الإثنين, 18 كانون الأول 2017
مجلة جهينة > أيام معهم > المطران عطا الله حنا مطران القدس.. أيقونة المقاومة
المطران عطا الله حنا مطران القدس.. أيقونة المقاومة
جهينة - أحمد علي هلال

بطلّته الواثقة وقسماته النورانية، بكلماته المطمئنة المتماهية مع رسالته ودوره، وهو المتشبث فوق أرضه فلسطين وقدس أقداسها، العربي بمعنى الكلمة، العاشق للشام خارج حدود (سايكس -بيكو)، وعنده أن دمشق والقدس قلب واحد ينبض في جسدين، هو المقاوم والإنسان، وبتمام الاسم والهوية والانتماء.. هو المطران عطا الله حنا، الذي مشى على درب آلام السيد المسيح، لم يهدأ أبداً في أتون ملحمة المقاومة، ولطالما كانت قامته الغيم لتظل إطلالته على الأرض التي بورك حولها، وتشبّع قداستها، وليبث تلك القداسة حبر إيمان وبسالة مواقف في اللحظات الفارقة من تاريخ قضيته فلسطين.

الوثيقة التاريخية
المطران عطا الله حنا، سادن الأقصى وكنيسة القيامة، ورئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، ما انفك يوماً مدافعاً عن قضيته بما يمتلك من وعي حارس، ولعل وثيقته التي أطلقها أوائل عام 2010، والتي خاطب بها الكنائس الغربية من أجل الدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية وثيقة مناشدة من مسيحيي الأراضي المقدسة إلى جميع مسيحيي العالم بضرورة التحرك من أجل حماية المقدسات، هي الوثيقة الأشهر وهو من قال يوماً: (نريد أن نعيش أحراراً).. وهي الوثيقة ذاتها التي طالب بها المطران حنا المجتمع الدولي بوقفة حق تجاه ما يواجهه الشعب الفلسطيني من ظلم وتشريد ومعاناة وتمييز عنصري على مدى ستة عقود، وقال في الوثيقة: (إن الاحتلال العسكري لفلسطين خطيئة ضد الله والإنسان، لا تُغتفر إلا بالسلام العادل وتحقيق المساواة).
المتآمرون على سورية هم المتآمرون على فلسطين
وهكذا تتعدد مواقف المطران عطا الله حنا الذي لم يبتعد عن دمشق بوصفها عاصمة الروح، ليكون سفيراً فوق العادة لقضيته، فحينما يزور سورية ويلتقي السيد الرئيس بشار الأسد فإنه يتعرض للاعتقال من الصهاينة بسبب ذلك، أو يُهدد بالإبعاد عن فلسطين، لكنه يجهر بقوله: (هذا لن يثنينا عن مواقفنا في قضايا فلسطين والعالم العربي)، مضيفاً: إن زيارته إلى سورية هي ذات طابع كنسي وروحي وإنساني وتضامني، وفيها قال للسيد الرئيس: (إن المتآمرين على سورية هم المتآمرون على فلسطين).
فلسطين.. البوصلة
ارتبط بوعي المطران عطا الله حنا أن القضايا واحدة لا تتجزأ، وهو ينطلق من كليتها من الوطن إلى الانتماء إلى المواقف التي كان شاهدها الكبير، ثمة سياقات عديدة مثلت في ممارسته قوة المثال إذ الجسد في فلسطين والقلب في دمشق، عندما نكون في دمشق لا نكون بعيدين عن القدس لأن دمشق والقدس توأمان لا ينفصلان، وأن عدونا واحد وألمنا واحد ونزيفنا واحد، كذلك المتآمرون على القدس وفلسطين هم ذاتهم الذين يتآمرون على سورية، ويخططون لتفكيكها وإضعافها وشرذمتها، لكنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، فالمشروع الصهيوني في فلسطين سيفشل كذلك المشروع الذي هدف إلى (تقسيم) سورية سيفشل أيضاً، لأن سورية قوية بقيادة رئيسها وجيشها وحكمة شعبها ووحدتهم، إذاً الجسد في دمشق والقلب في فلسطين، يحملها كما حملته ليصير سفيراً فوق العادة لها بوصفها أنبل القضايا التي برع في الدفاع عنها بكل ما أوتي من حكمة وصلابة وإيمانية النظرة الجامعة، وكيف لا وهو من وقف إلى جانب أسرى فلسطين-أسرى الحرية، وجهر بقوله غير مرة: إن كل المساجد والكنائس في فلسطين تتبنى مطالب الأسرى، وإن إضرابهم لن ينتهي إلا بتحقيق مطالبهم في سجون الاحتلال، وإن ما يحصل هو رسالة للعرب بأن تكون بوصلتهم فلسطين، فليس غريباً أن يعلن رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس إضرابه عن الطعام تضامناً مع الأسرى المضربين في سجون الاحتلال، وبما يزيد على اثنين وعشرين يوماً ولسان حاله يقول: إن الأسرى يدافعون بأمعائهم الخاوية عن كرامتنا جميعاً، وقدموا أعمارهم من أجل أن نعيش بحرية وكرامة، ويدافعون عن شرف الأمة وعن مقدساتهم الإسلامية والمسيحية.
وينتصر عطا الله حنا للحرية إذ هي عِقدٌ، بل واسطة العقد ودرة التاج، فالإنسان هو أثمن ما وجد على الأرض، ولعل المواقف هنا والأكثر وضوحاً تجلت في وضوح رؤيته بذاتها، وجلاء رسالته بأطيافها الواسعة وهي من تدلنا على مآثر لا تتكرر، مآثر يصنعها سادن وجدان جمعي، يقف منافحاً ومدافعاً عن التنوير في أزمنة كان القدر فيها هو المواجهة، والمواجهة بلا حدود، وعند المطران عطا الله حنا هي المواجهة بالكلمة/ الضوء، والموقف/ الرسالة لطالما أنبتته هذه الأرض ليشبهها في ينابيعها وخصبها، هو الطالع من رحمها نبتاً مباركاً ومتجذراً لا تثنيه الريح عن أن يظل واقفاً كسنديانة مباركة تجاور مآذن القدس وكنائسها لتكون ظلها المضيء.
مناضل أبدي
في السياق ذاته نتذكر «روجيه غارودي» الفيلسوف الفرنسي الذي وقف أبداً مدافعاً عن القضية الفلسطينية، وزجّ ذاته لا يديه فحسب في «عش الدبابير»، كان المطران على مسافة مما فعله روجيه غارودي ذلك الذي زُج به إلى قاعات المحاكم إثر كتابه الشهير «الأساطير المؤسسة للدولة الإسرائيلية»، وعبر ذهابه إلى وثائق أثبتت المبالغات الفادحة في هذه القضية ليواجه بالتنكيل. ففي التاريخ ثمة رجال أنصفوا القضايا العادلة وأنصفتهم، ولن تمر أسماؤهم عابرةً أمام شاشة التاريخ لأنهم من حملوا شعلة الأولمب ويحملونها من جيل إلى جيل آخر، ومن زمن إلى زمن آخر، بل حملوا مصباح ديوجين في الأزمنة الصعبة كأمثال المطران عطا الله حنا وغيره ممن ظلوا قوة مثال الروح على معنى المقاومة في الأزمنة المختلفة.
عاشق للحرية والكرامة
ذلك المتأمل في معاني التضحية والفداء، والانتصار على الموت، نتعلّم منه كيف أن المحبة يجب أن تكون مقرونةً بالتضحية، فهي التي تحتضن البشرية بأسرها مستضعفيها ومظلوميها، ولم تغادر لسانه كلمات في دلالة القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب حر، يعشق الحرية والكرامة، وفي سبيلها قدّم كل التضحيات ليقول إنها أعدل وأنبل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.. ذات الطريق – طريق الجلجلة- من حملته على اجتراح كل أساليب الدفاع الذكي عن القدس وفلسطين، فسياق فلسطين التاريخ والحضارة، هو سياق كل أطيافها ومكوناتها الدينية والحضارية، يقول المطران عطا الله حنا: (أنا لست ناطقاً باسم مجلس الكنائس العالمي، ولكن يمكنني أن قول إنني أتواصل مع كل الكنائس، بما فيها الكنائس الممثلة بمجلس الكنائس العالمي)، هكذا هي القضية بجناحيها تخفق في فضاءات فلسطين منذ أول إنسان مشى على أرضها، ومنذ سال دم الحرية الأول، وأيضاً منذ نقشَ على حجارتها أبجدية المقاومة صراطاً لجمر الحكاية الفلسطينية- السورية ومدوناتها الكثيرة.
وفي المواقف الدالة والتي تقودنا إليها بصيرة المطران عطا الله حنا نتأمل في السياق تاريخاً فاعلاً وليس عاطلاً عن الحلم والعمل والإنجاز فكم يشبه الأرض التي أنبتته، ومثل تدفق بحرها ورسوخ جبالها، في مكان ما لا تموت الحقيقة لتظل أبداً تولم للذاكرة كل الوقائع واليوميات النازفة على الخريطة، فهو قوة المثال للروح في الأزمنة المنفصلة المتصلة، سادن مقاومة وُجدت لتبقى وتتصل بمآثر المقاومين على كل الأرض العربية، فهي الدرس اللانهائي لمن لفحت جباههم الشموس وليس من مسافة بين الزناد وأصابعهم.. إنهم غد فلسطين المطل على الأبدية.
الكلمات أفعال
المطران عطا الله حنا في سطوره القليلة لكنها العميقة معنى ودلالةً، يأخذنا إلى أن الكلمات أفعال وهو عُرف بها، كثافة مواقف لا تُختزل، بل تفيض بدلالاتها الواسعة وبما نشتقه منها من قوة الأثر وبلاغة الروح، وصوابية الرؤيا حينما تحيق المخاطر بالأوطان، وتصبح الكلمة أبلغ من سواها، كما هو بذاته كلمة في سفر المقاومة والعدوان على سورية، رائد الوضوح وحارس الحقيقة التي لا تُحجب شموسها. هكذا دوّن المقاوم فقه حريته وحرية الأوطان فيما تصادى في وعيه، وليكون وعيه الطليق رسالةً حاضرةً أبداً، هي الأكثر جدارة بالحياة ووقفاتها، المشبعة ثقافةً إيمانيةً تتجاوز الحدود والتخوم لتكون خندقاً آخر في المواجهة، ولعلّه الأول فيها، ولأيامه القادمة المتوثبة الجمر والناهضة كالتاريخ ستبقى المدونة: كثيفة السطور وما يصل منها يتصل بجدارة من يستحقون الحياة.. فكلما زار دمشق جاء من فلسطين وعدٌ بالنصر، يجيء المطران عطا الله حنا بكل الأوسمة الوطنية وبلاغة النشيد الوطني.

سطور وعناوين
• ولد في الرامة عام 1965 في الجليل الأعلى لفلسطين، ودرس اليونانية في القدس، وأكمل دراساته في اليونان.
• حصل على ماجستير اللاهوت من جامعة سالونيكي عام 1991.
• بعد عودته إلى القدس عُين راهباً في كنيسة القيامة، وكناشط في الحياة العامة فهو المدير والمتحدث العربي باسم البطريركية، وقام بالتدريس في المدارس المحلية، وحاضر عن المسيحية في كلية المعلمين العرب في حيفا.
• حصل على دكتوراه فخرية في اللاهوت من المعهد اللاهوتي في صوفيا/ بلغاريا، وعلى لقب أرشمندريت.
• قال رداً على تهديدات الاحتلال الصهيوني والعصابات الإرهابية التكفيرية: نحن جماعة لا نخاف الموت في الدفاع عن الحقيقة والقيم الإيمانية والوطنية.
• عقب لقائه السيد الرئيس بشار الأسد أكد المطران عطا الله حنا بقاء سورية على موقفها بخصوص فلسطين وأهمية الوجود المسيحي في الشرق.
• قال في ندائه إلى المغاربة من الرباط: باب المغاربة في القدس ينتظركم محررين لكي نرفع معاً راية الحرية على مساجد وكنائس وأسوار القدس.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: