الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > ميديا > فن المُلْصَق.. بين الخصائص المحلية والتأثيرات العالمية إيران مثالاً
فن المُلْصَق.. بين الخصائص المحلية والتأثيرات العالمية إيران مثالاً

جهينة- د. محمود شاهين
ينتمي فن المُلْصَق إلى أسرة الفنون التشكيليّة، وبالتحديد إلى فنون التصميم و(الغرافيك) التي باتت (اليوم) واسعة الطيف والتقانات، لاسيّما بوجود الحاسوب الذي منحها دفعةً قويةً إلى الأمام، وطوّر من تقاناتها وأساليبها وأنواعها، وتضم هذه الفنون إلى جانب الملصق، الرسوم التوضيحية (الموتيف) المرافقة لنص علمي أو أدبي، والرسوم المتحركة (الكرتون) وفنون الكتاب والإخراج الصحفي.. وغيره، وكما هي الحال بالنسبة لعملية تحديد ماهية الفن التشكيلي التي لاتزال إشكاليّةً مفتوحةً تتقبل المزيد من الآراء والاجتهادات والإضافات، كذلك الأمر بالنسبة لماهية (فن الملصق) الذي يراه (إياد صقر) مطبوعةً يتم عرضها بشكل علني، وتستخدم أداة للدعاية لمنتج ما أو حدث معيّن أو مناسبة أو سبب من خلال عرض صورة مع نص. بمعنى أن مهمة الملصق هي الإعلان البصري الموجز بتوفير المعلومة ونقلها، أو الإشارة إلى حدث بكثير من الاختزال والإيجاز وبأقلّ ما يمكن من النصوص والكلمات والرسوم والصور عن طريق الدمج بين هذه العناصر مجتمعةً، حيث من المفروض أن تلعب الأشكال والألوان والعناصر البصريّة الأخرى مهمة تصيّد عين المتلقي وجذبها إلى النص المرافق الحاضن للمعلومة.

نشأة فن المُلْصَق
بدأ فن الملصق بسيطاً في عناصره التشكيليّة، وكان في البداية يعتمد بشكل رئيسي على النص، ثم أضيفت إلى النص صور ورسوم وألوان، وزّعها المصمم بإتقان لجذب العين إليها، ثم تطور هذا الفن بشكل كبير وملحوظ نتيجة التطور الطباعي وتالياً اختراع الحاسوب، فقد نُفّذ الملصق وطُبع بوساطة ألواح من الخشب أو الحجر (ليتوغراف) أو المعدن (الزنك والنحاس) أو الشاشة الحريريّة، ثم تطوّر ليطبع بوساطة (التيبو) ثم (الأوفست) ثم (الحاسوب) الذي وضع بين أيدي المصممين إمكانات هائلة انعكست تأثيراتها على ضروب الفنون البصريّة الثابتة والمتحركة كافة، لاسيّما فنون الإعلان والترويج المختلفة التي صارت من المظاهر الرئيسة في المدن والبلدات، تطالعنا في مداخلها وساحاتها وشوارعها وعلى جدران أبنيتها وفوقها، منها الثابت ومنها المتحرك. كما أن تطور فنون الإعلان لم يقتصر على الملصق ولوحات الإعلان الطرقيّة، وإنما طال كل أشكالها وأجناسها: الورقي والفلمي، السينمائي والتلفزيوني والحاسوبي، التقليدي والإلكتروني. كما وصل الإعلان إلى كل ما يستعمله الإنسان المعاصر في حياته اليوميّة: ثيابه وإكسسواراتها، أدوات أكله وشربه وتنقله، صحفه ومجلاته وأقلامه وهاتفه المحمول.. إلخ. أما أهدافه فهي الترويج لقضايا ومنتجات: ثقافيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة أو تجاريّة أو شخصيّة.
وللإعلان الناجح مقوّمات وأسس وخصائص منها: الوضوح، وبساطة التصميم، واختزال أشكاله ورموزه، وبروز العبارات والكلمات التي يحملها، وقدرة المتلقي (راجلاً كان أم راكباً في إحدى وسائل النقل) على قراءتها، وإدراك مضمونها. ولتحقيق هذا الهدف ينبغي على مصمم الإعلان تكثيف عناصره، واستخدام الألوان المثيرة والصور المؤثرة، فالإعلان في الأساس هو عبارة عن رسالة يجب أن تصل بلغة بصريّة واضحة وجذابة ومقروءة، وأن توضع في المكان الصحيح والمناسب والملائم لضمان وصول الإعلان إلى المتلقي، وبالتالي قيامه بالفعل المشروع وغير المشروع ببصره وبصيرته.
وقد بدأ فن الملصق مسيرة تطوره عندما اخترعت الطباعة الحجريّة «Lithgraph» نهاية القرن التاسع عشر، وكان أول ملصق احتوى على المقوّمات الصحيحة لهذا الفن وضعه الإنكليزي (فريدريك والكر) عام 1871 من أجل الإعلان عن مباراة في لندن. وفي باريس قدّم الفنان (شيريه) منتصف ستينيات القرن التاسع عشر نمطاً جديداً من أنماط الطباعة الحجريّة الملونة التي حوّلت شوارع باريس إلى معرض في الهواء الطلق، ثم جاء الفنان (هنري تولوز لوتريك) ليرفع من المستوى الفني للملصق، حيث أدخل الحفر الياباني إليه بشكل مختلف عما قام به (شيريه).
في هذا الوقت لم يكن هناك قانون يتحكم بالملصق وكيفية عرضه أو تصنيفه وفق قواعد وأصول محددة، وأول مساحة اعتمدت للوحات الإعلان كانت بقياس (265 X 592 سم). وبالتدريج بدأت تنتظم هذه المهنة الفنيّة، وأخذت تظهر قوانين وأسس معتمَدَة لها، وتالياً منظمات أو نقابات للعاملين في حقولها، لعل أولها كان ما بين الأعوام 1872 - 1912 في الولايات المتحدة الأمريكيّة، حيث قامت منظمة خاصة بالعاملين في حقل الملصقات بوضع شروط ومواصفات وقياسات اللوحات الإعلانيّة، سرعان ما أخذتها عنها باقي دول العالم لتصبح لها قوانين عالميّة ناظمة ومعتمدَة.
الملصق الإيراني المعاصر
في إحدى زياراتي إلى مدينة (الشارقة) بدولة الإمارات العربيّة المتحدة، وضمن مهرجان الفنون الإسلاميّة (طريق الحرير) في دورته الحادية عشرة، قُيّض لي مشاهدة معرض مهم لفن الملصق الإيراني المعاصر ضمّ 110 أعمال فنيّة منفّذة بأساليب واتجاهات وتقانات طباعيّة مختلفة واءمت ببراعة واقتدار بين الروح الإيرانيّة الإسلاميّة المتفردّة (لاسيّما استخدام الحرف العربي في نصوصها وعباراتها) ولغة التصميم العالميّة التي وفّرتها تطورات التكنولوجيا في مجالي التصوير الضوئي والطباعة التقليديّة والرقميّة، ما منحها دفعةً كبيرةً إلى الأمام، فقد أعدّت المعرض ونظّمته جمعية إيران لفنون التصميم، وهي المؤسسة الوحيدة المستقلة للعاملين في قطاع فن التصميم في هذا البلد، كانت انطلاقتها الأولى عام 1997، وانتشرت وترسّخت خلال سنوات قليلة لتضمّ الآن ما يربو على 700 عضو محترف يشتغلون على شتى أساليب وتقانات هذا الفن المتشعب الاستخدامات والمطلوب بإلحاح، ما يوفر تربةً صالحةً لنهوضه وتطوره وانتشاره.
إن وجود (معرض فن الملصق الإيراني المعاصر) ضمن فعاليات مهرجان الفنون الإسلاميّة المشار إليه وفّر للمشاركين فيه (ونحن منهم) وللمتلقين بشكل عام فرصة طيبة للاطلاع على أطياف هذا الفن المهم، والتبصّر بأساليبه وتقاناته، كما وفّر هذا المعرض - كما أشارت إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، الجهة المنظّمة للمهرجان- مادةً بصريّةً حيّةً ومعيشةً للقراءة من قبل جمهور الفن الذي حضر المهرجان، ومكّنته من الاطلاع على فنون التصميم وقدرات المبدعين المعاصرين في إيران، حيث أكدت الأعمال التي ضمّها وجود مستوى متقدم في فهم الفنون الغرافيكيّة، سواء في الجانب المتعلق بتصميم الملصقات أو تلك المتعلقة بتصميم أغلفة الكتب، ويمكن ملاحظة الاستيعاب الذي أبداه المصمم الإيراني في فهم التقانات المتاحة على الحواسيب والتي لم تقف حائلاً دون استلهام الجوانب التصميميّة للحروف العربية والفارسية، باعتبار الكتابة جزءاً لا يتجزأ من بنية هذه التصاميم الفنية، هذا بالإضافة إلى الاعتماد على مادة الموروث الجمالي بما في ذلك الأشكال السومرية أو الزخارف الإسلامية أو التوليفات الزخرفيّة.
وأشارت إدارة الفنون إلى أن هذا النوع من الفنون يعكس معاني الفنون في انتقالها من حالتها الذاتية إلى حالة أكثر ديمقراطية عبر انتشارها بين الناس في الحياة اليوميّة من خلال الملصق الجداري أو الكتاب المتداول لكونهما قابلين للتكرار عبر الطباعة والنشر، لهذا فإن القيمة الاتصاليّة والحواريّة التفاعليّة تُكسب فنون التصميم هذه امتداداً جماهيرياً يساعد على نشرهما، ويُصّعد من الذائقة الجماليّة لدى المتلقين، لاسيّما إذا جاء المنجز البصري مفعماً بالإخلاص، مُبتكراً في فكرته وتقانته ومتفوقاً في إنجازه، وهذه الخصائص والمقوّمات إذا ما توفرت في التصميم الغرافيكي سترفع من مستوى المنجز وقدرته على التأثير في المتلقي فكرياً وجمالياً.
من جانبه، يشير (سعيد مشكي) من جمعية إيران لفنون التصميم إلى أن الفنانين المشاركين في هذا المعرض يمتلكون كل شروط وإنجازات المصممين السابقين، وقاموا بتأسيس فن التصميم الحالي على أساس متين قبل الثورة الإسلامية، مؤكداً أن المصممين الإيرانيين من الجيل الحالي هم الذين كانوا مراهقين أو أطفالاً أيام الثورة، وقد تحوّلوا إلى راشدين خلال الحرب العراقيّة- الإيرانيّة، لهذا من الطبيعي أن تكون لهم صفات مميزة، وأن يسعوا إلى تغيير الكثير من القواعد، وفي بعض الأحيان إزالتها.
إن الجيل الحالي من المصممين الإيرانيين يلتزم بسنواته العديدة من الثقافة والفنون، وقد استفاد منها كثيراً، ولهذا السبب نجد اختلافاتهم التي (في بعض الأحيان) تكون اختلافات جوهريّة من وجهة نظر المصممين السابقين، وهو أمر طبيعي نتيجة التطور المتلاحق لوسائل التصميم والطباعة الحديثة التي يرتبط بها فن الملصق خصوصاً، وفنون التصميم (الغرافيكي) وفنون الكتاب عموماً، حتى إن فن الحفر المطبوع (الغرافيك) نما وتطور في حضن الطباعة، وتطوّر مع تطورها، وفي هذا المجال نشير إلى اختراع علمي مفصلي شكّل رافعة مهمة لهذه الفنون هو الحاسوب، الذي أسعف المصممين (الغرافيكيين)، ونهض بمنجزاتهم، واختصر الوقت والجهد، وجعل الخطاطين - أو القسم الأكبر منهم- يتفرغون لتحسين خطوطهم والتفنن بها والابتكار في طرزها وأنواعها، سواء منها الملتزم بقواعد وأصول الخط أو تلك التي اجتهدت في البحث عن الجديد الملائم والمواكب للتطورات الكبيرة التي حدثت على صعيد الطباعة وآلاتها ووسائلها.
مثل هذا التطور التصميمي والتقاني على صعيد فنون التصميم والإعلان تجسّده بوضوح وجلاء الأعمال التي ضمها معرض الملصق الإيراني في (الشارقة)، فهي عالمية التوجه والخبرات التقانية، لكن الخلفية الجيدة للخط في إيران - كما يرى سعيد مشكي- منحت مصمميها الفرصة لتقديم مساحات مختلفة وجديدة ميّزت نتاجاتهم عن التصميم الأوروبي، رغم أن تطوّر الطباعة في السنوات القليلة الماضية نتج عنه جدل واسع النطاق حول التصميم التصويري في إيران، على الرغم من أن الوقت ما زال مبكراً للحكم على نتائج الطباعة الإيرانيّة، مع ذلك يستدرك (مشكي) مؤكداً أن العديد من الخبرات الحالية حملت نتائج طموحة اعتمدت على تراث الطباعة الإيرانية، مشيراً إلى أن بداية الحقبة المهنية للجيل الحالي تزامنت مع ظهور الحاسوب الآلي ودخوله ميدان الفن التصويري والتصميم، فقد رحبوا بتلك السلعة، وباشروا في استخدامها على الرغم من أنهم- منذ نشأتهم مع حقبة الأجهزة الرقمية المتطورة و(الكمبيوتر)- لم يتغلبوا عليها، وإنما استفادوا منها لكونها آلة فقط. وبناءً على هذا، فإن الجيل الحالي يمثل الجزء الفعّال بمجال تصميم الفنون التصويرية في إيران، ويمكن مشاهدة حضوره بوضوح في جميع المناطق، فهذا الجيل الذي ظهر متأخراً يبدو أنه لن يرحل بسهولة من دون أن يخلّف وراءه بصمةً واضحةً في فنون التصميم الغرافيكي في إيران، وهو ما بدا ماثلاً وبقوة في أعمال المعرض.
من جانب آخر، يرى (إبراهيم حقيقي) رئيس جمعية فنون التصميم الإيرانية أن بعض الفنانين والخطاطين في إيران ابتكروا أساليب جديدة ورفيعة المستوى لاتزال شائعة، واختاروا التكنولوجيا والخط والرسم والنمنمة كوسيط للقيام بأعمال التصوير الزيتي، كما أصبح الخط الإيراني مقدساً لأنه ينهل من (القرآن الكريم) والأشعار وخطب الحكماء، والقلم بالنسبة لهم شيء مقدّس، لأن الله حلف به في القرآن الكريم. وبرأي (حقيقي) أن فنون التصميم في إيران، على الرغم من حداثتها (مثل جميع الفنون)، لديها أساليب مستوحاة من بعض المصممين الآخرين في البلدان الغربية التي وُلدت فيها فنون التصميم، لكنها لم تتوقف قط عن إظهار هويتها وأساليبها الخاصة، وذلك منذ بدأ تعليم هذه الفنون في إيران والذي ارتبط بتأسيس كلية الفنون الزخرفيّة عام 1960، ثم بتأسيس كلية الفنون الجميلة في جامعة طهران 1969، ومن هاتين الكليتين خرجت قوافل المصممين الأكاديميين لتتوزع في طريقين اثنين: الأول هو مرفق السوق الواسعة والتي بدأت تحتاج إليهم نتيجة التطور المتلاحق والمتعاظم لفنون الإعلام المقروء والمُشاهد وفنون الكتاب والإعلان المتعدد الأغراض والأهداف، والثاني هو المرفق التعليمي المختلف المستويات، لاسيّما الأكاديمي الذي يحتاج باستمرار إلى خبرات عالية من أجل تأهيل وتدريب المواهب الجديدة الشابة، لأن النهر، الذي لا تغذيه وبشكل دائم السواقي، ينقطعُ ويجفُّ.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: