الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > ميديا > حلول مستدامة في الفراغات العامة نحو تصميم داخلي أكثر تفاعلا وحيوية مع بيئة الإنسان
حلول مستدامة في الفراغات العامة نحو تصميم داخلي أكثر تفاعلا وحيوية مع بيئة الإنسان

جهينة- د. حسام دبس وزيت
إن تطور الإنسان والعلوم المرتبطة بالارتقاء بحياة هذا الإنسان نحو تأمين مستويات أفضل من الرفاهية والصحة والأمان دفع الكثيرين إلى إعادة التفكير بمجمل تلك الحلول التي تبنتها التطبيقات التقنية لعديد من التخصصات العلمية منها والفنية، والتي طالت بالضرورة موضوع العمارة والتصميم الداخلي بشكل خاص، من حيث كون هذين التخصصين معنيين بشكل مباشر بترجمة تلك العلوم وتطبيقاتها في محتوى الفراغ المعماري والبيئة المعدة لحياة الإنسان شاغل هذا الفراغ.


المتغيرات
إن الاستخدام اللاواعي أو المفرط لعدد من التطبيقات التقنية والعلمية في مجالي العمارة والتصميم، ولاسيما مع التطور الذي طال المفاهيم والأسس الوظيفية والجمالية، وخصوصا في العصر الحديث، وما أفردته الثورة الصناعية من تقنيات ومواد جديدة، ألقى هذا الاستخدام بظلاله سلبا على عملية التصميم من خلال ما يمكن تسميته بالتأثيرات الزمنية، إن صح التعبير، أي مجمل تلك المتغيرات السلبية التي تطول الإنسان والبيئة المحيطة به. ومن هنا فقد بدأ التفكير مليا في إعادة ضبط المحتوى التصميمي في إطار زمني يتعامل مع هذه المتغيرات ويحد من تأثيرها. وقد مهد ذلك لظهور ما يعرف بالعمارة الخضراء التي سعت نحو تأمين أفضل الشروط والمحددات التي تضمن صحة الإنسان في الفضاءات المعمارية، كما أطلق اسم العمارة البيئية على كل المباني التي تراعي في تصميمها سلامة البيئة المحيطة بالإنسان. ويشكل التصميم المستدام أو العمارة المستدامة أحد أبرز المفاهيم التي أعادت التفكير بمجمل الحلول الوظيفية والتقنية وحتى الجمالية منها، وباتجاه إعادة انتاج هذه الحلول بصيغة تراعي فيها تطور الإنسان ومستقبل هذا الإنسان، بمعنى إنها اهتمت بالعامل الزمني في التصميم، الذي لطالما غاب في كثير من الأحيان عن المحتوى المعماري والحلول الموافقة له.
المفهوم
إن مفهوم الاستدامة ببساطة، هو عين على الحاضر وعين على المستقبل، إن ما نصنعه أو ننتجه اليوم يجب أن يخدمنا وأن يتوافق مع احتياجاتنا في المستقبل. وفي مجال التصميم والعمارة، فإن التصميم حتى يكون مستداما لا بد أن يضمن أفضل الشروط الصحية لحياة وبيئة الإنسان، وبالتالي أصبحت موضوعات العمارة الخضراء والعمارة البيئية جزءاً لا يتجزأ من التفكير المستدام. ونريد أن نعيد التأكيد هنا، على أن مفهوم الاستدامة هو مفهوم عام تندرج تحته مجموعة من التطبيقات التي تطول موضوع الاستدامة وبحسب كل تخصص، وأن التطبيقات المرتبطة بالعمارة الخضراء والبيئية تمثل أحد وليس كل الحلول المستدامة في هذين المجالين، حيث يختصر العديد من المختصين موضوع الاستدامة في التصميم والعمارة في عدد محدود جدا من تلك التطبيقات والتي طالت عدداً من الحلول التقنية والوظيفية في مجال توفير الطاقة واستخدام المواد الطبيعية وتدوير النفايات وتوظيف النبات وغيرها.
الزمن
ويعتبر الزمن، العامل أو الرابط الرئيس لموضوع الاستدامة بالإضافة إلى الهدف بالطبع، الذي هو الإنسان ومحيطه، وهذان المحددان يمثلان المنطلق في أي عملية تصميم معماري أو داخلي تطول البيئة المحيطة بالإنسان شاغل الفراغ، وبالتالي تدخل كافة الحلول الوظيفية والتقنية والجمالية وما تنطوي عليه من اعتبارات سيكولوجية واجتماعية وقيم بصرية وتشكيلية وغيرها في عملية التصميم، وبحيث يتم تأمين كافة الشروط التي تفضي إلى حياة أفضل للإنسان اليوم وغداً، ويستثنى بالطبع من ذلك المحتوى المشاريع المؤقتة التي تنضوي تحت مدة زمنية محددة كالمعارض والمناسبات وغيرها، ومن هنا يكون التحدي الأبرز أمام المعمار والمصمم معاً في أن يضبطا زمنياً الاختيارات والحلول التي يتم توظيفها في كل فراغ وبما يحتويه من عناصر بصرية وتجهيزات، وأن يضبطا أيضاً هذه الحلول مع المعايير العالمية المرتبطة بموضوع الاستدامة والتي قد لا تطول التصميم المعماري والداخلي بشكل مباشر، إذ إن موضوع الاستدامة يدخل في إطار التخطيط العام لسياسات التحديث لكل البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والخدمية وغيرها والتي تشمل قطاعات مختلفة في عمل المؤسسات العامة والخاصة على حد سواء.
وفي تخصص العمارة والتصميم الداخلي على وجه التحديد، نستطيع أن نطرح في هذه الصفحات المقتضبة عددا من الأفكار والحلول المرتبطة بمفهوم الاستدامة وتطبيقاتها في الفراغات العامة، والتي ترسم ملامح أوضح للتصور المعماري لبيئة الفراغ الداخلي، والهدف بطبيعة الأمر هو الإنسان شاغل الفراغ.
المعايير
في البداية، نستطيع أن نتبين جانباً من الحلول الوظيفية للفراغ المعماري والتي يقوم المصمم باقتراحها وفقاً للبرنامج الوظيفي المعد للفراغ، ووفق الأسس والقواعد العامة والخاصة المتبعة في التصميم لهذا النوع من الفراغات، إلا أن هذه الحلول قد تغفل في كثير من الأحيان العامل الزمني، كما ذكرنا، والذي يعد الأبرز في موضوع الاستدامة، إذ تكون هذه الحلول آنية تلبي احتياجات الإنسان والفراغ لفترة محدودة من الزمن وتصبح قاصرة عن تلبيتها لاحقاً، وهنا يكون من واجب المصمم ألا يتسرع في ضبط الحلول الوظيفية والتصميمية لأي فراغ وفق قواعد عامة استند إليها من مراجع معيارية عامة، وهو ما نلمسه أكثر عندما تكون عملية التصميم هذه من غير المختصين، أو الذين يعنونون موضوع التصميم الداخلي بأعمال الديكور والتزيين فقط. إن المصمم الداخلي لابد أن يكون واعياً ومدركاً لكل التغيرات التي يمكن أن تطرأ على المحددات التي انطلق منها أو استند إليها في عملية التصميم ويجب أن تترجم الحلول الوظيفية التي اختارها هذه التغيرات، والتي قد تحمل بعداً تنظيمياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، وبالتالي يجب أن يتوفر في التصميم جانب من المرونة في إعادة توظيف واستغلال المساحات إضافة إلى إمكانية التغيير والتعديل البسيطة وغير المكلفة.
القيم
لا نستطيع أن نغفل في هذا الصدد أيضا الاعتبارات التنظيمية الأخرى للفراغ الداخلي والتي تشمل مجمل العوامل التي تضبط سلوك الإنسان داخل الفراغ، ويبرز هنا العامل النفسي في المقام الأول، فيما يكون لعملية تنظيم الفراغ ومحتوياته من دور، وما يكون للعناصر البصرية من لون وخط ومساحة وحجم من دور، هي الأخرى، في التأثير على نفسية وسلوك وانتاجية الفرد، ومن هنا فالاختيار والتنظيم الواعي للفراغ لا بد وأن يضعا في الحسبان أن يكون التصميم قادراً على إضفاء قيم إيجابية عبر الزمن في مجال صحة الإنسان النفسية وفي مجال الارتقاء بسلوكه وتحسين مستوى إنتاجيته في الفراغ. وفي دور لا يستهان به، وعلى الصعيد ذاته تبرز القيم البصرية كأحد تلك المحددات التي تضبط المستوى الإدراكي للفرد وبالتالي تضبط الاستجابة الحسية لمختلف الوظائف الفسيولوجية للإنسان داخل الفراغ، وهذه القيم مهمة جداً، فحواس الإنسان وتحديد الاستجابة الحسية لكل مكون بصري لا بد أن تتم دراستها بشكل جيد بهدف تحديد الرسالة المعرفية التي يعرضها التصميم على عقل الإنسان، ومن المفيد أن تحمل هذه الرسالة بعداً زمنياً، أي أن ترتقي بمستوى هذا الإدراك بشكل إيجابي وفعال.
وفي إطار آخر نختبر موضوع الجمال واللذة الجمالية، والسؤال المطروح هنا، هل يمكن أن يكون لقيم الجمال دور في تأمين حلول مستدامة في الفراغ الداخلي، والجواب بالتأكيد أجل، فالقيم التي يصوغها التصميم في الفراغ، والتي يحتل الجمال أهمها، لا بد وأن يكون لها بعداً زمنياً، وبتعبير أبسط، فالتصميم يكون متفرداً بقدر ما يستطيع أن يطرح قيما جمالية، آنية من جهة، ومستقبلية من جهة أخرى، أي إن ما نراه اليوم جميلاً سيظل جميلاً بنظرنا ولو بعد مئة عام، وبالتالي فإن مستوى ثقافة ووعي المصمم وقدرته على استقراء المستقبل تستطيع أن تجعله قادراً على رسم ملامح بصرية وقيم تشكيلية جمالية مستدامة.
التقنية
تبرز الحلول التقنية للتصميم الداخلي، من جديد، كأحد أهم الحلول التي سبق واختبرت موضوع الاستدامة بتطبيقاتها الشائعة في مجال توفير الطاقة واستخدام الطاقة النظيفة وغيرها، إلا أن ما نريد التأكيد عليه هنا هو أن تكون هذه الحلول قابلة للتجديد والتطوير وإعادة الاستخدام من دون اللجوء إلى إجراء تعديلات جذرية في الفراغ المعماري، وبالتالي يكون دور المصمم تأمين كافة البنى التحتية والخدمات، والتي تحدد مسارات وأماكن توضع كافة التجهيزات والخدمات المرتبطة بالفراغ المعماري وبشكل مرن وكاف، ويستطيع أن يوفر حلولاً جديدة لهذا الفراغ أنى شاء مستثمر الفراغ في المستقبل. ونريد أيضا التأكيد في الموضوع التقني على دور المواد الطبيعية منها والصناعية في عملية التصميم، لما لها من تأثيرات على الإنسان والبيئة المحيطة به من ناحية تحقيقها أو مواءمتها لعوامل السلامة والأمان، ومن ناحية قدرتها وتحملها لكل المؤثرات التي تجعلها تتغير سواء من ناحية الشكل والمظهر أو البنية. وصحيح أن المواد الطبيعية ربما تكون أكثر اخضراراً، أي أكثر ملاءمة لصحة الإنسان، وربما أكثر موافقة لسلامة البيئة المحيطة بنا، وصحيح أيضاً أن أغلب المواد الصناعية ذات تأثيرات سلبية على الإنسان والبيئة في آن معاً، وقد تتجاوز هذه التأثيرات السلبية في كثير من الأحيان التأثيرات الفسيولوجية المباشرة لتتعداها إلى التأثيرات البصرية على حواس الإنسان، إلا أن التطورات التقنية الحديثة التي طالت موضوع إنتاج وتصنيع المواد ومدى قدرتها على محاكاة الخصائص البنيوية والشكلية للمواد الطبيعية، بل تجاوزتها في كثير من الأحيان إلى خصائص أكثر فاعلية ومواءمة لصحة الإنسان والبيئة، وخصوصا مع تقنيات «النانو» والتي قدمت لنا مواد جديدة كلياً وذات خصائص فريدة وغريبة، وهو ما فتح الباب عريضاً في الآونة الأخيرة لدخول مثل هذه التقنيات وغيرها في مجال إعادة إنتاج وإبداع مواد صناعية أكثر فاعليـــــة وأكثر استدامة وتطول استخداماتها مجالي التصميم الداخلي والعمارة.
تطبيقات
لابد لنا في معرض الحديث عن الاستدامة من استعراض أهم الحلول التي تم اختبارها في موضوع التصميم الداخلي والعمارة، والتي يعد عنصر النبات من أهمها، حيث اتجه عدد كبير من المصممين والمعماريين نحو هذا العنصر في محاولة لإبداع تشكيلات معمارية داخلية وخارجية يكون النبات أحد مكوناتها بالضرورة، كما تم اختبار نمو النبات عمودياً بحيث يستطيع أن يحاكي بدوره المكون المعماري بأبعاده وفضاءاته. ولابد لنا من التذكير بفكرة إعادة التدوير التي استقى منها الفنانون والمصممون موضوعاتهم بقوة، وقدموا نتاجهم الابداعي في محتوى تصميمي جديد استطاع أن يعيد بناء منظومة وظيفية وجمالية في آن معاً. وفي موضوع لا يقل أهمية، نلمس توظيف الطاقات الطبيعية في التصميم الداخلي والمعماري، والتي سبقنا إليها المعماريون القدماء في منطقتنا العربية، واستطاعوا أن يقدموا حلولاً تصميمية مستدامة تتجاوز في كثير من الأحيان الحلول التي انطوت عليها العمارة المعاصرة ومحدثاتها كالملقف والمشربية، كما أن العديد من المصممين سعوا باتجاه إعادة إنتاج هذه الحلول أو محاكاتها في عمارة العصر الحديث.
المستقبل
إن الحلول التي يطرحها موضوع الاستدامة في مجال التصميم الداخلي تعتبر حديثاً من أهم القضايا التي تشغل بال المصممين والمطورين في مجالي التصميم والعمارة، وخصوصا مع بروز تحديات جديدة من خلال التطور العلمي والتقني والتقاني الهائل والذي ألقى بظلاله على كامل المحتوى والفضاء التصميمي لأي مشروع، وباتت المهمة التي تقع على عاتق المصمم الداخلي أكبر بكثير، من ناحية مدى قدرته على تضمين كافة محددات ومتطلبات التصميم في الفراغ الوظيفية منها والجمالية، مع الالتزام الكامل بكل الشروط والمعايير العالمية، إضافة إلى القدرة على مواكبة كافة التطورات والمتغيرات في المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية منها، وبهدف ابداع تصميم قابل لأن يحيا، وقابل أيضاً لأن يتجدد، وأن يكون حاضراً بقوة في المستقبل.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: