الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > ريبورتاج > سُبلْ المياه في دمشق.. حاجةٌ متجدّدةٌ
سُبلْ المياه في دمشق.. حاجةٌ متجدّدةٌ

جهينة-د. محمود شاهين
وُجدت مناهل المياه في الأساس لتلبية حاجة (فيزيولوجيّة) بحتة، هي توفير مياه الشرب لمحتاجيها من السابلة، لاسيّما في البلدان ذات المناخ الحار والتي يحتاج فيها الناس إلى تناول كميات كبيرة من المياه خلال ساعات النهار بشكل دائم ومستمر. ولتوفير هذه المادة التي أصبحت رمزاً للحياة على الأرض لمحتاجيها من الناس والحيوانات، وُجدت الينابيع والسُبل، ثم لاحقاً مناهل المياه المختلفة، داخل المنازل وخارجها، كالبحيرات التزيينيّة والفسقيات والشلالات والسواقي والنوافير متعددة الأشكال، وهذه الأخيرة أنيطت بها مهمة توفير مياه الشرب للسابلة في الشوارع، والرطوبة المنعشة، والمنظر الجميل الرائع المبهج للعين والروح والأحاسيس، وخاصة عندما يتعانق فيها الماء والضوء ومظاهر الفن البديع، مشكلة (سيمفونية) قوامها الرذاذ والأضواء والظلال وكتل الفن المدروسة في بُعديها: الوظيفي والجمالي.
ولنجاح هذا المظهر القديم - الجديد، لا بد من دراسته بإسهاب، سواء من حيث العناصر المكوّنة له أو من حيث علاقته بالمحيط المعماري والتنظيمي الناهض فيه، كتلةً كان أم فراغاً، إذ باتت مناهل المياه والبحيرات التزيينيّة منشأةً معماريّة وفنيّة كاملة، تحتوي على العديد من العناصر والمكونات مختلفة المواد والخامات، ويساهم في إنجازها الفنانون والمهندسون متعددو الاختصاص، إلى جانب الحرفيين والعمال. بمعنى إنها بحاجة إلى بنى تحتيّة معقدة، تُستجر بوساطتها المياه إليها، وتضمن استمرار تدفقها بالتشكيلات الفراغيّة المطلوبة، والاستفادة القصوى من الكمية الواصلة إليها، عبر إعادة تجميعها وتكرار تدفقها بشكل دائم توفيراً وحرصاً على هذه المادة التي صارت أغلى وأثمن من النفط في عصر شح المياه الذي نعيشه!.
وتعود نشأة السُبل ومناهل المياه إلى عصور موغلة في القدم، فقد فرضت وجودها حاجة الإنسان والحيوان للماء، وكانت في البداية بسيطة، تطغى عليها الحاجة الوظيفيّة البحتة، وهي توفير مياه الشرب بأبسط السبل وأسهلها من الينابيع والأنهار بوساطة السواقي والأقنية والنواعير وغير ذلك من وسائل استخراج المياه وضخها إلى مناهلها في الشوارع والساحات ومداخل المدن، وحتى في الحقول القصية.

سُبلْ دمشق
تميزت دمشق خلال حقب زمنية مختلفة بثرائها بالسبل ومناهل المياه، سواء الخارجي منها الموزع على الحارات والشوارع والأسواق، أو الداخلي المتمثل بالفسقيات وبحيرات البيوت والقصور التي كانت تؤدي وظيفةً استعماليّةً وجماليّةً في وقت واحد. ويقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان): إن من خصائص دمشق التي لم ير في بلد آخر مثلها: كثرة الأنهار، وجريان الماء في قنواتها. فقلّ أن تمر بحائط إلا والماء يخرج من أنبوب إلى حوض، يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، ولا رأى بها مسجداً ولا مدرسة ولا خانقاً إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان، كان الماء عليها محكماً من جميع نواحيها.
أما (ابن جبير) فيؤكد أن سبل المياه كانت منتشرة في دمشق قبل عام 580 هجري، ما يؤكد على قِدم وجود هذا المظهر الذي يجمع بين وظيفة توفير المياه للسابلة من الناس والحيوانات والنباتات، ووظيفة أخرى جماليّة تزيينيّة، حيث يوحي منظر المياه المتدفق من الأنابيب والنوافير والشلالات، أو الراكد في الفسقيات والبحيرات بالرطوبة والانتعاش والجمال الذي تبدى في طرائق تصميم مناهل المياه ومحيطها والزخارف والتزيينات التي لحقت بها، بحيث أصبحت مظهراً أساسياً من مظاهر عمارة دمشق القديمة، بيتاً كانت أم سوقاً أم حارةً، وهذا المظهر قديم ومدروس من حيث شكله ومكانه وطريقة إيصال المياه إليه.
ويقول (ابن فضل الله العمري الدمشقي): إن المياه كانت تجري في دمشق ضمن قنى مدفونة في الأرض إلى أن تصل إلى مستحقاتها، وتتسع في منافعها، ثم تنصب فضلات الماء والبرك ومجاري (الميضاوات) والمرتفعات إلى قنى وسخ معقودةٍ تحت أزجات الماء المشروب، ثم تجتمع وتنتهر وتخرج إلى ظاهر المدينة لسقي الغيطان.
تاريخ وأساطير
تشير الدراسات إلى أن الإنسان القديم في دمشق تنّبه إلى أهمية مياه الأمطار والينابيع والأنهار وقوتها. واعتقد أن رب المطر (حدد) يحتفظ بالمياه الإنمائيّة، فتخيل رباً للمطر أطلق عليه اسم السماء، وأن الرعد صوته، والبرق سلاحه، والصاعقة من مظاهر قوته وانفعاله وغضبه، فوصفه باسم (حدد رامون) أي حدد الراعد. واعتقد أن كل الخير يأتي من رب المطر الذي هو أيضاً رب الرياح والعاصفة وسيد الينابيع والفيضان، ورب الخصب والغنى والخير والترف. كما اعتقد الإنسان الدمشقي القديم أن قصة الخلق نشأت من زواج رب المياه (إيا) من الربة (داماكيتا) في مجرى النهر، وأن (الأربب) يقومون بحماية مياه الينابيع والعيون، ما يفسر الآداب العامة المتعلقة بعدم قذف الأحجار وغيرها في الآبار والينابيع والأنهار والبحيرات.
مناهل المياه في دمشق
تتوزع مناهل المياه في دمشق على عدة مظاهر، منها: (النافورة الفسقيّة) التي ارتبطت بالبيت العربي القديم، ولعبت دوراً مهماً يعادل دور المدفأة في المناطق المعتدلة الباردة، لهذا تُعتبر النافورة مظهراً معمارياً له مكانة خاصة عند الإنسان العربي القديم، ومهمة جداً لزيادة الرطوبة وتوفير شروط الراحة. وهناك (البركة) التي تنهض ضمن صحن الدار الدمشقيّة أمام واجهة الإيوان، يتراوح قطرها بين 3 و6 أمتار وعمقها من 50 إلى 60 سم، ولها عدة أشكال منها: المثمنة، والإسطوانيّة، والمستطيلة، والدائريّة.
السبلان
أما سبلان المياه في دمشق، فهي كثيرة وتغطي الشوارع والأسواق والحارات، وتؤدي السبلان عدة مهام على مدار السنة، فهي توفر مياه الشرب لمحتاجيها خلال تجوالهم ضمن أسوار المدينة القديمة من دون الحاجة للتزود بعبوات المياه. ولشدة اهتمام الفنانين والمعماريين بهذا المظهر حوّلوه إلى نصب أثريّة جميلة وقديمة، باتت توثق للأنماط المعماريّة للعصور والحقب التي مرت على دمشق. والسبلان هذه ثلاثة أنواع:
الأول: السبيل الذي يُقام في الطرقات.
الثاني: السلسبيل الذي يتوضع ضمن القاعات الشرقيّة.
الثالث: الطالع الذي يوزع المياه في الأقنيّة الرئيسة بنظام دقيق إلى كل بيت.
والأشكال الثلاثة جميلة المظهر، أنيقة التصميم، تُزيّن المكان الموجودة فيه، الأمر الذي يمنح المدينة طابعاً فنياً ساحراً، إضافة إلى وظائفها الأساسيّة المتمثلة بسقي الناس في الأسواق والحارات وأماكن التجمع كالمساجد والمدارس، وسقاية الدواب الخاصة للنقل والسفر، وتزويد المسافرين والقوافل بالماء النظيف، ورشّ الحارات، وقد بدأت مناهل المياه بسيطة، ثم تطورت لتتحول إلى مجال رحب لإبداعات الفنانين والمعماريين والمزخرفين، الأمر الذي حوّلها إلى عنصر جمالي حرّك المكان الموجود فيه، سواء كان في الجدار أو في الساحة.
أشهر السبلان
من أشهر سبلان دمشق التي لا تزال قائمة: سبل سوق الحرير عثماني الطراز المبني عام 1214 هجري. وسبل مكتب عنبر الشرقي الذي بني عام 1305 هجري، وهو تاريخ تشييد مكتب عنبر في دمشق القديمة، وهو عثماني الطراز أيضاً. وسبيل جانب جامع السروجي الذي بناه الوزير عثمان باشا والي دمشق عام 1150 هجري. وسبيل البيمارستان النوري الذي أنشأه نور الدين محمود بن زنكي عام 1154. وسبيل جامع تحت القناطر، وهو من الطراز الحديث. وتحمل السبلان عادةً اسم الذي أنشأها وكتابات منها: (الفاتحة، بسم الله الرحمن الرحيم. وسقاهم ربهم شراباً طهوراً. وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي أفلا يؤمنون. أيها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه). كما تحمل اسم من جدّدها، أو مَنْ أنشأها ليترحم الناس على روحه بعد وفاته ، أو قام أحد أبنائه بتشييده بعد وفاته، وغالبيتها لها أقواس متعددة الطرز والأشكال، ومزينة بالخطوط والكتابات والزخارف المنفذة بشكل غائر أو نافر، يتحول معها السبيل إلى قيمة جماليّة وتاريخيّة مهمة، تكمل القيمة الأخرى التي يؤديها وهي: تأمين مياه الشرب للناس والدواب ورشّ الشوارع بها.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: