الأحد, 22 تشرين الأول 2017
مجلة جهينة > لقاءات > الشاعر يحيى محي الدين.. تكتبه القصيدةُ وجعاً ودمَاً طاعنٌ في الرؤيا وشعره خفقةُ حياة
الشاعر يحيى محي الدين.. تكتبه القصيدةُ وجعاً ودمَاً طاعنٌ في الرؤيا وشعره خفقةُ حياة
جهينة- أحمد علي هلال
لطالما أرّقته الرؤية والرؤيا ليكتب تدوين عشقه فعلاً شعرياً بل أفعال حياة، لم يكن هاجسه الشعر هو لغة أولاً ولا يمكن تجديد اللغة إلا من داخلها.. إنه الشاعر يحيى محي الدين الذي التقته (جهينة) لتقف معه على ماهية الشعر ووظائفه في اللحظة السورية الراهنة، وكان لها معه الحوار التالي:
الشعرية وفضاءاتها المفتوحة
كيف ترى إلى المشهد الشعري اليوم: هل ثمة ما يمكن تسميته بالقطيعة مع الماضي أم استئناف لما أسّسه الرواد، وهل ترى أن الأجيال الشعرية مع التحفظ على مصطلح الأجيال استطاعت أن تقدم خطاباً أدبياً مغايراً وله حساسياته؟
ثمّة شقان لسؤالك، سأبدأ من الشق الثاني لأنني أراه مدخلاً للأول.. لم تتوقف محاولات التجديد في الشعر منذ وجوده الأول قبل وبعد اكتشاف الخليل بن أحمد الفراهيدي للبحور الشعرية، وقد كانت هناك محاولات لأبي تمام في العصر العباسي ونزار قباني حديثاً وغيرهما، لذلك كنا نرى عصوراً شعرية وتيارات شعرية وأجيالاً شعرية تختلف عن غيرها إن في البنى الفنية أو الدلالية، لكن هذا لا يعني أن كل محاولة تجديد صائبة بالضرورة ولكن يبقى لها شرف المحاولة، أنا لا أرى أن التجديد هو محاولة النهوض بالبنية الفنية فقط أو الخروج على الأشكال التقليدية السابقة، فلنعد إلى شعر بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة اللذين كانت لهما محاولات مهمة للانعطاف بالشعر وجماعة أبولو قبل ذلك حتى نرى أن محاولات التجديد لم تكن محاولات شكلية فقط بل كانت تنحو باتجاه إيجاد عوالم شعرية وفضاءات فنية ودلالية جديدة باستخدام الرمز وتعدّد الدلالة ثم تطوّر ذلك لتصبح الصورة من أهم حوامل التجديد.. وأعود للشق الأول من السؤال لأقول: إن هذه المحاولات لم تشكل قطيعةً فنيةً مع الماضي بالمعنى الدقيق للكلمة، كما أنها لم ترتقِ إلى مستوى القطيعة الجمالية، أي إنها لم تحدث توتراً جمالياً بما يكفي، فلا تزال الشعرية العربية في حالة تأهب للانطلاق نحو فضاءات أرحب منطلقةً من الصدمات التي مرّ بها الشاعر والأديب العربي في غير مكان وزمان، وهذا أبداً لا ينقص من أهمية هذه التجربة وخاصةً أن هناك محاولات مهمة لبعض المجدّدين حاولوا فيها إحداث قطيعة مع الماضي كالشاعر السوري أدونيس الذي تأثر شعره بفلسفته والشاعر محمود درويش الذي اشتغل على البنية اللغوية في الشعر والارتقاء بالصورة والرمز الشعريين وشعراء آخرين، لهذا سأنحاز إلى التفاؤل بالنظرة للمشهد الشعري العربي المعاصر وخاصة الشعر السوري منه، علماً أن قطيعة الشعر مع الماضي غير القطيعة المعرفية، فالشعر هو لغة أولاً ولايمكن تجديد اللغة إلا من داخلها.
الشاعر شمعة لم تنطفئ
الشعر هو الأسرع في استجابته واجتراحه للمعادلات الجمالية واللغوية للحرب الكونية التي شنت على بلدنا سورية، ترى ما الذي يحكم هذه الاستجابة، الانفعال الإيجابي أم الرؤيا والاستشراف؟
نعم، إن الشعر هو الأسرع غالباً في استجابته واجتراحه للمعادلات الروحية، وذلك بعد أن تغيّرت وظيفته وتنوعت أهدافه، ونزل من سطح الذاتية والفردية على صعيد الخطاب، وترجّل من مفاهيم المديح والهجاء، فالتصق بالناس ليحاكي آلامهم وهواجسهم ويتطلع معهم بل يسبقهم في استشراف عوالم أخرى أكثر نبلاً وخيراً.. وما ذلك إلا لأن الشاعر العربي أمسك بأدواته الفنية والمعرفية، وقد شكّلت الحرب الكونية المفروضة على وطننا أحد أهم الهواجس والروافد التي لا بد أن يتأثر بها السرد الأدبي وخاصة الشعر، باعتبار أن أحد أهم مكوّنات الشعرية العربية الحديثة هو الواقع كبنى فكرية وإنسانية والوقوف على مفهوم الهوية.. وقراءة هذا الواقع من زوايا غير تقليدية يقوم بها الشعر أسبق من غيره لأنه يستخدم أساليب فنية مؤثرة في النفس والروح بأدواتٍ رمزية ودلالية يفعل بها خيال الشاعر فعلاً نهضوياً ضالعاً في الرؤيا والاستشفاف، إنها وظيفة الشعرية الجديدة. فالشاعر السوري (اليوم) محموم ومستغرق بالحالة التي يمرّ بها الوطن، فتكتبه القصيدة وجعاً ودماً، وهو إذ يلتقط إشارة القصيدة إنما يتحول إلى مفردة من مفردات الصمود وماذلك إلا لأنه تلمّس باكراً خيوط تلك المؤامرة، وأدرك الأبعاد الحقيقية للحرب ومن يقف وراءها.. وقد صدقتْ رؤيته بعد سبع من السنين، لذلك كان تلك الشمعة التي لم تنطفئ منذ خيط الظلام الأول.. أشعل دمه بالنشيد وحلّق في سماء الوطن.
أمي هي الأنثى الأولى وحضنها الوطن الأول
لكل شاعر مبدع جملة من المؤثرات التي تقوم عليها تجربته الإبداعية.. ترى ما أبرز هذه المؤثرات في تجربتك الإبداعية التي جعلت لقصائدك خصوصيتها وفرادتها في هذا المشهد الشعري الراهن؟
لعلّ الشاعر دون غيره هو الأكثر تحسساً لتفاصيل تجربته الإنسانية منهمكاً بمفاعيلها، مسترسلاً مع جزئياتها، يستنبط ما لم يستنبطه الآخرون، فينجز اكتشافاته ما بين ظلٍّ ونور، ويقبض على جمره كما يقبض على جمر غيره.. لقد قبضتُّ على الألم باكراً عندما فاجأتني الحياة بموت والدتي وكانت مرارة الفقد والإحساس بالخيبة كبيرة حيث تركت أثراً لن تمحوه الأيام، فقد كانت أمي هي الأنثى الأولى وحضنها الوطن الأول وأدعيتها الحزينة ترنيمتي الوحيدة، لم تكنْ أماً عاديةً، ولذلك لم يكن رحيلها عادياً بالنسبة لي إذ تعلّمت منها حب الأرض وكل القيم النبيلة، كانت ولا تزال ملهمتي.. ومع مرور الوقت لملمتُّ جراحي، وبدأت أعي الحياة فأصحو مع خيوط الضوء الأولى على صوت والدي وهو يقرأ القرآن بشكل يومي ما ترك فيّ أثراً لحب القراءة، وفي بيتنا الريفي كانت تنعقد السهرات في ليالي الشتاء التي استمعت فيها للحكايات والسير الشعبية وفروسية عنترة والزير سالم وقصص (ألف ليلة وليلة)، ما أطلق خيالي نحو عوالم الأسطورة والعشق والبطولات النادرة والصراع بين الحق والباطل، وانتصار الحق دائماً ما رسّخ في ذهني معاني الانتصار للخير وقيمه الفاضلة، ثم بدأت أقرأ ما كنت أسمعه وتطورت قراءاتي ما بين شعرية ونثرية وفكرية وفلسفية، فكبرت بذهني أسئلة الحياة والموت، وأزهرت بداخلي لغةٌ أخرى هي لغة الأدب والشعر وبدأت تتضح في مواضيع التعبير المدرسية.. وسرعان ما ترسّخت لغة النشيد عندما بدأت الأنثى الحبيبة تدقّ أبواب القلب، فامتزجت عواطف الحب والحزن، الأمل والألم، ومن ثم كان الوطن اختصار الروح في قصيدة كما كان الفقد وتراً بمعزوفة الاغتراب، وكما سيبقى الحب خفقة الروح الخالدة أليس الشعر خفقة الحياة الخالدة؟.
التأثير المتبادل بين الواقع والخيال
هل نحن إزاء حرية الخيال، وكيف نقف على جدلية الإبداع وتراسل الأجناس الأدبية في ضوء إشكاليات قصيدة النثر مثلاً أو حرية المبدع باختيار الشكل الفني لقصيدته؟
للخيال الدور الأهم بالمنجز الإبداعي حتى إن كان هذا المنجز متجسداً بالواقع، حيث إن الإبداع هو أحد تشكيلات الخيال، ولكن ذلك لا يمكن له أن يحدث من دون شرط الحرية، فإذا كان مفهوم الحرية بأحد معانيه -مسؤولية- أي إنه صادر عن إرادة يصبح المنجز الإبداعي إحدى سلالات الوعي، فيما يعتبر الشعر تحديداً منجزاً لا تدخل مباشراً للعقل أي للمنطق العقلي فيه.. إن هذا التداخل يحيلنا إلى استفهام آخر، هل نحن أحرارٌ ولا حدود لخيالنا أم إن ذلك محض اعتقاد؟ أليست عبارة «داخل كل مبدع رقيب» لا تزال ساريةً، أنا أرى أن الرقيب ليس سلطةً ماديةً تماماً، بل إنه عبارة عن تراكمات ذهنية ثقافية وتاريخية، ما جعل الخيال رهينةً لثقافة مسبقة الصنع رغم اتساعه، ولكنني وانطلاقاً من قدرتي على التخيّل سأنفي ما وصلت إليه، وأطرح جدلاً ببنية العلاقة والتراسل في الأجناس الأدبية انطلاقاً من عائدية كل جنس أدبي إلى محموله سواء الخيالي أو العقلي.. فمحاولة نقل السرد من حالته النثرية إلى حالة شعرية موقّعة ومرسلة عبر الخيال والموسيقا وخلط الأوراق لن يكتب لها النجاح، ذلك لأننا نكون قد دسسنا شيئاً مربكاً للحالة الشعورية نتيجة تدخل العقل بشكل مباشر، فيما تفترض الحالة الشعرية إعمال الخيال الفردي والاتكاء على الخيال الجماعي والابتعاد ما أمكن عن دور حقيقي للعقل، لكن كل ذلك يبقى في إطار افتراضي ولا بد في النتيجة من التأثير المتبادل والتداخل بين ما هو واقعي وما هو خيالي لتحديد السلالات والأجناس الأدبية.. وأمام هذا التداخل نحن إزاء حرية خيال متحركةً تبعاً للزمان والمكان وتبعاً أيضاً للمستوى الثقافي، إذ إن إحدى إشكاليات هذا التداخل ما يسمى اليوم (قصيدة النثر)، ونستثني من ذلك بعض الومضات.
القصيدة بوصفها منجزاً ثقافياً
هل لايزال الرهان على القصيدة المثقفة رابحاً، وما استحقاقات هذا الرهان ؟
الرهان بدايةً ودائماً على الشعر بما هو جنس أدبي رفيع وراقٍ، وثمة تقاطع هنا مع سؤالك الماضي من حيث اعتبار الشعر الابن الشرعي للخيال وليس الفكر، ولكن هذا لا يعني أبداً أن القصيدة هي مجرد لعبة لغوية ومجالات وإحالات قصيرة «النفَس الثقافي» إن جاز التعبير، فكل إبداع هو ابتكار وخلق والابتكار منجز عقلي سواء كان حسيّاً أو مجرّداً، وهذا يحيلنا إلى القصيدة الاختزال، القصيدة الومضة التي تكثّف لحظتها الفكرية لتطرح تساؤلاتها الجمالية والمعرفية بكلمات أقلّ ودلالات أكثر.. وكون الشاعر حالةً فكريةً وثقافيةً بامتياز فمنجزه الشعري هو منجز ثقافي أيضاً، والقصيدة المثقفة هي أحد أشكال القصيدة الحديثة والمنجز الشعري العربي منجز فني وجمالي قبل أن يكون قصيدةً مثقفةً.. والرهان يقوم على تجليات الثقافة في الإبداع سواء في الشعر أو غيره من الأجناس الأدبية وفي الفن عموماً مع اشتغال المكان بالجمال المناسب.
نهضة الأدب السوري ونماذجه الراقية
كيف ترى مواكبة النقد للشعر والإبداع عموماً، ترى هل يقف النقد في خطابه ولغته وأدواته على مسافة واحدة من الإبداع، أم إن ثمة أزمة تطول النقد وتتعداه إلى بنية الثقافة وما آفاقها؟
حال النقد هي حال الإبداع، فالنقد أيضاً إبداع وتوتر عال ولكنه إبداع لاحق.. إنه سرد نقدي يأتي بعد السرد الإبداعي والفني لإضاءته ودراسته والحكم عليه ومع ذلك لن تتقدم العربة على الحصان، وهذا ليس تقليلاً من شأن ودور العملية النقدية، لا أبداً فالعملية الإبداعية لا تكتمل وترتقي من دون النقد، والخطاب النقدي صحيح أنه لاحق للخطاب الإبداعي وذلك بحكم وظيفته التي يضطلع بها بقراءة ودراسة وتحليل الخطاب الإبداعي بل إعادة إنتاجه من جديد، إذ لم يعد دور النقد تفسير النص الأدبي بل إعادة كتابته وخلقه.. ولذلك أي حديث عن أزمة تطول النقد لا بدّ أنه مفضٍ إلى حديث عن أزمة تطول الإبداع، ولا يمكن أن تخلو مرحلة إبداعية أو يمرّ عصر شعري من دون التعرض لأزمات صغيرة أو كبيرة تبعاً للأزمات النفسية التي يمرّ بها المبدع أيضاً تبعاً للأزمات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية التي يمرّ بها الإنسان في غير مكان وزمان من الجغرافيا العربية. ولكن هل يقف الخطاب النقدي على مستوى واحد من الأجناس الأدبية؟ لا، فالنقد حسب ما أرى يطول السرد الروائي والقصصي أكثر مما يطول السرد الشعري ومردّ ذلك الحساسية العالية للشعر وتوتره الخاص وخصوصيته الدلالية والجمالية. ولا بد هنا من التأكيد على أن الأوضاع الحالية التي يمرّ بها وطننا ستترك آثارها على الخطابين الأدبي والنقدي وبالتالي على المشهد الثقافي كله، إذ لا فصل أبداً بين المشهدين الأدبي والنقدي من جهة والثقافي من جهة أخرى، فيما قد يحصل العكس فتنتج الأزمات والحروب أدباً إنسانياً رفيعاً كما حصل في الأدب الروسي، وأعتقد أن الأدب السوري سوف يشهد نهضةً ويقدم نماذج ترتقي إلى الأدب العالمي.
الأديب (هارموني) متعدد الإيقاعات
ثمة من يرى (اليوم) أن مفهوم الالتزام قد تغيّر بتغير القضايا، ويذهب فريق آخر للقول إن هذه المفاهيم تقادمت، كيف لنا أن نجدد بهذا المفهوم ونثريه في ظل متغيرات عاصفة تشهدها ثقافتنا العربية؟
ضمن المتغيرات الحاصلة منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتطور في مفاهيم عديدة ومنها مفهوم الالتزام بالأدب رأى فريق أن مفهوم الالتزام تغيّر بتغير القضايا، وهو محقٌ من حيث شكل التغيير وليس جوهره، إذ إن نهوض القضايا القومية والاجتماعية مع بداية القرن العشرين طرح على الأديب أسئلةً تخصّ طريقته في التعاطي مع هذه القضايا، فلعبت الإيديولوجيا دوراً كما لعبت الأحزاب السياسة دوراً في هذه المسألة. وأنا أسير على رصيف واحد مع الفريق الذي يرى بتقادم مفهوم الالتزام وأدوات تبنّي مواقف معينة على أسس إيديولوجية أو عقائدية، وأميل إلى موقف آخر يعتبر الالتزام جوهر الأدب على أسس جديدة فرضها التغير والتطور الحاصلان في وسائل التواصل التي ألغت الحدود بين الدول وجعلت العالم قريةً صغيرةً. كما يرتبط ذلك بالوظيفة التي يضطلع بها الأديب تجاه قضايا الأمة والفرد، فالأديب لا يكتب للتسلية والتهريج ولا لإظهار براعة في نسج الأشكال الأدبية، وقد وعى دوره ومسؤوليته (اليوم) فطوّر أدواته وقد أصبح لمفهوم الالتزام مجالات أكثر أهمية وأوسع مجالاً بعد أن صارت قضية الإنسان في أي مكان من العالم مجالاً حيوياً له يقوم على رؤية الأديب لعالم بلا حدود، عالم تقوده مبادئ العقل والعِلم وسيادة الإنسان على أرضه وحق الشعوب بتقرير مصيرها.. إنني أعتبر (اليوم) الأديب أحد الأصوات ضمن هارموني متعدد الإيقاعات في جوقة موسيقية واحدة تؤدي معزوفة الحرية والعدالة والجمال من أجل الإنسانية كلها. وأستطيع القول إنه بهذا الشكل ينقل ثقافته للعالم، فعندما تسود ثقافة الاعتراف بالآخر الجمالي والآخر الثقافي ينهض الحلم من نومه على إيقاع الحرية والعدالة الإنسانية.
المؤسسات الثقافية والدور المنشود
هل نستطيع تقييم دور الملتقيات الأدبية بأنها ترفد الإبداع وتملأ فراغات محتملة، أو إنها تأتي من منطلق التشاركية في البيت الثقافي، علماً أن بعضها انكفأ وتقلصت كثيراً تلك الأدوار وكانت في بداية الحرب ذات زخم كبير، ويقال في هذا السياق إنها استنبتت قسراً ولم تحتفِ بالمعايير كثيراً، أين يقف الشاعر يحيى محي الدين من هذه السجالات؟
لم تستطع الملتقيات الأدبية الطالعة دونما عناية، الارتقاء إلى مستوى طموح الأديب السوري، هذا من جهة أما من جهة أخرى فالأدب السوري لم يكن على موعد ولم يكن بحاجة لمثل هذه الملتقيات لتأخذ بيده، رغم أن أي مساعٍ وأية عناية جادة تساهم في تحريك الجو الأدبي والثقافي عموماً وإفساح المجال أمام الأديب لتقديم نتاجه مرحّب بها من حيث المبدأ، ولكن هل استطاعت هذه الملتقيات التي ظهرت وتشكلت بعجالة أن تشكّل رافداً حقيقياً للأدب السوري؟ فلنقل إنها أشبه ما تكون بالحجر الذي يحرّك سطح المياه الراكدة من دون تأثير في العمق، إما وأن لكل مجتهد نصيباً فقد كان لها وجهان: إيجابي حيث أتاحت الفرصة للمواهب الشابة كما أتاحت الفرصة للقاء الأدباء فيما بينهم ومع الأجيال الأدبية المختلفة، وآخر سلبي تمثّل بظهور طبقة ممن يكتب ما يشبه الأدب واعتقاده بأن إنتاجه أدبٌ لا يقبل الجدل، وكان ذلك نتيجة غياب النقد الموضوعي الذي يجب أن يواكب هذه النتاجات والقيام بدوره في تصويب وتقويم ما هو بحاجة لذلك.. أما من ناحيتي فقد دُعيت للمشاركة في غير ملتقى إيماناً منّي بمبدأ المشاركة، وعيني على شرفة عالية ترتقي بالمستوى من حيث الشكل والمضمون، لكنني لم أعوّل يوماً على هذه الملتقيات، وخاصة أن المؤسسات الثقافية الرسمية لم تألُ جهداً وتعمل بكامل طاقتها للنهوض بالعمل الأدبي والثقافي أفقياً وعمودياً.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق: