الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > ملف العدد > بانتظار قرار الحسم... الجدل مستمر حول المناهج المدرسية الجديدة
بانتظار قرار الحسم... الجدل مستمر حول المناهج المدرسية الجديدة
جهينة- خاص

لم تمضِ ساعات معدودة على ظهور طبعات المناهج المدرسية الجديدة المطوّرة في وزارة التربية عبر المركز المعروف بـ«المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية» لهذا العام، إلا واشتعلت الأوساط العلمية والشعبية ومواقع التواصل الاجتماعي غضباً وانتقاداً لاذعاً لما ورد في تلك المناهج من تخبُّطٍ وسوء تصرُّف وأداء وأخطاء استراتيجية بلغت حد التضليل المعرفي وحرف البوصلة الوطنية نحو اتجاهات غامضة.

إن ما ذكر أعلاه يمثّل حالات فساد غير موصوف يعكس -وينوِّه إلى - وجود منظومة إدارية وعلمية حكومية لا تراعي ثوابت الوطن السوري وما تعرّض ويتعرّض له من أخطار وخسائر زادتها أخطاء العمل الحكومي فداحةً...وكل هذا في الوقت الذي بدأ فيه العد التنازلي لإنهاء حالة الأزمة المتمثلة بالحرب الإرهابية على سورية والسوريين وإعلان النصر من القيادة السورية المقاوِمة الرشيدة الصامدة، وفي الوقت الذي اشرأبّت فيه الأعناق إلى الخلاص الوطني الكامل من مخلّفات تلك الأزمة-المؤامرة التي خططت لها ودبّرتها الدوائر الصهيونية العالمية، ونفّذتها أيادي الإرهابيين على امتداد البلاد وجوارها.
دور «الدكتاتورية الحكومية الصاعدة» في زمن الحرب
إنها كارثة تعليمية وتربوية مؤسفة تتجسّد اليوم في مناهج أجيال الوطن، وإذا كان لا بد من وضع النقاط على الحروف بدقّة، فلا شك أن «الدكتاتورية الحكومية الصاعدة» في زمن الحرب، والمترعرعة في أجواء «لاءات» القضاء على الفساد التي رعاها بعض الحكوميين الطارئين على الدولة ومؤسساتها، لا شك بأنها تتحمّل المسؤولية، تلك المسؤولية التي تستند إلى سنوات القحط الإصلاحي وانشغال القائد في الدفاع عن البلاد ضد أخطر الحروب التي استهدفتها عبر تاريخها، فتمكّنت الحكومة من كمَّ أفواه المنادين بالإصلاح من كوادرها الوطنية والإعلامية، كما استطاعت تسخير كل الأجهزة لديها لحماية النهج الإداري والعلمي الخاطئ وتجريم كل من يعترض عليه بحجة هيبة الدولة والشعور القومي واستيعاب المرحلة...!...فكانت المرحلة التي لا يتصوّرها عقل سوري: مراحل من الزمن السوري الأصيل إلى مقبرة الحلول التسووية المريضة -حتى ضمن مؤسسات الدولة- مع فئاتٍ لم تكن في يومٍ من الأيام ترضى بدولتها الأم دولةً لها، سواء أولئك الذين تنبض قلوبهم بأسماء دولٍ في الغرب المعادي، أو أولئك الذين يتّخذون من بعض شيوخ الظلام أولياء لأمور وطنهم، فكانت النتيجة دعماً غربياً مريباً منقطع النظير لتوجهات هؤلاء على حساب الوطن الأم الصامد الوحيد على جبهة القتال مع العدو الأول وفروعه في المنطقة.
مفهوم الوطن والهوية في المناهج الجديدة في مهب ريح التطوير!
هي مناهج -مع الأسف- اقتلع بعضها مفهوم الوطن والهوية الوطنية من جذوره، كما استبدل بعضها التربية الوطنية الحقة بالحالة الأسرية في المجتمع المحلّي الذي تمّ الاستهزاء به والعبث بصورته الحقيقية وتحجيم مستواه وربطه في بعض صور تلك المناهج بالدواب، كما وضع بعض تلك المناهج الإنجاز الوطني في مؤخرة الإنجازات العالمية وأعطى الأولوية لإشهار الفنانين الأجانب على حساب الفنانين السوريين، كما برزت في بعض المناهج خرائط صنعها الاستعماران القديم والحديث وتابعت أدواته تشويهها على أنها خرائط للوطن، أما في بعض كتب القراءة فبات التلميذ يقرأ فيها عفن بعض المجتمعات المريضة، هذا فضلاً عن قصائد وأغانٍ لا ترقى إلى المستوى السوري، فيما أُعطيت شعوبٌ وقبائل ثانوية عابرة دوراً مركزياً في صنع التاريخ الوطني على حساب الشعب السوري الأصلي الذي شتّت بعض المناهج أصوله ومنابعه وشوّش على أصالته، في الوقت الذي وُضعت فيه إنجازاتٌ تاريخية سورية أصيلة خلف رفوف المعرفة وأُسدِل الستار على أجزاء من الوطن الغالي وأُسيء إلى أهم رموز الأمة التاريخيين والدينيين مع تركيزٍ أحمق على الأصولية الدينية والسماح لتسرّب بعض هذيان أصحابها إلى أذهان التلاميذ.
أغلفة المناهج الجديدة.. عناوين للمحتوى!
أثارت أغلفة المناهج الجديدة الجدل والسخرية والاشمئزاز لما انطوى عليه بعضها من هزٍّ لصورة العلم في أذهان الأطفال والناشئة، فكان بعضها مرعباً حقاً والآخر بأشكالٍ ووجوهٍ تعجيبية، أما اختيار بعض الصور من التراث الأثري فلم يكن موفقاً على الإطلاق استناداً إلى الإطار المقدَّم إلى التلاميذ الذين لا اطلاع لهم على قضايا التاريخ، فالباحث الأثري على سبيل المثال يستطيع فهم واستيعاب فكرة تمثالٍ ما بعينين كبيرتين جاحظتين أو غائرتين -مهما كانت زاوية التقاط الصورة والغرض منها- كما يستطيع تفسير الشكل المنحوت والأغراض من ذلك فيما لو كان صاحب التمثال ملتحياً وبرأس كبير أقرع مثلاً، أما التلميذ فسيُصدَم لأول وهلة، ولا نعتقد أن مدرّس المادة -ولو كان مختصاً بالتاريخ- سيعطي التلاميذ المعنيين كل تفاصيل المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها النموذج المذكور، كما لن يشرح لهم بتوسُّع تفاصيل المدينة الأثرية التي ينتمي إليها النموذج أو يدخل في ملابسات ما تعرّضت له من أعمال محوٍ، كمدينةِ معطياتٍ هائلةٍ غيّرت مفاهيم تاريخ البشرية...لذا فإن للصورة الصادمة وقعاً في الأذهان الصغيرة، كان بالإمكان جعله إيجابياً باختيار صورة محببة تلفت انتباه التلاميذ من أجل الخوض أكثر في مجال تاريخهم الوطني، وليس تحميله مسؤولية فظاظة بعض صور تماثيله وجعلها للنكتة والسخرية بعد الصدمة الأوّلية!
حملات إعلانية توجد هُوَّة بين أبناء البيئة الواحدة
كان من أهم أهداف حملة «راجعلك مدرستي» حسب مؤتمر وزارة التربية ومنظمة «اليونيسيف» في الثلاثين من شهر آب المنصرم: «تعزيز السلوك الايجابي للأهل تجاه التعليم وضد عمالة الأطفال، تشجيع الأهالي الوافدين على إرسال بناتهم إلى المدرسة ورفض فكرة زواج الفتيات المبكر الذي يحدّ من متابعة تعليمهن، تأهيل البيئة الحاضنة لاستقبال الأطفال المهجّرين من خلال: توعية المديرين والمدرسين والتلاميذ للتعامل مع الأطفال المهجّرين وعدم التمييز بينهم وبين أطفال البيئة نفسها، زيادة وعي أهالي الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالفرص المتاحة لتعليم أولادهم وتشجيعهم على إرسالهم للمدرسة، الحد من مشكلة «عنصرية» الأطفال والمعلمين تجاه الأطفال الوافدين الموجودة في المدارس...»...هذا ما ورد في أهداف الحملة المنشورة التي انطلقت إعلاناتها الطرقية والتلفزيونية والإذاعية مع انطلاق العام الدراسي الحالي وملأت كل مكان في البلد وخاصةً العاصمة دمشق...وإن كنا لا نشك بالنوايا الطيبة والجهود الخيّرة لتأمين عودة ناجحة للتلاميذ إلى مدارسهم، فإننا نؤكّد على وحدة «البيئة» السورية سواء في أوقات السلم والاستقرار أو في أوقات الحروب والأزمات -ولو شابها بعض الخلل الطارئ والمؤقت-، وبالتالي لا نؤيّد على الإطلاق ما ذهب إليه بعض أهداف الحملة حول وجود «بيئات سورية مختلفة»، الأمر الذي تكرر زعمُه من خلال بعض الإعلانات الطرقية، حيث وردت في أحدها العبارة التالية على لسان «المعلّمة»: «من وين ما كانوا الأطفال جايين واجبي علّم الكل»، كما ورد في إعلان آخر ما يلي على لسان «تلميذة»: «لو تغيّرت مدرستي ورفقاتي راجعتلّك مدرستي»...أما في إعلان إذاعي فقد وردت عبارة «غرباء في المنطقة» على لسان عائلة قادمة من محافظة سورية إلى محافظة سورية أخرى!...ونحن نرى أن الحديث عن وجود «عنصرية أطفال ومعلمين تجاه الأطفال الوافدين» أو «عنصرية سكان منطقة أو محافظة ما» هو حديث يفتقر إلى الدقة، أما بعض الحالات الفردية والنادرة فلا تستدعي تعميم وجود حالة عنصرية تستدعي استشارة المنظمات الدولية، ونصرُّ على القول إنه بالرغم مما مورس على الشعب السوري من حملات إعلامية مغرضة خلال سنوات الأزمة، إلا أن الغالبية السورية ما زالت تحتفظ بالأخلاق الوطنية الأصيلة، أما حالة الوافدين إلى محافظات ومدارس جديدة فلم تنقطع طوال العقود السابقة، فتنقُّل العائلات وأطفالها بين المحافظات السورية أمرٌ اعتيادي ومألوف ولا يُطلَق عليهم في أي مكان صفة «غرباء»، كما لا داعي للتذكير بأننا جميعاً قد درسنا في مدارس وصفوف كانت تعج بأبناء المحافظات كافة، ولم يكن أحدنا أو أحد معلمينا يميّز تلميذاً عن آخر حسب محافظته أو مسقط رأسه أو بيئته العائلية...وهكذا فمضمون الحملة لا يعكس واقع السوريين بدقة، الأمر الذي عكس بعض المناهج الجديدة ما يشبهه.
تصريحات وزير التربية ومعاونيه..هل هي ضمن إجراءات مدروسة مسبقاً؟
أتت تصريحات وزير التربية الدكتور هزوان الوز وبعض معاونيه مستفزّةً للرأي العام، فيما بدت وكأنها إجراءات مدروسة مسبقاً بدأت تتجسّد في ألعوبة «تشكيل اللجان والوعود القادمة» كقميص نجاة وتنصُّلٍ من مسؤولية ما حدث، وقد اتكأ الوزير -بادئ ذي بدء- على مبررات انشغاله على أنه حال دون الاطلاع على مناهج وزارته(!) وأن الجميع حوله كانوا على عجلة من أمرهم في وضع وتأليف المناهج الجديدة، حيث سرّب بعض وسائل الإعلام أن مدة أسبوعين كانت كفيلة بإخراج هذه المؤلفات إلى العلن (!) بينما يؤكد تدقيقها أن الأخطاء الواردة فيها تتطلّب وقتاً طويلاً لارتكابها!. وبكل الأحوال فإن الحديث عن وقت قصير لإنجاز تلك المؤلفات هو حديث مرفوض ضمن وزارة مترامية الأطراف ومتعددة المختصين والكوادر، هذا بالإضافة إلى التساؤل الذي يثيره موضوع الإسراع في الإنجاز. ومن جهة أخرى أطلعتنا تصريحات وزير التربية على أنه أحال المناهج إلى مئات المعلمين واللجان المختصة، وذكر أن شخصيات ما معروفة -مثل الفنان دريد لحّام- أُطلعت على التطوير الجديد في المناهج، كما لجأ الوزير إلى المقارنة مع معظم دول العالم، مؤكداً أنه لا مناهج جديدة في العالم كله دون حدوث «مقاومة» -على حد تعبيره-وأنه والوزارة على استعداد لقبول ملاحظات كل المواطنين التي يحترمها. ومن ناحية أخرى قال الوزير: إن خبرته السابقة كمدير لتربية مدينة دمشق أتاحت له قبول الإشارة في بعض المناهج الأساسية لموضوع «التحرُّش بالأطفال»، وأن هذا الموضوع معروف ومألوف وقائم، ومن واجب المنظومة التعليمية والتربوية تحصين الأطفال ضده، فهل كانت تلك الإشارة المبتذلة وغير المتمتعة بالمعايير التربوية حلاً لموضوع التحرّش؟ وهل أحد دروس القراءة للصف الثاني الأساسي هو المكان المناسب لعلاج تلك القضية؟!... هذا وقد أرجع الوزير سبب تسرُّب إحدى القصائد لأحد «المعارضين الخارجيين» في منهاج الصف الأول -وهي ذات مستوى ضعيف أصلاً- أرجعه إلى جهل القائمين على الكتاب، وبالتالي فإذا أحصينا كل الأخطاء الخطيرة والأكثر خطراً في تلك المناهج، فأية لجان نفّذت مناهج التربية الجديدة؟ وأي مؤلفين لها؟ ولماذا ادّعاء السرعة في إنجازها علماً أن الفترة الفاصلة بين عامين دراسيين كافية لوضع مناهج وطنية حقيقية لتلاميذ البلد؟!
وعلى كل حال أصرّ وزير التربية -ومعه مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية- في تصريحاتهما مؤخراً على وجود خطأين فقط لا غير في كل المناهج التي أثارت ضجة الشارع السوري، وهما قصيدة «المعارض الخارجي» المذكورة، والخريطة التي اقتص ناشروها منها الجولان ولواء اسكندرون، رغم أن لهذه الخريطة خلفية وتفاصيل سابقة لم تعالَج كما يجب في وزارة الثقافة.
إن اصرار وزارة التربية على عدم الاعتراف سوى بهذين الخطأين -اللذين أصدر فيهما الوزير قرارين بالمراجعة والتدارك وثبّتهما تحت قبة مجلس الشعب بتاريخ 20/9/2017- إنما يعكس نوايا الوزارة بمسؤوليها الحاليين على تحجيم أصوات المحتجين -وربما تجريمها فيما بعد- وردِّ الأمور إلى مبدأ النسبية من خلال تصريحات الوزير وتأكيدات مدير مركز تطوير المناهج على وجود آراء أخرى إيجابية حول المناهج لم يأخذ بها الإعلام، وبالتالي تمرير المناهج، فواقع الحال يفرض سؤالاً منطقياً وهو: أية معايير ستحصي نسبة الرافضين لتلك المناهج طالما أن وزير التربية -ومعه فريق رسمي كبير بالتأكيد- يعطي نفسه الصلاحية لدحض كل الآراء التي ترى أن أخطاء المناهج أكثر بكثير من خطأين اثنين؟
المناهج الجديدة تحت قبّة البرلمان...لا مشكلة ولا حل!
ناقش مجلس الشعب في جلسته الثالثة من الدورة العادية الخامسة للدور التشريعي الثاني بتاريخ 20/9/2017 برئاسة نائب رئيس المجلس نجدت أنزور مواضيع تتعلق بأداء وزارة التربية ومنها موضوع المناهج الجديدة قائلاً «إننا نتفهم المخاوف المجتمعية في هذا الموضوع وردود الفعل تجاهها، ويجب ألا تكون ردودنا وردود أفعالنا غير دقيقة أو غير معبّرة عن الواقع، مع ضرورة عدم إهمال هذه المخاوف، وفي الوقت ذاته عدم الانجرار خلف كل ما يقال على بعض وسائل التواصل»... ودعا أنزور وزيرَ التربية إلى إيضاح الرؤية الاستراتيجية والمعايير التي اعتمدتها الوزارة في وضع المناهج التربوية...فأجاب الوزير بالقول: «إن تطوير المناهج التربوية اعتمد على رؤية المجتمع السوري وتطلعاته لبناء جيلٍ واعٍ ومدركٍ لقضاياه الأساسية وقادرٍ على بناء آرائه وأفكاره بناءً علمياً منهجياً، وأن الكثير ممن انبرى لتوجيه الانتقادات والملاحظات على المناهج لم يقرأها أو يطلع عليها»، مبيناً أن الوزارة شكلت لجنة علمية تربوية لدراسة الملاحظات والمقترحات الواردة إليها حول المناهج المطورة، لافتاً إلى أن منهجية عمل اللجنة تتلخص بدراسة كل ما كُتب أو نُشر حول المناهج والتأكد من صدقية وروده فيها وتحليل مضمونه وتصويب الأخطاء وتحديد المسؤولين عنها لمحاسبتهم وتفنيد الافتراءات التي نعتقد بكثير من الجرأة –حسب تعبير الوزير الوز- أنها «مدسوسة لغايات غير نبيلة وتحتاج إلى الحذر منها ومواجهتها»، مضيفاً: «إن بعض المواقع والصفحات تناول مناهجنا بكثير من الافتراءات وأثار بلبلة، وهذا يدل على تقصّد الإساءة إلى الوطن والتربية والعمل على إفقاد المتعلمين الثقة بمناهجهم، وان أول من بدأ الحملة صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية وقناة «العربية»، ولفت وزير التربية إلى أن «تأليف اثنين وخمسين كتاباً جديداً هذا العام يعد إنجازاً كبيراً في ظل الظروف الصعبة والموارد المادية القليلة جداً، مبيناً أن الأخطاء انحصرت في كتابين من تلك الكتب، ومن خلال تلك الملاحظات تم تعميم الافتراءات ووصف المناهج بما وصفت به»، وقال: «بناءً على ما سبق تم التوجيه بتصويب الأخطاء ومتابعة نتائج عمل اللجنة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من أخطأ»،
وهكذا يتبيّن من خلال إجابة وزير التربية تحت قبة البرلمان أنها موجهة بالدرجة الأولى إلى جمهور المعترضين والمنتقدين للمناهج الجديدة، كما تنطوي تلك الإجابة الرسالة على تهديدٍ ووعيدٍ مبطّنيْن، إذ إننا نلاحظ أنه قام -بجرأة- بتحديد التُّهم وتهيئتها للقادم من الأيام حين تحدّث عن «الدس لغايات غير نبيلة» و«الافتراء» و»إثارة البلبلة» و«الإساءة للوطن» و«ربط المنتقدين بحملة صحيفة وقناة تلفزيونية سعوديتين»...وكما نلاحظ، فكل ما بين قوسين له توصيف في قانون العقوبات السوري...وهنا ندعو إلى الفصل الدقيق بين ملاحظات الجمهور الخالية من الافتراء وتلك التي تحمل افتراءً في عملية التقييم العام للانتقادات والاعتراضات، كما نستغرب الثقة الكبيرة لوزير التربية بسلامة المناهج الجديدة من الأخطاء، فالسبر الأولي لها يؤكد احتواءها على الكثير جداً من الأخطاء التي لم يشر بعد جمهور التواصل إليها، كما لم ترد في أية زاوية من زوايا صحيفة «الشرق الأوسط» أو أعمدتها، ولا في أيِّ عاجلٍ من عواجل قناة «العربية» أو فبركاتها...لذا فما بال السيد وزير التربية بالدراسات المتأنية التي ستصل إليه تباعاً، والتي ستعتمد التوثيق الأمثل والحجج العلمية والمقارنات والخلفيات؟! وعندها فهل سيُطَبَّق القانون على مرتكبي الأخطاء أو على المتعمّدين في ارتكابها على الأقل؟!
المناهج الجديدة والإعلام المتأرجح
تعامل بعض وسائل الإعلام المسموعة وذات الانتشار الكبير مع موضوع المناهج الجديدة بأسلوب «اللفلفة الذكية» وعدم الخوض في الهام والخطير منها، فجاء بعض المقابلات المباشرة مع ذوي الشأن في الموضوع مثيراً في المقدمات، متناقضاً من خلال المحتوى، وفيه لمسنا -على سبيل المثال- ارتفاع وتيرة الصوت وحدّته لدى توجيه سؤال ما، ليتبيّن بعده أن الإجابة مضمونة من الطرف المسؤول وتشكّل بالنسبة إليه ما يشبه الضربة القاضية لانتقادات الرأي العام، فتم التركيز في بعض الأحيان على موضوع التربية الدينية وإدراجها في بعض المراحل، الأمر الذي يمتلك المسؤول المعني إجابات رادعة بخصوصه تتلخص في «سياسة الدولة» و»احترام الرأي الآخر»...بالإضافة إلى مواضيع ارتكز المسؤول فيها على التذرُّع بالقوانين والأنظمة المعمول بها والمماطلة والوعود بالإصلاح والعرض على اللجان الوطنية المختصة من كوادر الجامعات والوزارات السورية وما إلى ذلك...وبينما بدا بعض أصوات المسؤولين في المقابلات الإذاعية مرتجفاً مرتبكاً في موضوع المناهج، كان التفخيم الشخصي المبالغ فيه من المذيعة -مثلاً- سنداً لحججه...هذا ولم يقتصر الأمر على مذيعة ما، بل لمسنا ضعفاً كبيراً في التطرُّق إلى هذا الموضوع وتوثيقه لدى أحد مذيعي الفضائية الرسمية، والذي كرّس برنامجه الأسبوعي للتحقيق في ملفات حكومية هامة، فخَفَتَ صوتُه لدى استضافته المسؤول الأول عن المناهج الجديدة المطوّرة الذي كان مسلّحاً بعباراتٍ محضّرةٍ مسبقاً خاصةٍ بتعويم الخطأ وتعميم الصواب، فأسقط هذا الضيفُ في الماء بعض حججِ المذيع المعتمدةِ على قراءاتٍ فحسب من مواقع التواصل حول المناهج، ولم يستطع المذيع في حلقته طيَّ موضوع المناهج طيّاً بارعاً يمكّنه من التركيز على النهج التربوي الذي بات مطلوباً تغييره جذرياً لتتحسّن المناهج، فبحث عن أي إنجازٍ للحلقة، فكان الإنجاز لوزير التربية الذي تكرّم -من خلال مداخلته الهاتفية- بالموافقة على الحضور إلى البرنامج شخصياً بعد شهر لمناقشة الموضوع!
العلاج يجب أن يكون جذرياً ويحمل صيغة المحاسبة
طالعتنا الأخبار المتواترة من مكاتب وزارة التربية عن حركة غير معهودة في الأيام السابقة للتستُّر على ما حدث في المناهج وسحب بعض ذرائع المنتقدين، وقد تجسد ذلك -كما رأينا- بقرارات تشكيل اللجان النمطية العاجلة لاستبدال خريطة من منهاج أو قصيدة من منهاج آخر وغير ذلك من الإجراءات التي فات أوانها وتجاوزت الوقت الضائع الرئيسي من العلاج الجذري!...أما العلاج الجذري -ومن ضمنه علاج وضع التربية- فهو قرار قيادي أُطلق قبل أشهر ضمن الشروع بتنفيذ مشروع الإصلاح الإداري، ولعل ما يرتبط بحماية أجيال الوطن إنما يشكّل جوهر المشروع المذكور وغاية الجميع فيه.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: