الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > زوايا > شآمنا.. أميرةُ الحُبِّ والحياة
شآمنا.. أميرةُ الحُبِّ والحياة

أجلْ، هذه هي شآمنا التي لم تجعل ظنّنا يخيب أيضاً في صيف 2017.. فعلى الطائر الميمون مرةً أخرى مع طاقم (السوريّة) الذي يحقّ للمرء المحبِّ لوطنه أن يفخرَ به، لأنه طاقمٌ جميلٌ قلباً وقالباً، روحاً وجسداً، يتفانى في خدمة العائدين إلى وطنهم، وعلى رأس هذا الطاقم قبطانٌ خبيرٌ يصعد بالطائرة ثم يهبطُ بها بكل حِرفيّة و(معلميّة) لا تجدهما في شركات عالمية. ولو كان كلّ الركاب من طراز طاقمها، لاسيما في الحفاظ على الطائرة ونظافتها، لكنّا أحسنَ شعوب الأرض من دون منازع، واستحققنا درجةَ «خير أمّةٍ أخرجت للناس».
وشكّل تغلُّب المغتربين -ومنهم أولادي- على مخاوف السفر نصراً لا يقلّ عن الانتصارات الكبرى التي تتحقّقُ كل يوم، ودليلُها أن دمشق (مثلاً) باتت تضجّ بالحياة والحركة في كل أوقات النهار والليل! نعم، الليل أيضاً، حيث يسهرُ الناسُ خارج بيوتهم حتى وقت متأخر بما يُتاح لهم من نزهات وأنشطة، وكان أهمَ تلك الأنشطة حدثان فرضا نفسيهما بقوة في شهر آب الماضي، أولهما: معرض الكتاب التاسع والعشرون في مكتبة الأسد، وثانيهما: معرض دمشق الدولي التاسع والخمسون على طريق المطار.. فقد ضجّ معرض الكتاب بزوّاره من الفئات كافة، ومن كلا الجنسين، واشترى محبّو القراءة كتبهم بأسعار لا يمكن منافستُها، ولا سيما من جناح وزارة الثقافة، ناهيك عن أن المعرضَ كان فرصةً لتلاقي الناس في صيفٍ جاء رحيماً هذا العام، ووازاه جوٌّ ثقافيٌّ مع عددٍ وافرٍ من الأمسيّات الأدبية قصّاً وشعراً، إضافة إلى حفلات توقيع الكتب. أما مَعرِض دمشق الدولي فكان في حلّته الجديدة قِبلةً للناظرين، ومفاجأةً للمترقّبين، وصدمةً للمتربّصين بما ضمّ من مشاركات محلية ودولية وعدد زوّاره الذين تزاحموا طوال أيامه العشرة بعد أن توافدوا زرافاتٍ من المحافظات والأقطار كافة، واستمتعوا بالمعروضات وصوت فيروز الصدّاح في أجنحته.
لكن بردى، الذي لطالما غنّت له فيروز، لم يكن سعيداً كثيراً يا سادتي، لأن المَعرِضَ كان بعيداً عنه أولاً، وثانياً لأن ركوداً كبيراً أصابه، فبات يستجيرُ ويأمل بأن يُستجاب لندائه كي يرتقيَ في صفائه إلى صوت فيروز الملائكي وأشعار أميري الشعر: أحمد شوقي (قُمْ ناجِ جلّق) والأخطل الصغير- بشارة الخوري (سلْ عن قديم هواي هذا الوادي) وغيرهما، كما أن الشوارع حول بردى لم تُسعدْ كثيراً بسائقين (ليتهم كانوا في مستوى قبطان السوريّة)، إذ كان همّهم الأول الوصول إلى مبتغاهم بأيّ ثمن، ولو أزعجوا المارة حتى شيخهم وطفلهم. نعم، لم يكن بردى الذي نعرفه، ولا كان هؤلاء هم المثال الأروع الذي عرفنا إنسانيته من قبل، التي وصفها منذ الجاهلية شاعرنا حسان بن ثابت بقوله:
يسقونَ من وردَ البريص عليهم بردى يصفّق بالرحيق السلسل
كان الغنى الثقافي من مطبوعات ومحاضرات أمراً جاذباً للنظر، فذلك الوهج لم يخبُ في أحلك ظروف الحرب الكافرة، ولو شابَ الحالةَ الثقافيةَ بعضُ أدواءَ يرتفع فيها الصوت دون حاجة ماسّة من أديبٍ يُفترضُ أـنه يستحقّ لقبه أو آخر يحضر أنشطته ويختفي عن أنشطة غيره. ولعلّ من الإنصاف أن نذكرَ أمسيةً متميزةً في التاسع والعشرين من آب بعنوان (أطباء لكن شعراء) أبدعَ فيها المحاضرون (أ. محمد مروان مراد، د. نزار بني المرجة، د. برهان خربوطلي) في الإضاءة على أطباء شعراء منذ العهدين الأموي والعباسي مروراً بالعهد الأيوبي وصولاً إلى يومنا هذا، فغصّت قاعة أبو رمّانة (التي شهدت معرضاً فنياً جميلاً مُزامِناً للفنان أحمد شما) بالحاضرين، فتفاعل كثير منهم مع الحدث متطرّقين إلى إنسانية مهنة الطِّب وصعوبة ولادة أديب أو شاعر بين الأطباء.. وكان أيضاً فرحي كبيراً بتلقي ولدي الصغير دروساً في العربية النبيلة على يد أستاذ خبيرٍ لطيفٍ شابَ مفْرقُه في قراعِ (الدروس)، وبطباعة مجموعتين قصصيتين كتبتُهما في أعوام الحرب (حلم ليلة عيد، والقرود المفتونة ببلاد الظلام)، فبقيتُ أركضُ طوال أيام الإجازة مستنفراً الجهودَ الملحّةَ عند الجهات المختصة التي كرّمتني باستجابتها، وعند ابنتيّ العزيزتين اللتين أنجزتا الغلافين كلوحتين ناطقتين، وأخيراً عند المطبعة اليازجية التي ترجمت تعبَ ثلاثة أسابيع ليبقى الرابع أسبوع توزيع الكتابين، لكن يا للحسرة! لأن ذلك الفرح شابَتْه غصّةٌ خاصةٌ (غير غصّات عامة)، إذ فقدتُ أناساً أعزاء كنتُ أقابلهم كل عام، غيّب الموتُ بعضهم، وغيّب أيضاً المرضُ العُضال بعضَهم الآخر، فتعذّرت زيارته.
لكن تبقى الفرحة الكبرى في شآمنا، أميرةِ حبِّنا التي بدأت تتعافى من جرائم الترويع، وراحتْ تتزيّن عروساً للمجد تتيه، وتسحبُ وراءها ذيولَ الشهب.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: