التي قيلت في نهاية التاريخ ومنهم الأمريكي من أصول يابانية فوكوياما الذي قال نظريته المشهورة في نهاية التاريخ ثم تراجع عنها لأنه اعتقد -حسب زعمه- أن الهيمنة الأمريكية على العالم تعني في بعض جوانبها نهاية التاريخ وهذا منطق المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، وكما قال صموئيل هنتغنتون في (صراع الحضارات) بدلاً من حوار الحضارات: وعي مفاهيم قاصرة عن استيعاب وفهم حركة الحضارة الإنسانية والتاريخ البشري بكل ما فيهما من أدوار للشعوب في صنع الحضارة. وهذا وسواه كلاهما نظرة متعالية تتسم بالازدراء والاحتقار للجوانب الإنسانية في الحضارة البشرية، وهذه النظرة والفهم الخاطئ سقطا ولم يجدا سبيلاً للحياة.
ضرورة الوعي النقدي
لدينا في تراثنا النقدي بالمعنى التاريخي والفكري إرث كبير، كيف نقرأه (اليوم) في ضوء المعاصرة والحداثة؟
في تقديري أن الأمة العربية تمتلك مخزوناً كبيراً من تراثنا النقدي، لم نتبين إلا أجزاءً بسيطةً منه، ومن المقرر كما هو معروف أن بلادنا -أي الوطن العربي- الخزان الحضاري والتاريخي والثقافي والمعرفي والعلمي والتراث المشفوع بالفكر الإنساني الذي هو أساس أي نهضة في أي مكان من هذا العالم منذ آلاف السنين وليومنا هذا، ولعلّنا لم ننجح نحن وسوانا في قراءة ما تركه لنا الأجداد من تراث حضاري وثقافي إنساني، مثلاً رغم كل الاكتشافات والبحث والتنقيب والدراسات والاستطلاعات عما هو مدفون من حضارتنا لم نكتشف أكثر من 40 بالمئة من هذا المخزون الحضاري، وبقي 60 بالمئة داخل الأرض، وحسبي أن هذا يستوجب المزيد من القراءة والتدقيق والتمحيص والبحث والنقد بكل أبعاده الذي يصل إلى كل الجوانب وهو ما نحتاج إليه (اليوم) أكثر من أي وقت بسبب التطورات التقنية والتكنولوجيا ووسائل المعرفة والفكر وإبداعات الإنسان بكل مجالات الحياة على تنوعها وتعددها، ولا أظن أنه مطلوب من المعاصرة أو الحداثة أن تسقط من حسابها كل هذا المخزون الحضاري الإنساني، بل عليها أن تفيد منه نقداً وبحثاً وتعليلاً وتحليلاً والخروج بالنتائج المرجوة لخدمة المجتمع الإنساني.
ثقافة حب الوطن
الحرب التي شُنت علينا كان مدخلها إعلامي وبأدوات مختلفة، كيف تقرأ آليات المواجهة مجدداً؟
أولاً هناك مخطط استعماري غربي صهيو-أمريكي- رجعي وهابي إخواني عثماني يعمل فقط من أجل مصالح الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأيضاً من أجل أمن الكيان الصهيوني، وهي حرب حضارية ثقافية فكرية تاريخية اقتصادية تستهدف الوجود والمصير لكل الوطن العربي، وهي حرب إبادة بالكامل حيث إلغاء الآثار الحضارية للأمة العربية وخاصة في العراق وسورية واستكمالاً في اليمن وليبيا مراكز الحضارة العربية القديمة (الفينيقيين والكنعانيين والسومريين والبابليين والأشوريين والكلدانيين وسواهم من العرب القدماء) من أجل تقديم النظرية التلمودية والتوراتية الصهيونية على أن (اليهود هم السكان الأصليون وشعب الله المختار)، ولذلك لابد من إبادة العرب بالكامل وتدمير مراكز الحضارة وتمزيق وتفتيت وتقسيم وتجزئة الوطن العربي على أسس عرقية ودينية ومذهبية وطائفية وعشائرية وقبلية، وتحويل العرب إلى عبيد وأقنان ونهب ثرواتهم والذهاب إلى حروب أهلية وطائفية ودينية ومذهبية لصالح المشروع الصهيوني، وهذا ما عملت عليه الصهيونية منذ مؤتمر (بال) في سويسرا عام 1897، ومن ثم تقرير ووثيقة (كامبل) عام 1907 بضرورة قيام حاجز بشري غريب يفصل بين مصر وبلاد الشام، وتالياً اتفاقيات (سايكس -بيكو) 1916، و(وعد بلفور) 1917، الذي أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، فبريطانيا لا تملك فلسطين لتقدمها لمن لا يستحق الصهيونية العالمية، ومن ثم احتلال الوطن العربي من الدول الاستعمارية ونهب ثرواته وتأهيل النظام الرسمي العربي خلال أكثر من خمسين عاماً وما يزيد للقبول بكل هذه المخططات الشيطانية، وهذا ما شاهدناه عبر الأحداث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها وإعلان العدوان الصهيوني على فلسطين عام 1948، وعدوان 1956 الثلاثي على مصر عبد الناصر، وعدوان حزيران 1967 الذي موّله النظام الرسمي العربي، وهكذا سارت الأحداث وصولاً إلى ما سمي زوراً وبهتاناً (الربيع العربي)، وهو ربيع صهيوني بامتياز يهدف للهيمنة الصهيونية وفق نظرية وأفكار الصهيوني شمعون بيريز في كتابه: (الشرق الأوسط الكبير)، وحتى تتم تصفية القضية الفلسطينية بالكامل لابد من القضاء على سورية دولة المركز في بلاد الشام وتتبعها كيليكيا السورية ولبنان ولواء إسكندرون وفلسطين وشرق الأردن، بل جرت محاولة تقسيم سورية الحالية في عشرينيات القرن الماضي إلى خمسة كيانات: دولة دمشق ودولة حلب ودولة الساحل السوري ودولة جبل العرب، على أن تبقى منطقة الجزيرة السورية (دير الزور والحسكة والرقة) تحت سلطة الانتداب الفرنسي المباشرة، لكن الشعب السوري أسقط المخطط بالصورة الوطنية السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش ورفاقه من الوطنيين إبراهيم هنانو وفوزي القاوقجي وسعيد العاص وصالح العلي وحسن الخراط ومحمد الأسمر وأحمد مريود ورمضان شلاش وغيرهم الكثير، وكما قلنا ونقول دائماً إن الإعلام يشكل حرباً نفسية ترافق أي حرب، وقد جُنّد الإعلام في النظام الرسمي العربي والإعلام العالمي بحرب غير مسبوقة في التاريخ الإنساني ضد سورية، وصرفت المليارات على الإعلام المتصهين، وجُندت كل الإمكانات من مال وسلاح ومرتزقة وسياسة واقتصاد ودول في العالم منذ سبع سنوات وإلى الآن، والأكيد أن العدو الصهيوني هو المستفيد الوحيد مما جرى ويجري من هذه الحرب التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً أو نظيراً على الإطلاق، وكان الخيار الوحيد الممكن للشعب والجيش والقيادة في سورية هو خيار المقاومة لمواجهة حرب الصهاينة والخونة والعملاء، وهنا تظهر لنا أهمية المقاومة بالفكر والثقافة، فكر المقاومة وثقافة المقاومة، وفي تقديري لابد من استنهاض الفكر والثقافة والإرادة لمواجهة هذا السرطان الإرهابي بكل تداعياته على سورية ومستقبل الأجيال وعلى الوطن العربي، أي إننا أمام حرب وجود، حرب حضارة وتاريخ وثقافة وفكر وإرادة، ولا بد من الانتصار مع محور المقاومة والحلفاء والأصدقاء من شعوب ودول العالم، وثقافة المقاومة يجب أن تكون بالعقل والفكر والتربية والتكوين والتوجيه والتعليم والمناهج، ثقافة حب الوطن والدفاع عنه، ثقافة الاستشهاد من أجل الوطن.
مرتكزات ثقافة وفكر المقاومة
في تحليل الظاهرة الاستعمارية في استهدافاتها الجديدة وتجلياتها على أرضنا العربية ونموذجها الاحتلال الصهيوني، كيف نجدد فكر وثقافة المقاومة لاسيما في الحرب على سورية؟
الاستعمار دائماً هو الاستعمار في كل زمن وفي كل حقبة من التاريخ، لكن أساليب الاستعمار تتبدل وفق المعطيات والضرورات والمصالح، سابقاً كان الاستعمار يأتي بجيوش جرّارة، حيث تقتضي ضرورة الاحتلال، ثم حاول تغيير الأسلوب في مرحله لاحقة عن طريق السيطرة الثقافية والاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات وسواها، ثم عاد للحضور بالقوى العسكرية كما حدث في احتلال أفغانستان والعراق أو تجهيز قوات محلية ومرتزقة من جنسيات مختلفة لإيجاد الفوضى والتدمير والقتل كما حصل في ليبيا واليمن وسورية وغيرها من خلال الإرهاب الفكري والسياسي والتكفيري وسواه، وهذا يستوجب بالضرورة التصدي لكل أشكال الاستعمار الفكري، الثقافي، السياسي، الاقتصادي، العسكري وتعميق ثقافة المقاومة وممارسة المقاومة بكل الوسائل المشروعة بما فيها الأدوات العسكرية، هم يريدون كسر إرادة الشعوب والهيمنة والسيطرة والنهب والسرقة ونشر الفوضى وتدمير الحضارة، وهو ما كان واضحاً جداً في العدوان المستمر على سورية ومواجهة سورية الشعب والجيش والقيادة لهذا المخطط الاستعماري الصهيو-أمريكي والقضاء عليه بالكامل والاحتفاظ بالسيادة للدولة الوطنية السورية ومؤسساتها، لذلك نحن أمام تحدٍّ خطير جداً يستهدف الوطن العربي بالكامل ورسم خرائط جديدة في المنطقة، لكن مشاريعهم تحطمت وتتحطم على صخرة الصمود السوري.
نقرأ مؤشرات انتهاء هذه الحرب التي طالت سورية أرضاً وبشراً، ما مقومات التفاؤل، وكيف تعللها من منظورك كباحث وإعلامي؟
بالتأكيد لكل بداية نهاية وإن طال الزمن، وبالحال في الوضع السوري من الصعوبة بمكان الذهاب إلى وضع برنامج لنهاية الحرب العدوانية الإرهابية على سورية بسبب أولاً: طبيعة المخطط الشيطاني الصهيو-أمريكي- الغربي- العثماني الإخواني- الرجعي الوهابي متعدد الأهداف والغايات والمقاصد، ثانياً: بسبب التشابكات والتعقيدات والتدخلات في المنطقة والإقليم والعالم في هذه الحرب غير المشهودة في التاريخ بكل مراحله، ثالثاً: بعد الحضور الروسي بطلب رسمي من الدولة السورية ممثلة بسيادة رئيس الجمهورية العربية السورية من القيادة الروسية وعلى رأسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ودورها -أي روسيا- في محاربة الإرهاب الدولي الذي تسانده الولايات المتحدة الأمريكية ومن يتبعها من قوى محلية ورجعية وإقليمية ودولية وسواها، من هنا وبعد سبع سنوات من الحرب القذرة بكل مفرداتها منذ 2011 وحتى اليوم نقول إنها وصلت إلى ذروتها ثم بدأت بالتراجع أمام الصمود الأسطوري للشعب والجيش والقيادة وعلى رأسها السيد الرئيس بشار الأسد، حيث كانت قوى الإرهاب والعدوان تسيطر بشكل أو آخر مباشر أو غير مباشر على حوالي 90 بالمئة من سورية، واليوم ينحصر وجود الإرهاب في مساحه لا تتجاوز 10 بالمئة، وتذهب إرادة الدولة للقضاء على الإرهاب على كامل مساحة الجمهورية العربية السورية، وهذا قرار سيادي للدولة السورية ومن الثوابت الوطنية وهو ما أكده سيادة الرئيس في كل المناسبات التي تحدّث فيها عن الأوضاع في سورية، إضافة إلى وقوف الشعب وتقديم الشهداء ومعجزة الجيش العربي السوري في مواجهته وحربه ضد الإرهاب، ما لم يقدر عليه أي جيش في العالم.. لهذا وسواه من الموجبات أنا على يقين بأننا ذاهبون إلى النصر على ضوء القراءات والدراسات والمتابعة والتحليل الاستراتيجي في أهم مراكز الدراسات والأبحاث وما تتناوله كبريات الصحف في العالم والنتائج التي تتحقق سياسياً ودبلوماسياً وميدانياً على الصعيد العسكري والأمني والمواقف المساندة لسورية من الدول الشقيقة والصديقة وحلف المقاومة والشعب العربي والرأي العام العالمي.
خطاب التجديد وأولويات الوطن
يكثرُ الحديث عن ضرورة العودة إلى عقد اجتماعي جديد، أي تجديد في العلاقات والبنى والمنظومات، ما الذي نستخلصه من تلك الدعوات وهل هي محقة الآن؟
سأكون صريحاً وواضحاً جداً، فالدولة المدنية والمجتمع المدني والعقد الاجتماعي قضايا استراتيجيه ولا بد من الذهاب إليها، وبكل دقة أقول: بصدد الأديان والأحزاب والأفكار والإيديولوجيات والثقافة والفكر من أجل الوطن، إن دماء الشهداء تنادينا بالذهاب إلى تغييرات جذرية في المجتمع، كما أن الجرحى والمصابين وأسرهم ووعينا يدفعون بنا إلى ذلك، وأن يكون الخطاب الروحي من أجل تربية أجيال مؤمِنة بالوطن والدفاع عنه ولا سبيل آخر كما أعتقد، وهذا يستوجب تغييرات جذرية في خطابنا التربوي والتعليمي في كل وزارات الدولة (التربية، الأوقاف، التعليم العالي، السياحة، الزراعة، الثقافة، الاتصالات والنقل) وسواها، مع الحفاظ على الرسالة الحضارية والثقافية والتاريخية لسورية ودورها في مسيرة الحضارة الإنسانية، وأنا بطبيعة الحال أحترم أية دعوة وأي حوار أو نقاش بنّاء لما فيه وحدة الوطن وسلامته وقوته وثقافته المستمدة من إرث حضاري.
الوعي المعرفي هو تأسيس وأسئلة جديدة، كيف ننهض على مستوى المؤسسات وأدوارها وكذلك الأفراد بتعميق ذلك الوعي؟
وهنا أيضاً من الضروري أن نتحدث بصراحة ووضوح، فكثيرة هي الآراء والأفكار والنقاشات التي تدور في أوساط الناس والمجتمع، وبكل الوسائل التي تستخدم في أنشطة الحياة المجتمعية السياسية والثقافية والأدبية والإعلامية وسواها، والكل يتفق على: ضرورة محاربة الفساد والفاسدين بشكل جدّي ومسؤول هذا أولاً، وثانياً لابد من تطبيق شعار الرجل المناسب في المكان المناسب، أي أن يكون الولاء والوفاء والإخلاص للوطن والدولة، وثالثاً الارتقاء بالإدارة الوطنية في مؤسسات الدولة، لأن الروتين والبيروقراطية يسيطران على عمل الأجهزة الحكومية، ورابعاً تحديث القوانين وتطبيقها بكل شفافية، وهذا يقود خامساً إلى ضرورة تطبيق الأحكام القضائية، لأن سلطة القضاء يترأسها السيد رئيس الجمهورية، ومن ثم سادساً: لماذا لا يقوم الإعلام المرئي والمقروء والمسموع بكشف الفساد والفاسدين، هذه هي حالة الوعي التي نريدها للمجتمع وأن يعمل الجميع من أجل الدولة ولا أريد ذكر أمثله كثيرة أعرفها كي لا يُفهم الكلام أو النقد خارج السياق الطبيعي.
الحوار النقدي والدور المنشود
ما ضرورات العودة إلى الفكر النقدي وإلى مهمات المثقف في المرحلة الوطنية، هل ترى أن دوره غائب أم إن المرحلة شديدة التداخل والالتباس؟
من الطبيعي جداً ممارسة الفكر النقدي بشكل واسع وعميق، أي بشكل أفقي وعمودي، وأن تسمى الأشياء بمسمياتها وخاصة من المثقفين من دون خوف أو تردّد أو محاباة أو تملّق، لأن الثقافة والمثقف لخدمة الوطن ونحن نسميها الثقافة الوطنية، أي ثقافة علاقة المواطن بالوطن، وأن تكون هناك إرادة في الدولة لتصويب العلاقة بين المواطن والوطن بدءاً من الفكر بالوعي واستخدام العقل وليس القبول بأي أفكار لا تخدم ثقافة حب الوطن والدفاع عنه والاستشهاد من أجله، وهناك محاولات كانت ولا تزال وقد تبقى وقتاً طويلاً مهمتها تغييب دور المثقف والمثقفين وعدم قبول الرأي الآخر، وأنا بدوري أؤمن بالرأي الآخر وأنا معك بأن المرحلة شديدة الحساسية ومتداخلة ومتشابكة وملتبسة وأحياناً بالغة التعقيد، لكن لابد من الدخول بكل ثقة وإيمان ويقينية على الحالة التي ولّدت كل هذه الكوارث للسوريين كل السوريين والتي أصابت الجميع، وإن كانت بقدر مختلف بين شخص وآخر أو بين أسرة وأخرى، وأقول: من الحكمة أن نفتح حواراً بنّاءً نقدياً، وأن يكون للمثقف والمثقفين دور ريادي، ونبعد المنافقين والانتهازيين عن العمل العام والمسؤولية في المجتمع ومؤسسات الدولة، ولا أظن أن هذا يحتاج إلى قرار إنما يجب أن ننتزعه انتزاعاً لصالح المجتمع والدولة والوطن.
عمل وطني فكري على مستوى سورية
من خلال عملكم في جمعية البحوث والدراسات باتحاد الكتّاب العرب وأنتم كنتم رئيساً لها، هل ينهض الباحثون (اليوم) باستحقاقات لحظتنا السورية بمعنى الاستشراف، وما هو الموكول إليهم في ضوء استراتيجيات قادمة؟
طبعاً الجميع مطالب بأن يقوم بواجبه ودوره ومسؤوليته بشكل فعّال في التصدي الفكري والثقافي لهذه الحرب التكفيرية الإخوانية- الوهابية، وأنا على يقين بأن الفكر الإخواني- الوهابي هو وراء كل هذا الإرهاب وكل الجماعات الإرهابية تعمل على خدمة هذا الفكر الظلامي بعدد أفرادها الكبير الذين حملوا السلاح ضد الوطن والشعب والدولة والجيش والمؤسسات، هم أعداء الحياة، لكنهم فشلوا وتحطّمت مخططاتهم أمام المعجزة التي صنعها الشعب والجيش والقيادة والتي لا مثيل لها في التاريخ، إعجاز حقيقي بمواجهة الإرهاب المرعب المتوحش، وأظن أن الكل مطلوب منه أن يكون على مستوى المسؤولية وخاصة أعضاء اتحاد الكتّاب العرب وبشكل خاص أعضاء جمعية البحوث والدراسات في الاتحاد التي كان لي شرف أن أكون مقررها في العام المنصرم، وهذا العام من خلال الانتخاب طبعاً حسب ما يسمح به النظام الداخلي للاتحاد، وتعدّ جمعية البحوث أكبر جمعية في الاتحاد وتضم أكثر من 260 عضواً من الباحثين والمفكرين والدارسين وأساتذة الجامعات وسواهم، وأظن أنها حاولت بأعضائها أن تكون حاضرة في المشهد السوري بكل تعقيداته سواء في دمشق العاصمة أو المحافظات السورية وعبر الندوات والمحاضرات والأبحاث والدراسات ومن خلال وسائل الإعلام المتعددة الوطنية والعربية والعالمية لإظهار الموقف على حقيقته وكشف المخططات التي تستهدف الرسالة الحضارية والتاريخية والثقافية لسورية، والحفاظ على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها، ودائماً نقول: نحن بحاجة إلى عمل وطني فكري على مستوى سورية يشارك فيه الجميع من دون استثناء أفراداً وجماعات ومؤسسات ووزارات وفق مهامها لأن الحرب متوحشة قذرة تستهدف الجميع وخاصة الانتماء والهوية والثقافة وتالياً الوجود والمصير والرسالة.

د. إبراهيم زعرور سطور وعناوين:
- دكتوراه في تاريخ العرب والإسلام من جامعة دمشق.
- إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.
- أستاذ تاريخ العرب والإسلام/ قسم التاريخ- كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق.
- معلم ومدرّس في وزارة التربية لمدة ثماني سنوات.
- الإشراف على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراه لطلاب سوريين وعرب.
- المشاركة في الحكم على أكثر من خمسين رسالة ماجستير ودكتوراه.
- المشاركة في عدد كبير من المؤتمرات والمنتديات والندوات العلمية والثقافية والسياسية والطلابية والشبابية والبرلمانية (زيارة أكثر من ستين بلداً في العالم بخصوص الأنشطة آنفة الذكر).
- كاتب مقالات ثقافية وسياسية وتاريخية وعلمية.
- محلل سياسي في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.
- محاضر في المراكز الثقافية العربية السورية الممتدة على مستوى سورية.
- عضو لجنة كتابة تاريخ العرب في الجمهورية العربية السورية- جامعة دمشق مند عام 1990.
- عضو أسرة تحرير مجلة (دراسات) التاريخية التابعة لجامعة دمشق.
- عضو مجلس إدارة اتحاد المؤرخين العرب – القاهرة منذ عام 1990.
- عضو لجنة كتابة تاريخ بلاد الشام.
- مقرر جمعية البحوث والدراسات في اتحاد الكتّاب العرب منذ عام 2015.
- عضو قيادي في الاتحاد الوطني لطلبة سورية واتحاد شبيبة الثورة واتحاد الشباب العرب بين عامي 1969-1985.
- عضو في السلطة التشريعية (مجلس الشعب) لدورتين 1986 و1990.
- نقيب المعلمين في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق لمدة ثماني سنوات.
- عضو في مجلس كلية الآداب لمدة 20 عاماً.
- نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية للشؤون الإدارية والطلاب من 2007 -2009.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: