الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > إصدارات > الساخرُ يخرس لـ. حسن م يوسف
الساخرُ يخرس لـ. حسن م يوسف
في مجموعته القصصية الجديدة (الساخرُ يخرس) والتي قدّم لها د. نضال الصالح، مفتتحاً إياها بغواية النص، يقدم لنا القاص والسيناريست المبدع حسن م يوسف صورةً أخرى لشواغل سردية حكمت فضاءات محكياته السردية بسمتها الواقعية، أو الأقرب إلى الواقعية/ الواقعية الساخرة التي برع حسن م يوسف في تشييد عماراتها النصّية-السردية.

يجد القارئ في تلقيه لهذه الحكيات السردية غير ذروةً جماليةً وواقعيةً لمحكيات الواقع، وكيف التقط القاص حسن م يوسف خيوطها التأليفية وبرؤى تقوم على المغايرة والاختلاف في تكثيف المتن الحكائي، وشدّ أواصره ببنية معرفية تقوم على استثمار تلك المحكيات بما يحايثها من نصوص الواقع وما بعده، إذ يشتغل على تقنيات تقرّب تلك القصص من الذائقة الجمعية والفردية بآن، وما يلفت في أجوائها تلك التموضعات التي يقف فيها أبطاله ليس على مسافة من الراوي الضمير بقدر ما يقفون على مسافة من السارد الرائي لصيرورات المصائر والأحداث والأقدار المتشابكة، وكل ذلك عبر توظيف السخرية الفادحة في مرئيات الكاتب وصولاً إلى ما تحدثه الكتابة في الوعي العام على مستوى التلقّي، وثقافة النص.
إن ما يحمل على القول إنها مجموعة قصصية استثنائية بنصوصها الستة، هو أنها تمثل في سياق هواجس الكاتب الأصيلة مشروعاً إبداعياً جديراً بالانتباه والفحص لآليات الاشتغال وتأثيث الرؤيا، فمن واقعية الحدث وتوتراته الدرامية/ البصرية، إلى إحكام النهايات التي تنوس ما بين أن تكون ذات انفتاح دلالي، وأخرى لتأويل القارئ المحتمل، تذهب بنا القراءة كقيمة مضافة إلى غير متعة معرفية بخفايا تلك الشخصيات/ الأبطال وتنوع مصائرهم، إذ السخرية هنا نسيج للقص، لكنه الأوفر حظاً في بنية محكيها الطليق.
والناظر إلى تلك التجربة المديدة للقاص حسن م يوسف، يمكنه ملاحظة الطريقة التي يحكم بها شواغله واستراتيجيات قصّه، ليذهب أكثر إلى الواقع المستعاد برؤيةٍ، وإلى استعادة لقيم جمالية مازال القص يتوسلها عبر ما اصطلح عليه أفعال المغامرة السردية. وإذا كان من الصحيح أن ثمة شيفرات سردية تظلل البناء الحكائي فعلى الأرجح أن القاص وهو يشيد تلك الأكوان السردية المتصلة - المنفصلة والمتناغمة مع قصديات النصوص ذاتها أكثر منها من قصديات المؤلف، وعبر التقنيات المصاحبة لعملية السرد استطاع من خلال العنونة التي اختارها لقصصه، ومن خلال ولوجه في بؤر الحكايات المشعة، أن ينهض بالسخرية كمعادل فكري وجمالي لما اختاره من قصص تتنوع فيها النماذج الواقعية، فعلى سبيل المثال كانت عناوينه (بحار من أوغاريت، صلعة حساسة، هدبة في آخر الدنيا، مروراً بالعنوان الذي اختاره لمجموعته الساخر يخرس، وحبنا السري، مغامرات الواوي).
هذه العناوين التي تُلقي ضوءاً كثيفاً على النصوص القصصية ستصبح في فضاء التلقّي أكثر ثراءً دلالياً، حيث تمكّن القارئ من تشكيل النص وفق رؤيته ومرجعيته واستجابته لحسّ السخرية، الذي يفتح على المضمرات الحكائية والبنى المجتمعية والأنساق الفكرية، ويعود بالمتعة على القارئ، لكنها ليست متعةً فحسب، وإنما معرفةٌ بحركية القصّ وجاذبية موضوعاته، وكل ذلك في إطار يقوم على حيوية اللغة وبلاغتها الداخلية وتوترات لغتها، بل في المواقف التي تجهر بها تلك الشخصيات/ الأبطال في متون القصص، تماماً كشخصية (الواوي) بما لها من رصيد حكائي، التي يذهب الكاتب فيها إلى مستويين من المغامرة، مغامرة النص ومغامرة هذه الشخصية التي هي معادل لما يجري في الواقع لا سيما في اللوحات الثماني ومشهدياتها التي بنى عليها القاص شخصية (الواوي)، وهو يختتمها بقول الواوي: (الدنيا فيها حياة وموت وما أحد يأخذ منها شيئاً، يشهد الله يا جماعة إنه باقٍ لي في ذمة أبو سليم قاطع كل حساب أربعة آلاف وخمسين ليرة سورية، وهذا أبو سليم قدّامكم اسألوه).
الساخرُ يخرس - منشورات اتحاد الكتّاب العرب
دمشق- سلسلة القصة (1) -2016
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: