الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > ميديا > مقاربةٌ بصريَّةٌ لطقوسٍ صوفيَّةٍ
مقاربةٌ بصريَّةٌ لطقوسٍ صوفيَّةٍ

جهينة-د. محمود شاهين
يصنّف الباحثون (المولويّة) ضمن المذاهب الصوفيّة، وينسبونها إلى الشاعر الصوفي الإيراني جلال الدين الرومي المتوفى في مدينة (قونية) التركية عام 1283م، وهي طقس من طقوس الذِّكْر التي تقوم على الموسيقا والغناء والحركة الدائريّة التي يؤديها مجموعة من الناس، وانتشرت المولويّة في الدول العربيّة والإسلاميّة انطلاقاً من تركيا إبان الحكم العثماني، وعُرفت في سورية (خاصة في حلب ودمشق) وما زال هناك من يمارسها حتى اليوم، بل أضحت نوعاً من (الفلكلور) الذي تقدمه الفرق المختصة على مسارحها وبعض مسارح العالم.
اندماجٌ كلّي
تقوم المولويّة على (الفتلة) التي تتدرج بالسرعة في محاولة من الذي يؤديها للاندماج الكلّي بالذات الإلهيّة، ولها قواعد ووسائل يشير إليها الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه (العقود اللؤلؤيّة في طريق السادة المولويّة)، مؤكداً أنه لا يجوز أن يقترن مجلس المولويّة بشيء من المنكرات، والمقصود منها فقط هو مجرد السماع ترويحاً للقلوب وتنشيطاً للسلوك باستعمال الناي والدفوف وغيرها.
ارتقاء بالمقامات الموسيقية
تتألف حلقة الذِّكْر المولويّة من رئيس لها هو المنشد الذي يقوم بانتقاء الموشحات والقدود ويرتبها بحيث تتم عملية الارتقاء تدريجياً بالمقامات الموسيقيّة وتسريع الإيقاع في نهاية كل فصل، تساعده في ذلك مجموعة من المنشدين الذين يجب أن يتمتعوا هم أيضاً بأصوات جميلة، يتوزعون على يمين الرئيس ويساره، ويُعرفون باسم (الأجنحة) تضاف إليهم مجموعة أخرى من المنشدين يُطلق عليهم اسم (المعاونين). وتبدأ (الفتلة) في حلقة الذِّكْر المولويّة مع عزف الناي، وتكون في البداية بطيئة الحركة، تتسارع بالتدريج حتى تصل إلى ذروتها برفقة الناي الذي ينتقل هو الآخر من نغمة إلى أخرى وبشكل تصاعدي، ترافقه الدفوف التي تواكبه في عملية الانتقال من إيقاع إلى آخر.. هذه الإيقاعات يتلقفها (درويش) المولويّة، وتزداد (فتلته) مع ازديادها حتى يصل به الوجد إلى الذروة برفقة الموسيقا والإنشاد، وتستمر في العادة هذه الفتلة ساعةً أو أكثر من دون توقف أو اصطدام الذين يؤدونها ببعضهم بعضاً. وللفتلة طريقتان: الأولى ثابتة، وهي صعبة وتتطلب الدقة، حيث يضع الدرويش مسماراً بين إصبعين من أصابع قدمه اليسرى ليضمن دورانه في مكانه. أما الطريقة الثانية فهي متحركة، حيث يفتل الدرويش ضمن دائرة الحلقة ويدور فيها.

لباسٌ يناسب الأداء
يرتدي دراويش المولويّة لباساً خاصاً مؤلفاً من (قنباز) أو (دشداشة) أو (جلابيّة) بلون أبيض، تعلوها سترة قصيرة تصل إلى الزنار العريض المحيط بخصر الدرويش، والطربوش المستقر على الرأس، وقد يرتدي تحت هذه الثياب سروالاً طويلاً.. ومع الحركة المتصاعدة للدرويش ينفرش ثوبه ليتحول إلى دائرة أو ما يشبه الصحن مخروطي الشكل، وقد لحقت بهذا الثوب بعض الإضافات (الإكسسوارات).
لوحة تراثية
أثارت طقوس المولويّة ودراويشها اهتمام الفنانين التشكيليين العرب والأجانب، فقاموا برصدها في العديد من الأعمال الفنية المسطحة (الرسوم واللوحات) والمجسمة (المنحوتات والمجسمات). وكغيرها من الموضوعات ذات السمة الشرقيّة والتراثيّة اللصيقة بالعالم الإسلامي لفتت المولويّة اهتمام الفنانين الأوروبيين المستشرقين فوضعوا لها وحولها العديد من اللوحات، منها لوحة زيتيّة شهيرة للفنان (جان ليون جيروم) تحمل اسم (المولويّة) مؤرخة بعام 1895م وهي من مجموعة (دافيد. ب. تشارلمز) في مدينة (هيوستن) بالولايات المتحدة الأمريكيّة، وتمثل اللوحة مشهداً من طقوس المولويّة التي ربما أُتيح للفنان رؤيتها أثناء زيارة له إلى إحدى الدول الإسلاميّة أو رسمها نقلاً عن صورة أو من وحي حديث نُقل إليه.. إذ اقتصرت اللوحة على درويش واحد وعدد من المنشدين والمرددين والموسيقيين الذين انضووا في صف أفقي شغل نصف اللوحة السفلي، تدل حركاتهم ووضعيّة أفواههم على أنهم في حالة إنشاد، أما الدرويش فقد توسطهم، ولجأ الفنان هنا إلى اعتماد الألوان الغامقة في معالجته للشخوص والأرضيّة وباقي عناصر التكوين الشريطي الأفقي، وهي من البني والأسود والأحمر والقليل من الأخضر، ولكي يُبرز كتلة التكوين عالج الخلفيّة المؤلفة من تشكيلات معماريّة توحي بأنها مأخوذة من داخل أحد المساجد باللون الأبيض المشوب بلون سكري شفاف، أشار من خلاله إلى هيكليّة هذه التشكيلات والتفصيلات المعماريّة الداخليّة وبعض الأدوات التي توحي بأنواع من الأسلحة التي كانت تستخدم في تلك الأيام، وهي عناصر للزينة تم تعليقها على الجدار ضمن تجويف يوحي بالمحراب.
رؤية خاصة
وللفنان التشكيلي المصري الرائد (محمود سعيد) لوحة مشهورة تحمل عنوان (دراويش المولويّة) تمثل ستة أشخاص يمارسون هذا الطقس وسط حلبة خاصة، ونُفذت بأسلوب واقعي مختزل وبألوان تغلب عليها تدرجات البني والأبيض موشحةً بالأزرق المطل من نوافذ المكان الذي دلّل الفنان على شرقيته من خلال الأقواس الناهضة على أعمدة بسيطة التصميم. كما كان للفنان التشكيلي السوري وليد سالم كموش تجربةٌ لافتةٌ في تناول هذا الموضوع الذي قدّمه من خلال رؤية انتقائيّة خاصة، حاول من خلالها توظيف عناصر ومفردات وألوان اللوحة كافة لعكس روحيّة طقس المولويّة. كذلك فعلت الفنانة التشكيليّة السورية المقيمة في إيطاليا شيرين الملا التي استخدمت تقنية المينا في التعبير عن دراويش المولويّة.
(المولويّة) في الحركة التشكيلية
يصعب هنا الإحاطة بكل النتاجات الفنيّة التشكيليّة التي تناولت طقوس المولويّة ودراويشها، سواء العالميّة أو الإسلاميّة أو العربيّة لأنها كثيرة ومتشعبة ومتنوعة الأساليب والصياغات والتقانات، لكن هناك عدداً من الفنانين الذين أوقفوا كامل تجربتهم الفنيّة (أو الجانب الأكبر منها) لهذا الموضوع، فتناولوه من زوايا مختلفة ورؤى وأساليب ارتبطت بهم دون غيرهم.. من هؤلاء الفنان التشكيلي السوري عبد المحسن خانجي المولود في مدينة حلب عام 1950، والدارس لاختصاص التربيّة والممارس للفن التشكيلي بشكل ذاتي، وقد قام بتأسيس صالة عرض للفن التشكيلي في مسقط رأسه عام 1990 دعاها (الخانجي) أقام فيها العديد من المعارض الفرديّة والجماعيّة له ولفنانين سوريين وعرب كثر.
لقد كرّس الفنان خانجي العديد من إنجازاته التشكيليّة في مجال اللوحة لموضوع دراويش المولويّة، وأقام معارض خاصة لها منها المعرض الذي أقامه في صالة (السيد) للفنون الجميلة في دمشق ودعاه (مولويات) أو (المولويّة بين الحركة والسكون). والطريف أن حفلة للمولويّة رافقت افتتاح المعرض ما شكّل سابقةً في هذا المجال وضعت زائري معرضه في الجو العام لهذا الطقس الصوفي، أي إنه حضّر زوار المعرض عاطفياً وشعورياً للتعامل مع لوحاته التي استلهمها من هذه الأجواء، ما جعل تلقيهم لها فيه الكثير من الحيويّة والتفاعل والصدق، حيث رصد الفنان خانجي في أعماله الدراويش برؤية واقعيّة تعبيريّة وبأكثر من حالة ووضعيّة وحركة، وقد تنوعت عناصر لوحته واختلفت من عمل إلى آخر، فقد أخذ درويش المولويّة مفرداً في وضعية الحركة أو جالساً مع دفّه أو ضمن تجمعات معتمداً على الألوان الزيتيّة وألوان (الإكليريك) الناشفة وعلى الصياغة الواقعيّة المبسطة والمختزلة عبر أسلوبين رئيسيين: اعتمد في الأول التبقيع اللوني الخشن المرصوف بإحساس انطباعي، حيث اللمسة تجاور الأخرى، وهي بكامل طزاجتها كما حملتها الفرشاة من (مزّاجة) الألوان إلى سطح اللوحة. واعتمد في الثاني التبقيع اللوني متماهي اللمسة بما يجاورها من لمسات لونيّة أخرى بحيث تُشكّل هذه اللمسات مجتمعة مساحات واسعةً مؤلفةً من تدرجات لون واحد أو لونين (أصفر وأبيض، أزرق وأبيض، أخضر وأبيض، وبني وأبيض) مزاوجاً فيها بين الحار والبارد، والفاتح والغامق تاركاً للون مهمة تحديد هيكليّة العناصر والأشكال في اللوحة، أو يقوم بتحديدها بخط قوي، الأمر الذي جعل الرسم يطغى على اللون.
ومن أعمال هذه الفئة أيضاً تطل تأثيرات قوية من خلال تجربة الفنان التشكيلي السوري الراحل لؤي كيالي، ولاسيما في المرحلة التي اشتغل فيها على التأثيرات التي توفّرها خامة الخشب المضغوط، حيث اقتصد الفنان كيالي في أعمال هذه المرحلة اللون لصالح الرسم مستفيداً من التأثيرات الناعمة لتوضعات ألياف الخشب غير المنتظمة في إيجاد مساحات لونيّة شفيفة، هادئة، بسيطة، مُشكّلة من لون واحد أو لونين وتدرجاتهما.. ولفصل العناصر عن الخلفيّة وتحديد هيكليتها أطّرها بخط انسيابي واضح وقوي دلّل من خلاله على إمكاناته المتفوقة كرسام ومشكّل غرافيكي ممتاز.. هذه الخصيصة التشكيليّة المتفردة حملتها الأعمال التي أنجزها لؤي كيالي قبيل رحيله، والمكرّسة لرصد الناس المهمَّشين في الشوارع السوريّة (بائع النصيب، ماسح الأحذية، بائع الدخان الصغير، بائع الجرابات، بائع الفطائر)، إضافة إلى موضوعات حياتيّة وإنسانيّة عديدة كالأمومة، والصيادين، والمعاقين، والطبيعة الصامتة.. وهنا قام الفنان عبد المحسن خانجي بمحاولة لمقاربة تجربة الفنان لؤي كيالي هذه، لكنه لم يتمكن من مماثلتها كقيمة تشكيليّة، لاسيما أن الكيالي قام بصقل وتنمية موهبته الفنيّة في محترفات الأكاديميات العالميّة، ورسّخ معارفه وطوّرها من خلال ممارسته الدؤوبة والمستمرة للفن.
وبالمحصلة حاول عبد المحسن خانجي التعبير في أعماله عن الحالة الصوفيّة لدراويش المولويّة، تارة من خلال الحركة وتارة أخرى من خلال السكون، ومرة من خلال الرسم ومرات من خلال اللون، منطلقاً من قناعته بأن الفن هو انعكاس للروح والجمال مقدّس، وتأمله يجعل المرء يشارك في القداسة.. وهذه الرغبة بمقاربة جوانيّة الوجد الصوفي لدراويش المولويّة تشكيلياً اشتغل الفنان خانجي كثيراً عليها، ونجح في بعضها، وجافاه النجاح في بعضها الآخر، وهو أمر طبيعي بالنسبة لموضوع كهذا صعب وعميق يلزمه الكثير من المراجعة والتدقيق والاستعداد الروحي والتشكيلي للدخول في طقسه، تماماً كما يفعل الخطّاط عندما يسطّر آيات القرآن الكريم أو فنان النمنمة والأيقونة حين يقوم بتحضير نفسه وأدوات تعبيره للتواصل عبر الفن مع الخالق والفوز بمرضاته.


أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: