الجمعة, 17 تشرين الثاني 2017
مجلة جهينة > الإفتتاحية > جغرافيا محصنة بالدماء
جغرافيا محصنة بالدماء
ما إن أُعلن عن تحديد موعد استفتاء «استقلال» إقليم كردستان ونيّة الانفصال عن العراق حتى تعالت المخاوف واشتعلت المواقف الإقليمية والدولية، والتي ذهبت في غالبها الأعمّ إلى رفض هذا الاستفتاء أو الرغبة في تأجيله، تجنباً لأي نزاعات وحروب تُغرق المنطقة أكثر فأكثر في صراعات عرقية وحدودية قد تمتد لعقود طويلة، بينما تبنّت دول عدة مواقف متلوّنة متباينة تُظهر عكس ما تُبطن، أوضحها موقف «تل أبيب» التي شجعت على انفصال الإقليم عن العراق.
لقد أعلنت سورية على لسان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم، أنها ترفض رفضاً قاطعاً الاستفتاء على انفصال «إقليم كردستان» عن الدولة العراقية، مؤكداً دعم سورية لوحدة العراق. فيما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من مغبّة التداعيات المحتملة المزعزعة للاستقرار في المنطقة جراء استفتاء الإقليم الكردي في العراق، مشدداً على احترامه لسيادة العراق وسلامته الإقليمية ووحدته، وأنه ينبغي حلّ جميع المسائل العالقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان من خلال الحوار المنظم والحلول التوفيقية البنّاءة!!.
ندرك ويؤيّدنا جميع من شهد ضراوة وشراسة الحرب على سورية خاصة والشرق الأوسط عامة، والتي خطّطت لها الولايات المتحدة الأمريكية، ونفّذتها دول إقليمية وعصابات إرهابية ومجموعات تكفيرية إجرامية بالتعاون مع «إسرائيل»، أن الأهداف الحقيقيّة لهذه الحرب كانت تتقاطع برمتها عند هدف وحيد يسعى إلى ضمان أمن «إسرائيل» بعد تفتيت الجغرافية الواحدة، وتحريض بعض الأقليات ضد الدولة المركزية، تحقيقاً للحلم الصهيوني بإقامة كيانات هشّة متناحرة متقاتلة، أو مرتبطة وخاضعة للسياسات الأمريكية في المنطقة، على غرار إمارات وممالك ومشيخات الخليج التي يحكمها «وهابيو» آل سعود و«إخونجيو» آل ثاني، غير أن فشل التكتيكات العسكرية لتلك المنظومة التخريبية، واندحار جماعاتها وعصاباتها، وهزيمة مموليها وسقوط رهاناتهم، دفع بكل أولئك إلى تجريب تكتيكات أخرى أكثر خبثاً، يمكن أن يكون «استفتاء» انفصال كردستان عن العراق أولى تجلياتها، ولاسيما أننا نعرف العلاقات التاريخية التي تربط الزعماء الصهاينة ببعض القوى والشخصيات الكردية، تمخضت مؤخراً عن رفع العلم «الإسرائيلي» جهاراً في دوائر ومدن عدة بإقليم كردستان.
وبعيداً عن «قلق» أنطونيو غوتيريش ومخاوفه من مغبّة التداعيات المحتملة المزعزعة للاستقرار، ونحن الذين اختبرنا عجز الأمم المتحدة عن إدانة الدول الداعمة والمموّلة للإرهاب في سورية، وبغضّ النظر عن صمت بعض الأنظمة العربية المتآمرة على وحدة وجغرافيا المنطقة، والاستنكار الخجول «المبطن بالنوايا» لبعض القوى والدول الفاعلة في العالم، لا بد من التأكيد بالإضافة إلى تصريحات السيد وليد المعلم وزير الخارجية والمغتربين، أن السوريين الذين وعوا أهداف هذه الحرب ورفضوا اقتطاع أي شبر من أراضي الجمهورية العربية السورية، وعمّدوا ذلك كلّه بدماء أبنائهم من جنود الجيش العربي السوري وضباطه، لن يلتفتوا أو تستثير مخاوفهم أي دعوة بإقامة كيان كردي في الشمال، وخاصة في الأراضي التي تسيطر عليها ما يسمّى «قوات سورية الديمقراطية» المدعومة أمريكياً وتركياً، وهم الذين آمنوا بقيادتهم وجيشهم وحلفائهم وحصّنوا حدود وطنهم بدماء الشهداء والجرحى، ووثقوا بأن ما عجزت واشنطن وحلفاؤها عن تحقيقه بالقوة العسكرية لن تأخذه بسياسة المكر والخداع والدهاء، وهي التي استخدمت كلّ قوتها وأدواتها لتدمير العراق وسورية وليبيا واليمن وتفتيت أراضيها، ودسّ الفتن العرقية والطائفية بين أبنائها وتغذية دعوات الانفصال في كواليس «السي آي إيه».
بالتأكيد أن سورية تعتزّ بتعدديتها ومكوناتها، وقوانينها تساوي بين كل الأعراق والطوائف المنتمية لهذه الأرض والجغرافية الواحدة، وفي الوقت نفسه تكفل حرية أي مواطن وتراعي حقوقه وواجباته كفرد ضمن حدود الدولة وسيادتها، لكن المؤكد أكثر أنها لن تسمح بأي دعوة لفصل أي جزء من ترابها، وأن المخاوف التي أبداها بعض المرجفين بعد استفتاء «استقلال» إقليم كردستان عن العراق لن تجد لها مكاناً بينهم، وكما وأد بواسل الجيش العربي السوري الجماعات الإرهابية المسلحة وهزمها في كل المعارك، سيئد أي قوة تدعو إلى فصل أي ذرة تراب من أراضيها، فهذا التراب معمّد ومحصّن بدماء آلاف الشهداء والجرحى وتضحياتهم الخالدة.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: