الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > زوايا > سورية .. سِوَار الحياة
سورية .. سِوَار الحياة

رغم فقدان الأحبة في مهلكة الحروب وبقاء الحزن ساكن القلوب إلا أنها وحدها تخطو صوب النهار لتحقق المقولة الشعبية «لا خوف على الأصيل مهما مالت به الأيام والأصحاب”، كما تحقق مقولة الحضارة» جينات تجري في الدم وسيبقى العريق عريقا حتى لو بقي غريقاً.. ونقول إلى مَن يظن أن السوري قد غرق، ولن يكون له اعتبار، وأن المخطط نجح، وأن أنياب الكلاب المسعورة مزقت أوردة شرايين الحياة في العنق السوري، إنه واهم، جهول، أحمق، حقود. والتاريخ دائماً ينحاز إلى عشاق الحياة والنهار والحسن.. يميل إلى الزارعين وصناع الفن وحراس العلم. والسوري واحد من هؤلاء العظماء.
ليس لدي دليل على ما أقول سوى عشق موروث من جد الجدود حين أوصانا بدمشق في وصايا تل العمارنة.. لا أملك برهاناً غير إيمان حقيقي بالحق وبالمعرفة التي تؤكد أنه مهما طال التخريب والترهيب لن يكون في المقابل إلا الصمود وحتماً النصر كما الفجر آتٍ لا محالة.. وقد أوشك فجر سورية على البزوغ، وفرض نوره على ظلام الليل البهيم، وليحرق عواء أنجاس الأرض ممن يطلقون على أنفسهم (المجاهدين) زوراً.
بعد تهليك الأرض، وتطفيش البشر، وقلع الزرع، وتخوين الكل، وتعكير الأمل، والسب والشتم في جيشنا الأول وتمني انقسامه وهزيمته، وتصوير السوري إما مهاجراً عميلاً أو مقيماً عاجزاً، واختراع القصص الوهمية عن مقتل وهروب القادة، وعن ميل الدولة للتقسيم، واشتراط التسوية بـ(خروج) الرئيس الأسد، وتوصيف ما سبق للتاريخ وللأجيال القادمة بقصص أفك أرادوها هم بخيالاتهم المريضة، وكانت سورية هي من تنسج قصص الحق والحقيقة والمقاومة والصمود والبقاء في الحياة بتحدي الخراب في عيون أطفالها ونسائها وشبابها ورجالها. وأقول هذا بغير مطمع ولا تدليس، وكيف أطمع وأنا ابن حضارة عريقة، وأقيم في أرض حضارة قامت على الخير والزرع والثمر، مثلي لا يعرف أساليب التطبيل ولا الكذب على التاريخ، ولكني أدوّن نحتاً كما علّمني أجدادي الفراعنة في صخر الغباء الإنساني، فأنا وريث ثقافة عُرفت بعشقها لسورية، كل ما أريده أن أنقل لكم صورة فرحتي وحرصي على اكتمال صوة الحسن والجمال في بلاد الشام التي خصّها السلف الطيب بالعديد من الأوصاف البديعة.
ومن هذه الصور أدهشني منذ أسبوعين تلك الصور التي نشرها صديقنا الأستاذ نذير جعفر الناقد الأدبي والمثقف السوري المتحقق عبر صفحته على التواصل الاجتماعي، وهي تحكي عن حلب الشهباء بعد الخراب الذي حلّ بها.. الصور بسيطة جداً تعبّر عن حب الحياة ورغبة السوريين بتقديم الخير والعمار للدنيا، فظهر هذا بوضوح في صور لمحال عصير أقيمت على قارعة طرق متهالكة تقدّم فاكهة حلبية طازجة.
وفي بعض الصور الأخرى، التي أرسلتها لي أسرة سورية صديقة جمع بيننا حب الخير وود المعرفة، الصور لصبْيين ينحدران من عائلة سورية كريمة، هما «نور 14 سنة» و«ورد 12 سنة»، حماهما الله، ورعى طيورك يا سورية.. كبر الاثنان وتشكلت مراحل تعليمهما الأولى على صوت قرع الحرب إلا أنهما لم يتأثرا، فتراهما في صورتهما بحالة الفرح لا الفزع متفوقين في دراستهما متميزين، ترى الفرحة الأولى بعيونهما منذ سبع سنوات. وبعد تأمل في الوجوه والملامح في هذه الصورة، رأيت أن سورية تبتهج بصبيانها وطيورها الصغار، تستثمر أي مناسبة لتقيم عرساً احتفالياً يجمع العديد من البشر الأسوياء غير خائفين من القذائف ولا غدر مخربي الدنيا الحاقدين على سوريتهم، وكان المنظر احتفالية الدوري السوري، الحضور والمشاركة والعلَم السوري في الخلفية الواضحة في الصور، يجعل الأخرس ينطق ويقول: «هنا سورية يا أولاد الطواشي».
إن احتفالية الحياة السورية التي تعمّ مدنها كرنفال طقسي حضاري يقاوم الحصار والإرهاب البغيض الذي تتعرّض له سورية منذ سبع عجاف، فقد آن الآوان لتحويلهن إلى سبع سمان في خطة تعمير تستحقها سورية المنتصرة بالعزيمة والإرادة في عيون صبيانها وخير زرعها.
آن الآوان، حين نسمع اسم السوري في الأرض، فنشعر معه بالعزة والفخر والإعجاب والثناء، حان الوقت كي نبتهج كما تعودنا من أبناء سورية في كل المحافل المحلية والدولية وعلى منصات العلم العربية والعالمية ليؤكدوا أنهم أصحاب سبق وأن لا مكان على أرضهم للتطرف والتخلف. فالثورة الحقيقية هي من صنعها الصمود السوري شعباً ودولة، الثورة تنتصر في عيون «ورد، ونور»، وفي عصير فواكه حلب.. هم (كَزَرْع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم أتباع مسيلمة الكذاب).
وفي مجمل القول، تعود بهجة الحياة مع نبت الأرض السورية التي تتحرر وتنتصر وتبني، وعمار الأرض يعود ويدبّ الحياة فيك يا سورية، فابشري، فلنا فيك أمل وحلم وصلة رحم، فانهضي، وإنا معك لزارعون، والله لَنَمْحُوَنَّ أعداءك يا سوريّ..
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: